من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد من
وأنشد:
تخيّرن من أزمان يوم حليمةإلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب
تقدّم شرحه في شواهد بيد ضمن قصيدة النابغة.
وأنشد:
وذلك من نبأ جاءني
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، فيما رواه الأصمعي وأبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة وابن الاعرابي. وقال ابن الكلبي: هي لعمرو بن معدي كرب، ورواه ابن دريد لأمرئ القيس بن عانس، بالنون، الصحابي وأوّل القصيدة:
تطاول ليلك بالأثمدونام الخليّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلةكليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءنيوخبّرته عن أبي الأسود
تطاول ليلك: كناية عن السهر. قال المصنف في شرح شواهد: وهو خطاب لنفسه والأصل ليلى. والأثمد: بفتح الهمزة وسكون المثلثة وضم الميم ودال مهملة، اسم موضع. والخلي: الخلو من الهموم. والعائر: بمهملة وهمزة، قذى العين، وقيل الرمد. وقال المصنف: والأوّل أولى ليكون أشق للجمع بينهما، أو يحصل الترقي أيضا. النبأ: قال الراغب: خبر، وفائدة عظيمة يحصل به علم، أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن ما ذكر، فهو أخص من مطلق الخبر.
وأنشد:
يغضي حياء ويغضى من مهابته
أخرج ابن عساكر من طرق عن ابن عائشة، وغيره، قالوا: حجّ هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك، أو الوليد، فطاف بالبيت، فجهد أن يصل الى الحجر فيستلمه فلم يقدر عليه، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر الى الناس ومعه أهل الشام، إذ أقبل عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وكان من أحسن الناس وجها، وأطيبهم أرجا، فطاف بالبيت، فكلما بلغ الى الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه الناس من أهل الشام. وكان الفرزدق حاضرا، فقال الفرزدق: لكني أعرفه، فقال الناس: من هو يا أبا فراس؟
قال الفرزدق:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا عليّ، رسول الله والدهأمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا ابن خير عباد الله كلّهمهذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها:إلى مكارم هذا ينتهي الكرم!
ينمى إلى ذروة العزّ الّتي قصرتعن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفّه خيزران ريحه عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابتهفلا يكلّم إلّا حين يبتسم
من جدّه دان فضل الأنبياء لهوفضل أمّته دانت له الأمم
ينشقّ نور الهدى عن نور غرّتهكالشّمس ينجاب عن إشراقها العتم
مشتقّة من رسول الله نبعتهطابت عناصره والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهبجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدما وفضّلهجرى بذاك له في لوحه القلم
سهل الخليقة لا تخشى بوادرهيزينه خلّتان: الخلق والكرم
من معشر، حبّهم دين وبغضهمكفر، وقربهم منجى ومعتصم
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهمفي كلّ بدء ومختوم به الكلم
يستدفع السّوء والبلوى بحبّهمويستزاد به الإحسان والنّعم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهمأو قيل من خير خلق الله قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهمولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمتوالأسد أسد الشّرى والبأس محتدم
لا يقبض العسر بسطا من أكفّهمسيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
من يعرف الله يعرف أوّليّتهالدّين من جدّ هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
وذكر القصيدة بطولها. فغضب وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة. وبلغ ذلك علي بن الحسين ﵁، فبعث إلى الفرزدق بإثني عشر ألف درهم، وقال: اعذر، أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك.
فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الذي قد قلت إلا غضبا لله ﷿ ولرسوله، وما كنت لآخذ عليه شيأ. قال: شكر الله لك، غير أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لم نعد فيه. فقبلها وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس. وكان مما هجاه به:
أيحبسني بين المدينة والّتيإليها قلوب النّاس يهوى منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّدوعينا له حولاء باد عيوبها
فبعث له وأخرجه. ثم رأيت الزبير بن بكار أخرج في الموفقيات، عن مصعب ابن عبد الله: أن ابن عبد الملك بن مروان حج فقال له أبوه: إنه سيأتيك بالمدينة الحزين الشاعر، وهو زرب اللسان، فإياك ان تحتجب عنه وأرضه. فلما قدم المدينة أتاه، فلما دخل عليه ورأى جماله وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا، فامهله عبد الله حتى ظن أنه قد أراح، ثم قال له: السلام رحمك الله أوّلا، فقال:
عليك السلام، وجه الأمير، أصلحك الله، إني قد كنت مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك ورأيت جمالك وبهائك هبتك، فانسيت ما قلت، وقد قلت في مقامي هذا بيتين. قال ما هما؟ فقال:
في كفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفلا يكلّم إلّا حين يبتسم
والحزين هذا اسمه عمرو بن عبيد بن وهب بن مالك، حجازي من شعراء الدولة الأموية، يكنى أبا تكتم، ذروة العز أعلاه. ويروى: (عرفان) بالنصب مفعولا له، وبالرفع. وعبق: بفتح المهملة وكسر الموحدة صفة مشبهة من العبق، بفتحتين، مصدر عبق به الطيب، بالكسر، إذا لزق. والأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. والعرنين: بكسر العين، الأنف. وينجاب: ينكشف. والعتم: بفتح المهملة والمثناة الفوقية، الظلام. والخيم: بكسر الخاء المعجمة: السجية والطبع، لا واحد له من لفظه. والشيم: بكسر المعجمة وفتح التحتية، جمع شيمة، وهي الخلق. والأزمة: الشدّة والقحط. والشري: بالمعجمة والقصر، مأوى الاسد.
والبأس: الشدّة في الحرب. ومحتدم: بالمهملة، من احتدمت النار التهبت. والاغضاء:
ادناء الجفون. والمهابة: الهيبة. والبيت استشهد به في التوضيح على إقامة ضمير المصدر مقام الفاعل، أي ويغضي هو، أي الإغضاء، وليس الجار هو النائب، بل هو للتعليل، فهو مفعول له، وحياء: أيضا مفعول له.
وأنشد:
ولم تذق من البقول الفستقا
هو لأبي نخيلة، بالنون والخاء المعجمة، واسمه يعمرو بن حزن بن زائدة، شاعر محسن متقدم. وصدره:
جارية لم تأكل المرقّقا
المرقق: هو الرغيف الواسع الرقيق. والبقول: يروى بالموحدة، فمن للبدل:
أي بدل البقول. وبالنون فهي للتبعيض، والمراد: وصف الجارية بأنها لم تأكل الفستق وأنها بدوية.
وأنشد:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبّةظلما، ويكتب للأمير: أفيلا
هذا من قصيدة للرّاعي نحو تسعين بيتا يمدح بها عبد الملك بن مروان، ويشكو من السعادة. وقبل هذا البيت:
أوليّ أمر الله إنّا معشرحنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله في أموالناحقّ الزّكاة منزّلا تنزيلا
قوم على الإسلام لمّا يمنعواما عونهم، ويضيّعوا التّهليلا
فادفع مظالم عيّلت أبناءناعنّا، وانقذ شلونا المأكولا
أنت الخليفة حلمه وفعالهوإذا أردت لظالم تنكيلا
وأبوك ضارب بالمدينة وحدهقوما هم جعلوا الجميع ثكولا
قتلوا ابن عفّان الخليفة محرماورعا فلم أر مثله مخذولا
الى أن قال:
إنّ السّعاة عصوك حين بعثتهموأتوا دواهي، لو علمت وغولا
إنّ الّذين أمرتهم أن يعدلوالم يفعلوا ممّا أمرت فتيلا
قوله: (وأتوا دواهي وغولا) أي أمرا بشعا. والفتيل: ما في شق النواة.
وقيل: ما فتل بين الأصبعين. والمخاض: النوق الحوامل. قال ابن الشجري:
واحدتها خلفة، والفصيل ابنها، لأنه فصل عن أمه. وغلبّة: مصدر غلب بضمتين وتشديد الباء. والأفيل: الفصيل، والأفال أيضا صغار الغنم. وقال: الأفيل، بوزن الكريم، الذي أتت عليه سبعة أشهر من أولاد الإبل، والجمع أفال. ونصب غلبة على الحال من ضمير أخذوا، وكذا ظلما. ويجوز نصبه بغلبة مصدرا معنويا.
ونصب أفيلا بأخذوا مقدرا على رواية (تكتب) مبنيا للمفعول. وروى بالبناء للفاعل. وأخذ بالأفراد للساعي وحده. ومن الفصيل: أي بدله. قال ابن يسعون:
ويجوز أن لا تكون بدلية بل متعلقة بأخذوا، أي انترعوه من أمه. وروى بدله:
(من العشار) فهي بيانية، أي كائنة من العشار، انتهى. وفي كتاب التصحيف للعسكري: سأل الرشيد عن قول الراعي:
قتلوا ابن عفّان الخليفة محرما
أيّ إحرام هذا؟ فقال الكسائي: أراد أنه أحرم بالحج. فقال الأصمعي:
والله ما أحرم، ولا عنى الشاعر هذا، ولو قلت: أحرم دخل في الشهر الحرام، كما يقال: أشهر، دخل في الشهر، كان أشبه. قال الكسائي: فما أراد بالإحرام؟ قال:
كل من لم يأت شيأ يستحل به عقوبة، فهو محرم. أخبرني عن قول عدّي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرمافتولّى لم يمتّع بكفن
أيّ إحرام كان لكسرى؟ فسكت الكسائي، فقال الرشيد: يا أصمعي، ما تطاق في الشعر.
وأنشد:
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربةعلى وجهه تلقي اللّسان من الفم
هو لأبي حية النميري.
وأنشد:
ومهما تكن عند امرئ من خليقةوإن خالها تخفى على النّاس تعلم
تقدّم شرحه في شواهد حيث من قصيدة زهير.
وأنشد:
وينمى لها حبّها عندنافما قال من كاشح لم يضر
هذا من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، أوّلها:
صحا القلب عن ذكر أمّ البنينبعد الّذي قد مضى في العصر
وأصبح طاوع عذّالهوأقصر بعد الإباء الصّبر
أخيرا وقد راعه لائحمن الشّيب من يعله ينزجر
على أنّ حبّي ابنة المالكيكالصّدع في الحجر المنفطر
يهيم النّهار ويدنو لهجنان الظّلام بليل سهر
وينمى لها حبّها عندنافما قال من كاشح لم يضر
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع