تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)

معين الدين بن البكَّاء

نزيل مكَّة المكرَّمة المُعظَّمة، شرَفها الله نديمٌ دَمِث الأخْلاق، مُتوشّحٌ ببرُودٍ لُطْفُ حواشِيها رقاق.

فهو للأدباء صَدرْر، ونادِيه واسعُ الصّدر.

نبتَتْ دوحُته في رياض الحسَب، فاجْتَنى منها زَهرةَ الحياة وفواكهَ الأدَب.

وله من طِيب الأنْفاس، ما تسكَر منه الحُميّا والْكَاس، ممّا هو أحْلَى ثمراتِ الأمانِي غِبّ مَرارةِ اليَاس.

وهو ممَّن ساجلْتهُ وأنا للأدبِ مُمْتاح ونادَمْتُه والعمرُ مُورِقٌ بالمسَرَّة مُثْمرٌ بالنَّجاح.

لياليَ أعطيْتُ البَطالةَ مِقْوَدِيتَمُرّ اللّيالي والشهورُ ولا أدْرِي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «سقى الله أياما لنا لسن رجعا»

وكان بعد ما وقع له بالرُّوم هاجَر لبني حسن، وأقام في ظِلَّهم بمكة مُؤتلفِاً بهم ائتْلافَ المُقْلة بالوَسنَ.

فأينعتْ زَهْرته بعد الذُّبول، وسقاه صَيبُ كرمِهمْ وهّبتْ له نسماتُ القبول.

فلما تُوُفَّى السيدُ مسعود، تبدَّل بالنَّحسْ السُّعود.

فجدَّد ديباجَته وارْتحل، عملا بقولهم: إذا نَبَا بك منْزلٌ فتحوَّل.

ولأمْرٍ ما ثَنى القِرْنُ عطفْهَ، وجدَع قَصيرٌ أنْفَه.

وكانت أيامُه غَضَّةْ نَضِرة، تكاد في عصْرِه تقطُر منها مياهُ المسرَّة.

وكان في جَمْع المعارف والنّوادر ممَّن لم يرَ الدهرُ نَظيرَه، ولم يطِنَّ على سمعهِ حديثٌ كأحاديثِه النَّضيرة.

فهو ذُكاء الفلك، وهو بشَرٌ بل مَلَك.

فمما ترشَّح من قَطراتِه، وجرى في المسامع من عذْبِ كلماتِه، قوله

يا شقيقَ الروح والجسم ويادَوْحةً بالودّ فضْلاً أثْمَرتْ
بحياةِ الوُد إلا صُنْتهَلِمُحبٍ روحُه قد سُعِّرتْ
كنتُ ل أخْشى حسوداً لا ولاعينَ واشٍ إنْ بسُوءِ نظرَتْ
وأرى الوُدّ وهَى بُنْيانهُما كأنَّ العينَ إلا أثَّرتْ

ومن شعره تذْييل لبيت القاضي الفاضل:

تراءتْ ومرآةُ السماء صَقِيلةٌفأثَّر فيها وجهُها صورةَ البدرِ
ولاحتْ عليها حَلْيُها وعُقودُهافأثّر فيها صورةَ الأنْجم الزُّهرِ

وله أيضاً:

حاذِرْ زُويلةَ أن تمرَّ ببابهاوطعامَها كُنْ آيسا من خْيرِه
فمُوسّط القْتلى يقول بها انظُروامَن لم يُمتْ بالسيفِ مات بغْيرِه

وهو تضمين لقول ابن نُباته السَّعْدي، من قصيدة:

ومَن لم يُمتْ بالسيف مات بغيرهِتعدّدتِ الأسبابُ والداءُ وأحدُ
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

ومن شعره قوله في تقسيم الأيام:

الدهرُ أربعةٌ أيامُهُ انحصَرتْصَحْوةٌ وغَيمٌ ورِيحٌ ثم أمطارُ
فالصحوُ ظَرْف لإصْلاح المآرِبِ إذْتُقْضَى من الصَّيد يومَ الغيمِ أوْطارُ
ويومُ ريحٍ لنَوْمٍ لا حَراك بهويومُ هَطْلِ السَّما للكأسِ مِدْرارُ
واليومَ قد نُثرتْ دُرَّا سحائُبهعلى بِساطِ رُباً يكْسوهْ أزْهارُ
فبادرِ الكأسَ يا بدرَ الزمان فمِنْضيِاء وجْهِك لا في الأفْقِ أقمارُ

العلاَّمة عبد الرحمن الخِيارِيّ

نزيل المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فاضلٌ إذا جُمِعت الفضائلُ فهو مُنتهَى الجُموع، وكاملٌ كمالُه كثَمرَ الجنَّة غير مقطوع ولا ممَنْوع.

لَّما رأى الوقتَ سيفاً لا يقطَعُ إلاّ الأعمار، وأن المرءَ قبل فَوْتِ الفرصة على أيامِه بالخيار، لم يَمْضِ له وقتٌ في غير العبادة، ولا ساعةٌ في غير الاستفادة والإفادة.

بوجهٍ أبْلجَ وضَّاح، يلوح من رُتّه نورُ السَّداد والصَّلاح.

كأنَّ اللهَ جمع له المناقبَ فاختار منها وانْتَقى، ورأى أن أحْسنها وأكرمها التُّقَى.

وآثارُ أقلامه يحسدها الحورُ واللّمَا، ويعرق خجلاً منها خدُّ الروْض بالنَّدى.

أبْدى صنيعُك تْقصيرَ الزمانِ ففيخدَّ الربيعِ طلوعُ الوردِ من خجلِ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أبقيت بالجزع ما أبليت من طلل»

وكان في زمن الطَّلب، ومنافسة إخواني أولى الأدب، صديقَ روحي وشقيقَها، وريحان مسرتي وشقيقها.

وعودُ الزمان خَضْرٌ ورِيق، ووجهُ بِشْره بسّامٌ طَليق.

ولما رأى أن اللهَ أوصى بالجار، رحل لطيَبْةَ الطّيبة وسكن في جِوار النبيّ المختار.

فدخل رَوْضةً من ريِاض الجنة في حياتِه، وإذا أنعم اللهُ على عبدٍ حَباه بِنعْمةٍ لا يسُلبها منه بعد مماتِه:

يا نسيماً من نحو طَيْبةَ سارِىمُهْدياً عِطْرَ نَدّها والعَرارِ
مُزْرِياً نَشُره بعْنبرِ شِحْرٍفي حشا جَوْنَةِ الفتَى العطَّارِ
خُذْ فؤادي فذاك مَجْمَرُ شوْقٍوغرامٌ بُمضْمَر الوجْد وارِى
موُقداً فيه عنْبراً من مديحيلحبيبِ المُهيْمن المُختارِ
لمقامٍ بمُقْتضاه بليغٍلا يُوفّى بلاغة الأسْرارِ
وفصيحٍ فصاحةُ اللفْظِ فيهزاد حُسْناً بكَثْرةِ التَّكْرارِ
ولمَن في ذُراهُ مِن كلّ جارٍحاز حِفْظاً لعَيشْه بالجِوارِ
فهمُ خَزْرجِي وأوْسِى وإن لميُسعِفِ الدهُر بالمُنَى أنْصارِي
سِمَّا صِنْوِىَ الشقيقُ لروحِيوهْوَ عبد الرحمن حامي الذّمارِ
قد تملىَّ برَوْضةٍ حاز فيهامُثْمِرَ السَّعدِ مُزهرَ الأنْوارِ
باع دنيا دنَتْ بأخرى تسامَتْفغدا في مَبِيعه بالخِيار
فعساه يُمن لي بدعاءٍمُستجابٍ في ليلهِ والنهارِ
ليحوز الشّهابُ أعظمَ سُؤالٍوأمانٍ من مطْلعَ الأنْوارِ
ما ارْتدَى الليلُ من برُود الدَّياجيحُلَّة طُرزتْ من الأسْحارِ

فأجاب سقى الله ثراه:

بعدَ إهْدا أسْنَى السلام السَّارِيمن رُبا طَيْبةٍ أجلّ الدّيارِ
فائقاً طيِبةُ شذا كلَّ مسكٍفاتقاً نُورهُ دُجَى الأسحارِ
لحبيبٍ في الله خلِ وفىٍطيَّبِ الأصل ذي الثَّناء السارِي
أحمدُ الفعلِ والشّهابُ المُرجَّىكاشفُ المشكلاتِ كنزُ الفَخارِ
دام في نعمةٍ وعزّ ولُطفٍمن إله الورى الكريمِ البارِي
محُيِياً سُنةَ الأُلى سبقوهباتّباع الأُلَى وحسنِ الوقارِ
وصلاةٌ مع السَّلامِ دَواماًللنبيّ المُمجَّد المختارِ
ولآلٍ وصَحْبِه ما اضْمحلَّتْظُلَمُ الظلم باجْتِلا الأنْوارِ

فإني أحمَد الله تعالى وأصلَّي وأسلم، على نبيّه ﷺ.

وأعرض كثرةَ الأشواق، وتزايُدَ الوداد الذي لم يغيرْه تعاقبُ المُدَدِ والبِعاد.

ودوامَ الدّعاءِ المرجوّ القَبول، لا سيَّما تجاه أشرف وأكْرمِ رسول.

ووصول مكتوبكم الكريم، وحصولَ السُّرور بلوامِع مَضْمونه، وبدائع مكْنُونه.

وقد بلغَنا حسنُ سيرتكم في المناصب، ومزيدُ العِفة، فجزاكم الله تعالى خيرا، أعانكم وسدَّدكم.

ولا تقطعوا أخباركم السَّارَّة، جمع الله لنا خَيْري الدُّنيا والآخرة، بجاه المصطفى الأمين، آمين.

النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مكة المشَّرفة ومن بحماها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.