تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [أبو حية النميري]

أبو حية النميري، اسمه الهثيم بن الربيع بن زرارة بن كثير بن جناب، شاعر مجيد أدرك الدولتين الأموية والعباسية. وكان فصيحا راجزا من سكان البصرة.

وكان أهوج جبانا بخيلا كذابا. وقيل: إنه كان يصرع، وكان أجبن الناس، دخل

ليلة الى بيته كلب فظنه لصا فوقف يزمجر، فخرج الكلب فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.

وأنشد:

وضنّت علينا والضّننين من البخل

صدره:

ألا أصبحت أسماء جازمة الحبل

قال ابن الشجري في أماليه: هذا من تنزيل الأعيان منزلة المصادر، كأنه قال:

والضنين مخلوق من البخل.

وأنشد:

أعلاقة أمّ الوليّد بعد ماأفنان رأسك كالثّغام المخلس

هذا للمرار الفقعسي. وعلاقة: منصوب بفعل مضمر، والهمزة للتوبيخ على حدّ قوله:

أطربا وأنت قنسريّ

والأفنان: جمع فنن، وهو الغصن. وأراد هنا ذوائب رأسه استعارة. والثغام:

ضرب من النبت اذا يبس ابيض، ولذلك يشبه به الشيب. والمخلس: رأس الرجل إذا صار فيه شيب. قال يوسف بن السيرافي: وقيل: إن الرواية الصحيحة أم الوليد بالتكبير، ويكون من أحفا، وإنما جعلت الرواية بالتصغير لأنه أحسن في الوزن.

وأنشد:

بينما نحن بالأراك معاإذ أتى راكب على جمله

تقدّم شرحه في حرف الجيم ضمن قصيدة جميل.

وأنشد:

فبينا نسوس النّاس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة ليس تنصّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة

قال ابن الشجري في أماليه: دخلت هند بنت النعمان على المغيرة بن شعبة وهو أمير الكوفة زمن معاوية فسألها عن حالها، فأنشدت:

فبينا نسوس النّاس والأمر أمرناإذا نحن منهم سوقة نتنصّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلّب تارات بنا وتصرّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة

قال ابن الشجري: قولها: (نتنصف) أي نستخدم، انتهى. وفي الحماسة:

أنهما لخرقة بنت النعمان. ومعنى البيت: بينا نحن ندبر أمر الناس بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا واجبة، إذا انقلب الأمر واتضعت الأحوال، وصرنا سوقة نخدم الناس. والسوقة، دون الملك. قولها: (والأمر أمرنا) أي لايد فوق أيدينا، والعامل في (بينا) ما في إذا من معنى المفاجأة. ثم رأيت المعافى بن زكريا قال في كتاب الجليس: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدّثنا أبو بكر محمد ابن أبي يعقوب الدينوري، حدّثنا حسان بن أبان البعلبكي، قال: لما قدم سعد بن أبي وقاص القادسية أميرا، أتته خرقة بنت النعمان بن المنذر في جوار كلهنّ مثل زيها، تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه قال: أيتكنّ خرقة؟ قلن: هذه، فقال لها:

أنت خرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي، إن الدنيا دار زوال، وأنها لا تدوم على حال، وتنتقل بأهلها انتقالا، وتعقبهم بعد حال حالا، إنّا كنّا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة وزمان الدولة، فلما

أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا، وبقيت ملانا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم

يجره إلا والدهر بعصهم غيره. ثم أنشأت تقول:

فبتنا نسوس النّاس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم سرورهاتقلّب تارات بنا وتصرّف

فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه كان ينظر إليها:

إنّ للدّهر صولة فاحذرنهالا تبيتنّ قد أمنت الشّرورا
قد يبيت الفتى معافى فيرزىولقد كان آمنا مسرورا

فأكرمها سعد وأحسن جائزتها. فلما أرادت فراقه قالت له: حتى أحييك بتحية أملاكنا بعضهم بعضا، لا جعل الله لك الى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم عندك حاجة، ولا نزع عن عبد صالح نعمه، إلا جعلك سببا لردّها عليه. فلما خرجت من عنده تلقاها نساء المصر فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت:

حاط لي ذمّتي وأكرم وجهيإنّما يكرم الكريم الكريما

أخرجه ابن عساكر في تاريخه.

وأنشد:

لو بأبانين جاء يخطبهازمّل ما أنف خاطب بدم

قال المبرد في الكامل: ابان: جبل، وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان

الأبيض. قال المهلهل - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب ابن عمرو ابن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب: هي من أحيائهم وضيع، فخطبت بنته ومهرت أدما، فلم يقدر على الامتناع، فزوّجها - فقال:

أنكحها فقدها الأراقم فيجنب، وكان الحباء من أدم
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أنكحها فقدها الأراقم في»
لو بأبانين جاء يخطبهاضرّج ما أنف خاطب بدم
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أنكحها فقدها الأراقم في»
هان على تغلب بما لقيتأخت بني المالكين من جشم
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أنكحها فقدها الأرقم في»
أصبحت لا منفسا أصبت ولاأبت كريما حرّا من النّدم
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أنكحها فقدها الأرقم في»
ليسوا بأكفائنا الكرام ولامغبون من علية ومن عدم

وأنشد:

متى ما تناخي عند باب ابن هاشمتراحي وتلقى من فواضله ندا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة الأعشى.

وأنشد:

ربّما ضربة بسيف صقيلبين بصرى وطعنة نجلاء
للشاعر ابن الرعلاء، من قصيدة «ربما ضربة بسيف صقيل»

تقدم شرحه في شواهد اللام.

وأنشد:

وننصر مولانا ونعلم أنّهكما النّاس مجروم عليه وجارم
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة

تقدم شرحه في شواهد الكاف.

وأنشد:

نام الخليّ فما أحسّ رقاديوالهمّ محتضر لديّ وسادي
من غير ما سقم ولكن شفّنيهمّ أراه قد أصاب فؤادي
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «نام الخلي وما أحس رقادي»

تقدّم شرحه.

وأنشد:

ولا سيّما يوم بدارة جلجل

تقدّم شرحه في شواهد السين.

وأنشد:

إمّا ترينا حفاة لا نعال لناإنّا كذلك ما نحفى وننتعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

هو من قصيدة للاعشى، وأوّلها:

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل

وقد ذكرت منها أبياتا في آخر الكتاب الثامن.

وأنشد:

سلع مّا ومثله عشر ماعائل مّا وعالت البيقورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، اقرأ القصيدة

هو لأمية بن أبي الصلت، كذا أورده أبو علي القميّ في كتاب الأمثال وقال: السلع:

نبت مرّ كان أهل الجاهلية اذا أسنتوا علقوه مع العشر بثيران الوحش وحدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر نارا يستمطرون بذلك. وفي استسقائهم في هذا الفعل قال شاعر العرب:

لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأرنات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر

وأنشد:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

هو لعمرو بن معدي كرب، وقبله:

فقال لي، قول ذي رأي ومقدرةمجرّب عاقل نزه من الرّيب:
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
قد نلت مجدا، فحاذر أن تدنّسه:أب كريم وجدّ غير مؤتشب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
أمرتك الخير فافعل ما أمرت بهفقد تركتك ذا مال وذا نشب
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
واترك خلائق قوم لا خلاق لهمواعمد لأخلاق أهل الفضل والأدب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
وإن دعيت لغدر أو أمرت بهفاهرب بنفسك عنه أيد الهرب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»

قوله: (نزه من الريب) أي مباعد من التهم. والنزه: المتنزه من الأقذار، أي

المتباعد عنها. وأصله: نزه، بكسر الزاي، ثم خففه لإقامة الوزن. والريب:

واحدها ريبة، وهي التهمة. والمؤتشب: مفتعل من الإشابة، وهم أخلاط الناس وشرارهم. وقوله: (أمرتك الخير) يروي: أمرتك الرشد، ويروى: وذا نشب، بالمعجمة والمهملة معا، والنشب: بالمعجمة، المال بعينه. وقيل: المال الأصيل، كأنه الذي لا يبرح من مكانه، مأخوذ من النشبة. والخلاق: النصيب. وفلان لا خلاق له، أي لا نصيب له في الفضائل. وأيد الهرب: شديده، ووزنه: فيعل، من الأيد والأد وهما: الشدّة والقوّة. ثم رأيت في المؤتلف والمختلف للآمدي قال: وجدت لأعشى طرود في أشعار بني سليم:

يا دار أسماء بين السّفح والرّحبأقوت وعفّى عليها ذاهب الحقب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»

الى أن قال:

إنّي حويت على الأقوام مكرمةقدما، وحذّروني ما يتّقون أبي
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
وقال لي، قول ذي علم وتجربةبسالفات أمور الدّهر والحقب:
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
أمرتك الرّشد فافعل ما أمرت بهفقد تركتك ذا مال وذا نشب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»

ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري: وهذه الأبيات لأعشى طرود من بني فهم بن عمرو، وقيل لعمرو بن معدي كرب. وقيل لخفاف بن ندبة، وقيل لعباس بن مرداس. ثم رأيت في شرح الكامل لأبي إسحق البطليوسي قال:

هذا البيت لأعشى طرود، واسمه إياس بن موسى بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان، من خلفاء بني الشريد يقوله لابنه. وأنشده أبو علي الهجري في نوادره: أمرتك الخير. وذا نسب: بالسين المهملة، مكان ذا نشب. قال وبعده:

لا تبخلنّ بمال عن مذاهبهمن غير ذلّة إسراف ولا ثغب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»
فإنّ ورّاثه لن يحمدوك لهإذا أجنّوك بين اللّبن والخشب
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «يا دار أسماء بين السفح فالرحب»

الثغب: بالمعجمة، جمع ثغبة وهي السقطة وما يعاب على المرء.

وأنشد:

قليل بها الأصوات إلّا بغامها

تقدّم شرحه في شواهد إلّا.

وأنشد:

ألف الصّفون، فما يزال كأنّهممّا يقوم على الثّلاث كسيرا

قال ابن الحاجب في أماليه: هذا البيت يوهم أن كسيرا خبر كان في المعنى، ويسبق الى الفهم أنه شبهه لشدّة رفعه احدى قوائمه بكسير. وان قوله: مما يقوم على الثلاث، بسبب تشبيهه به، فكأنه قال: كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث.

ويلزم على هذا أن يكون نصبه كسيرا غير وجيه، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الأعراب، ولا يخل بالمعنى. فنقول: إنما أخبر بقوله: مما يقوم. وما بمعنى الذي، فكأنه قال: كأنه من الخيل الذي يقوم على الثلاث كسيرا، حالا من الضمير في يقوم. وذكر اجراء له على لفظ ما يشبه بالخيل الذي يقوم على الثلاث، في حال كونها مكسورا إحدى قوائمها، فاستقام المعنى المراد على هذا ووجب نصب كسيرا باعتباره على الحال. ولا يستقيم أن يكون كسيرا خبرا ليزال، لأنك إذا جعلته خبرا ليزال فلا يخل، إما أن يكون (ما) في (مما يقوم) مصدرية، كما قدرت أوّلا، أو بمعنى الذي، كما قدرت ثانيا. فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه، احدها: أن كان تبقى بلا خبر، إذ مما يقوم لا يصلح أن يكون خبر الفوات الفائدة فيه. الثاني: أن كان تبقى غير مرتبطة بشيء. الثالث: ما يلزم من انه حكم عليه بالكسر، وليس كذلك. ويجاب عن الثالث بأنه يكون التقدير مشيه، وإن كانت ما بمعنى الذي، فسد

لما يؤدى إليه من اختلال المعنى، وذلك أن كسيرا ليكون خبرا ليزال فيكون المعنى:

مما يزال كسيرا على الحقيقة، أو شبه كسير. ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه المشي بشيء آخر، هو على وجه الدلالة على إنما شبهه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلا: كان هذا المقام على الثلاث من الخيل القائمة على ثلاثة لخروج كسيرا عن خبر كان، ودخوله في خبر ما يزال هذا، إن جعلت كسيرا وكأنه خبرا بعد خبر. فأما إن لم تجعله كذلك. لذلك، ويكون كان مع ما في خبرها يخرج عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.