تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الشيخ أحمد بن محمد علي الجوهري المكي

جوهري النثر والنظام. زهري السجايا العظام. حلى بعقود نظمه عواطل الأجياد. وسبق بجواد فهمه الصافنات الجياد. فحلا مبرزاً. وراح لقصبات السبق محرزاً. مع أضلاع بفنون العلوم. واطلاع على خفايا المنطوق والمفهوم. وديانة وورع. وصيانة فاق فيها وبرع. وأخلاق وشيم. كأنفاس الرياض غب الديم. كان قد دخل الهند في عنفوان عمره. وابتداء حاله وأمره. فقطن بها خمسة وعشرين عاماً. ثم عاد إلى وطنه وهو يعد عوده فضلاً من الله وإنعاماً. فواجهته بالمخا وهو وارد وأنا صادر. فرأيت منه شخصاً حميد الموارد والمصادر. ولما دخل مكة شرفها الله تعالى أنكر تقلب أمورها. وتغلب ظلم أميرها على مأمورها. ولم ير وجوهاً كان يؤمل الاجتلاء بصباحها ومسائها. فأنشد لسان حاله

أما الخيام فإنها كخيامهموأرى نساء الحي غير نسائها
للشاعر أحمد بن علوان، اقرأ القصيدة

فانقلب راجعاً إلى المخا. ومكث بها برهة حلف أمن ورخا. ثم انتقل منها إلى فارس. الطيبة المفارع والمغارس. فطنب بها خيامه. وبنى فيها على الاقامه. فأقام به حتى قلت ثروته. وشارفت الانفصام من الكفاف عرونه. فوفد على الوالد الهند عام خمس وسبعين. وورد من منهل أمله العذب المعين. فمضت لنا معه أوقات. حمدنا بها الاجتماع والملاقات. ولم يزل بها حتى دعاه أجله فلبى. وقضى من الحياة نحباً. فتوفى ليلة الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وألف رحمه الله تعالى وها أنا مثبت من بهي كلامه. وسنى نظامه. ما تنتشق منه النشر العبهري. وتقتني منه صحاح الجوهري. كان أول وفوده علينا بالديار الهندية أهدى إلي كراسة من نثره ونظمه فكتبت إليه ما صورته

زهر الدراري أم نظام الجوهريوشذا السلافة أم شميم العبهر
أم زهر روض قد تبسم ضاحكاًإذ جاده صوب الغمام الممطر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
وشذور تبر أم جمان قلائدتزهو وتزهو في مقلد جؤذر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
أم هذه ألفاظ مولى ماجدورث البلاغة أكبراً عن أكبر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
يزري بنظم الدر باهر نظمهويفوق مكره مذاب السكر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
فلشعره الشعرى العبور تضاءلتكرهاً وودت إنها لم تظهر
والنثرة العليا هوت من نثرهخجلاً وقالت ليته لم ينثر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
قد أعجز البلغاء معجز أحمدفنثر كلهم بعجز مقصر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
يا مهدياً لي من سنيّ نظامهونثاره دراً بهيّ المنظر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «زهر الدراري أم نظام الجوهر»
شكراً لفضلك شكر ممنون فقدحليت جيدي من نظام الجوهري
سلام ما المسك الداري بأذكى منه نفحاً. وثناءما الزهر الدراري بأبها منه لمحا
سلام على تلك الخلائق إنهاهي الثمرات الطيبات إذا تجنى
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «سلام على تلك الخلائق إنها»
ثناء على تلك المكارم إنهاهي الشرفات العاليات إذا تبني

وبعد فقد وصلت الكراسة العظيمه. الحاوية من الدر نثيره ونظيمه. فما الدراري في أفلاكها. ولا الدرر في أسلاكها. بأبهى من كلماتها في ترصيعها.؟ وأزهي من فقراتها في تسجيعها. ولقد حار المملوك بين ذلك المنظوم والمنثور. فوقف متعجباً حتى تذكر الحديث المأثور. إن من العشر لحكمه. وإن من البيان لسحراً. فعلم أن مثل ذلك ليس إلا في قدرة من سحر بالبيان وسخر بالعقول سخراً. على رسلك يا فارس البلاغه. والأخذ من حسن القول بلاغه. إذا جريت في مضمارك فمن يجاريك. وإذا بريت أقلامك فمن يباريك. فلله شهاب فكرك الذي قد وقد. وأقلامك النافثات في العقود لا في العقد. ما هذا السحر الذي تتلى عنده سورة الفلق. وما هذا النظم والنثر اللذان أصبح منهما البلغاء في قلق. فهلا غضضت من عنانك قليلاً. وأرحت من راح جواد فكره وراءك كليلاً. ولعمري أن البلاغة قد قلدتك مقاليدها. وملكتك طريفها وتليدها. فأنت حميد الكلام ولا أقول عبد حميده. فلو تأخر عصره لكان من أقل خدام فضلك وأذل عبيده. ولا يتوهم المولى أن ذلك من باب المبالغه. في اطراء تلك الكلمات البالغه. والقلم وما يسطرون. لو سمع ما يصفه به أهل البلاغة ويطرون. لعلم أن المملوك موجز. عند ما قيل في ذلك المعجز. فالله تعالى يديمك للبلاغة والبراعه. ويبقى بوجودك وجود الأدب واليراعه. فإن الأدب جسم أنت له روح. ولولاك لأصبح وهو بالعراء مطروح. فراجعني بقوله

يا مهدياً وشي الربيع المزهربل روضة تزهو بحسن المنظر
غناء باكرها الحيا وتفتحتأزهارها غب السحاب الممطر
ردّت لنا من نشرها زمن الصباوشممت منها طيب تلك الأعصر
ارتاح سكراً من سلافة لفظهاوهي المصونة عن خمار المسكر
لله درك من همام بارعفي كل فن غنية المستخبر
ما هذه الدرر التي أبرزتهاشبه المجرة في خلال الأسطر
لا غرو إن ساد الأنام بفضلهمن كان ندباً من سلالة حيدر
من معشر شم الأنوف وليدهمأدنى محل خطاه فوق المشتري
حاز الموّة والفتوّة والسخاوالعلم والتقوى وطيب العنصر
فليهنك الشرف الرفيع ومجدك العالي المنيع وحسن قول المخبر
واسلم ودم في عزة وجلالةبادٍ علاك على ممر الأدهر

وصل وصلك الله إلى كل مقام علي. وأجل قدرك حتى يقر بفضلك كل من هو بالفضل ملي. ويعترف بكمالك في كل فن أربابه. ويغترف من علمك أهل ذلك العلم وأصحابه. تقريظك الذي فاق بقريضه كل قريض فائق. وينثره كل نثر رائق. فخجل المملوك من ارساله بالكراسه. وعلم أن ارسالها لم يكن من الكياسه. وقد كان يقدم في ذلك رجلاً ويؤخر أخرى. لعلمه أنها إلى من ترسل وبين يدي من تقرى. وعلى كل حال كما قيل. جهد المقل دموعه. وإلا فمن جمدت طبيعته. وخمدت قريحته. وطال عهده بالمنثور والمنظوم. ومال عن قول الشعر وممارسة العلوم. فجدير أن يستر عواره. ويخفى نثره وأشعاره. ولا يعرضها على من ألقت إليه الفصاحة قيادها. وأعلت به اسنادها. وهو يظهرها تارة في حلبة الأشعار وتارة في كسوة الانشا. ويبرزها طوراً حضريه. وطوراً نجديه. ويتصرف فيها كيف يشا وهي له أطوع من اليد. وأذل من العبد. إن دعاها أجابته. وإن ناداها لبته. وإن أعرض عنها استقبلته وإن هجرها أتته. شعر

فقد ملكتها دون البرايافها هي لا تميل إلى سواكا

وتلقيتها عن آبائك الكرام. المشتهر صيت فضلهم بين العلماء الأعلام. الذين ارتقوا من المجد ذروته. واقتعدوا صهوته. وتناقلت بأحاديث فضله الركبان. وتطاولت لنيل نيلهم أعيان الأعيان. وقد أعطاك الله في شبيبتك من الفضل. ما يحير الفكر ويبهر العقل. ويتمناه الشاب والكهل. ويترجاه أهل العقد والحل. والمرجو والمأمول صون هذا المعترف بعجزه عن تعاطي ما لا يستطيعه من الأمور. فإن تعالى ما لا يستطاع مذموم عند الخواص مستهجن عند الجمهور. وعليك السلام. في المبدا والختام. ما يتعطر به المداد عند تحبيره. ويتخير القلم ابان تحريره. وترتاح الروح عند سماعه. وتنير مرآة النفس وقت انطباعه. والسلام.

ومن انشائه قوله أيضاً مستدعياً بعض أصحابه. يا مولانا الذي ودادي له مقرون بالاخلاص. والتزامي بولائه التزام العام بالخاص. اليوم يوم تكاثفت غيومه. ولطف أديمه. وترنمت أطياره. وفاحت أزهاره. ورقت حواشيه. وغاب واشيه. وهو وإن كان من أيام عاشوراء التي يتراكم فيها الحزن ويزيد. إلا أننا نجليه بتجديد اللعن على يزيد. فبحق الحسين. إلا ما أقررت برؤيتك العين. وقوله مراجعاً الوالد عن كتاب كتبه إليه وهو بشيراز وقد صدر عجز الأبيات المصدر بها الكتاب شعر

ما الورد ينضح بالندى أثوابهوالغصن رنحه الصبا وشبابه
والبرق يلمع كالمباسم ضاحكاًوالروض يهتك بالحيا جلبابه
والهائم الممطول فاز بوصلهمن غير وعدٍ قدمت أسبابه
والناحل المنهوك زال سقامهوالا شيب الموخوط عاد شبابه
والنازح المهجور يقرع ليلهسن الندامة إذ أتت أحبابه
والعاشق السهران يفتح بغتةبيدي حبيبته المليحة بابه
أوفي وأوفر بهجة ومسرةمن عبده لما أتاه خطابه
بل لا أرى أحداً أشد تواجداًمني إذا وافى إليّ كتابه

يقبل الأرض التي تباهي بحصبائها الدر. وتضاهي بأزهارها النجوم الزهر. بين يدي صدر صدور السادات الأفاضل. وبدر بدورها في المحافل. سيد العلماء المحنقين. وسند الفقهاء المدققين. فخر الموالي الكرام. ذخر العلماء الأعلام. من إذا نظم لم يرض من لدر إلا بكباره. وإذا نثر فالأنجم الزهر بعض نثاره. حائز الفضائل. عن أسلافه السادة الأماثل. مرجع الأفاضل. عند ادهام الخطوب النوازل. نتيجة الأصول المقدسة النبويه. خلاصة الفروع الطاهرة العلويه. ذي المجد السامي الرفيع. والمحل العالي المنيع. المولى الأعظم. الهمام الأفخم. مولانا وسيدنا الأمير نظام الدين أحمد بن مولانا السيد محمد معصوم. لا زالت ألويته بالنصر عاليه. وأنديته بالمجد ساميه. ما دامت الأفلاك مزينة بالنجوم. وينهي المملوك أنه لما وصل إليه ذلك الكتاب السامي الشريف. والخطاب العالي المنيف. وعجز عن الاتيان بمثله لما أودع من الجزاله. رأى في أوله أبياتاً فصدرها وعجزها خروجاً بحسن التخلص من الخجاله. وقال في اطرائه وتعريفه. ومدحه وتوصيفه.

من أين للورد البهيّ بهاؤهوالروض يخجل من سنا أزهاره
ألفاته تحكي الغصون وإنماهمزاته فاقت على أطياره

فما أحسن معانيه التي انسكبت في قوالب الألفاظ فحار فيها السبكي. ومبانيه التي لو شبهتها باللآلي لخفت أن تتظلم مني وتشتكي. ولو قلت أنها في الرقة كديوان الصبابه. لقيل أنه بالنسبة إليها كالصبابه ولو ساويتها بحلبة الكميت. لقيل لي لا يستوي الحي والميت. فالأولى أن يقال ليس له في حسن المعني وسلاسة الألفاظ نظير. ويعترف من أراد تشبيهه بالعجز والتقصير. ولا بدع فهو نتيجة أفكار من أعطته البلاغة زمامها فهي في انقياده. وأطاعته الفصاحة فهو يتصرف فيها حسب مراده. وأما شوقي فلو اتسع الوقت لبيان كيفيته. وامتد الزمان لتعداد كميته. لذكرته بما يعجز البلغاء عن بلوغ مداه. ويعترف الشعراء المعروفون بالاغراق في الكلام عن ادراك منتهاه

لو شاهد البرق شوقي في تلهبهلم يبتسم في الدياجي من مهابته

وأما أحوالي فهي بحمد الله جارية على النهج المستقيم. ناطقة بشكر الله الكريم. والعبد لا يزال كثير السؤال عن أحوالكم. والترقب لوصول أمثالكم.

إذا كان حال السيد الندب صالحاًفحال الفتى المملوك لا شك محمود

وما أشار إليه المولى من أن المأمول عدم العدول عن سنن المخاطبة بألسنة الأقلام. فإن في ذلك اطفاء نائرة الآلام. فكيف العدول عن هذا المطلب. وبه يتسلى المشوق ويطرب. وهو أعزه الله لا يزال شخصه بين عيني يمثل. ووده من قلبي مؤثل. ولساني بشكره ناطق. وحسان بياني في ميدان ثنائه سابق. ودعائي له متواصل عقيب الصلوات. وفي وقت الخلوات. فالله تعالى يطيل بقاءه الذي تتبلج به الأيام. وتستنير به قلوب الأنام والسلام. ومن شعره قوله مادحاً الوالد

كلما غنت على الدوح الحمامهيجت أشواق قلبي المستهام
ذكرته ساجعات المنجنيورُبا نجد وهاتيك الخيام
وليال ما صفا لي بعدهاطيب العيش ولا صافي المدام
حيث لا أصغي لعذل راتعاًفي ميادين التصابي والغرام
حيث لي شغل بربات الخباعن شراب وطعام ومنام
حيث مالي شافع إلا الصبافي الهوى إن عز من هند المرام
لست أنسى ليلة إذ أقبلتوتلقتني ببشر وابتسام
قلت يا هند إلى من أشتكينقض عهد من حبيب لا يرام
فاستشاطت ثم قالت جذلاًهل وفت حسناءُ قبلي بالذمام
ثم أبدت عتباً يا ليتهطال لما طاب في ذاك المقام
فاعتنقنا واشتكينا ما بناولدمع العين في الخد انسجام
هل ترى من بعدهم لي عوضغير حزن وبكاء وسقام
فاسقني خمراً لأطفى حرقيوأروّى حر قلبي والأوام
وانشدا شعر الذي ألفاظهتزدري بالدرّ من حسن النظام
أحمد ابن السيد المعصوم منعن مداه قصرت كل الكرام
مذ نشا قرت به عين العلاوارتضته بعلها قبل الفطام
حاز علماً في صباه وافراًلم يحزه عالم في ألف عام
خلق كالروض وافاه الصباغب ما باكره صوب الغمام
هاشميّ نسل طه أحمدليس فخر فوق هذا للأنام
زرع الفضل له في مهجتيروض ودّ مثمر زهر الكلام
التفات منه أقصى مطلبيإنما الدينار مطلوب الطعام
فله لا زال مدحي دائماًطرباً ينشد في خاص وعام
فكرتي قاصرة عن مدحهفلهذا عجلت بالاختتام

وقوله معارضاً لقصيدته السابقة وماد حاله أيضاً

سلام على وادي العقيق ورندهوعز لياليه وسالف عهده
فلي فيه ظبي صائد كل ضيغمأغار عليه بين كثبان نجده
إذا الشمس غابت في مغارب أفقهابدا لك بدر من فواحم. جعده
يعلك من فيه شراب له شذاكنفحة روض عند تفتيح ورده
أرى الدعص يربو كي يشاكل ردفهوغصن النقا ينمو لتشبيه قدّه
وبدر الدجى يزهو إذا قيل مثلهويطوى حديث المسك مع نشر برده
ويعلو مقام النجم إن قلت أنهكمبسمه الوضاح أو درّ عقده
غدوت أجيل الطرف في روض حسنهفعدت وقلبي في وثاق بوجده
فمن لي بقلب مثل قلبي بعد ماأضيع زماناً في مهامه بعده
يقولون لي في الحب هل لك رتبةفقلت لهم أعلى الذّرى لي بسعده
فما العشق إلا من كرام عشيرتيوما الحسن إلا من توابع جنده
وما القطر إلا من تقاطر أدمعيولا البرق إلا من حشاي ووقده
فقولوا له إني صريع لحاظهوإني عليل مذ نبئت بفقده
عسى أنه يرضى بلثمي كفهإذا هو لم يسمح بتقبيل خده
سلام عليه بكرة وعشيةوإن لم يفه تيهاً عليّ بردّه
فقد لذت من شوقي إلى غير منصفبحضرة من لاذ الأنام بمجده
فما سائلي إلا على جود أحمدولا قائل إلا باعلان حمده
يلوح سناء الفضل من درّ لفظهويظهر قدر النصل من قطع حده
يحار بسيط البحر في وسع علمهويقصر فهم الحبر عن نيل قصده
يصول على أسد العرين بنفسهويثني عنان الجيش ما ضي فرنده
جزيل العطايا يسبق القول فعلهكريم السجايا غير مخلف وعده
فلا زلت أهدي للمسامع وصفهوأقطف زهر القول من روض ورده

وكتب إليه الوالد قصيدة مطلعها

إلى أحمد الشيخ النبيل تحيةتغشاه مني بكرة وأصيلا

فراجعه بقوله

أتت كي تداوي بالسلام عليلاًفقلت سلام لا عدمت مثيلا
هي الشمس لاحت في صباح صحائفهي البدر نالت من مدادك نيلا
هي الخمر في أفعالها بعقولناعلى السحر قد زادت به تمثيلا
إذا أنشدت فالطرف عند نشيدهاعن السمع يهوى أن يكون بديلا
ترجلت الركبان عند سماعهاوقالوا أعدها لا عدمت خليلا
وساق بها العيس الحداة تشوّقاًإليه وساروا بكرة وأصيلا
فلا عجب إن عظمت لجلالةونظم جليل أن يكون جليلا
فقد صاغها من نال كل فضيلةبباع له في الفضل دام طويلا
وذاك نظام الدين أحمد الذيأنار لطرف المكرمات سبيلا
هو السيد المفضال والسيد الذييريك فراتاً من نداه ونيلا
له النسب الوضاح والرتبة التيغدا دوها طرف الحسود كليلا
إذا غاص في بحر المداد يراعهأفادك درّاً بالغناء كفيلا
له همة لو حاولت زحلاً علىمكانته القصوى أتاه ذليلا
له شيم لو خالط البحر بعضهالا شفي صدا قلب وبل غليلا
إذا قلت هذا من أكابر هاشمكفتني سجاياه عليه دليلا

ومن رقيق شعره قوله

ما شمت برقاً سرى في جنح معتكرإلاّ تذكرت برق المبسم المعطر
ولا صبوت إلى خل أسامرهإلاّ بكيت زمان اللهو والسمر
شلت يد للنوى ما كان ضائرهالو غادرتنا نقضي العيش بالوطر
في خلسة من ليالي الوصل مسرعةكأنما هي بين الوهن والسحر
لا نرقب النجم من فقد النديم ولانستعجل الخطو من خوف ومن حذر
وأهيف القدّ ساقينا براحتهكأنه صنم في هيكل البشر
منعمين وشمل الأنس منتظميربو على نظم عقد فاخر الدرر
فما انتهينا لأمر قد ألمّ بناإلاّ وبدّل ذاك الصفو بالكدر
لا در در زمان راح مختلساًمن بيننا قمراً ناهيك من قمر
غزال انس تجلى في حلى بشروبدر حسن تجلى في دجى الشعر
وغصن بان تثنى في نقا كفللا غصن بأن تثنى في نقا المدر
كأن ليلى نهاري بعد فرقتهما أقاسي به من شدة السهر
يا ليت شعري هل حالت محاسنهوهل تغير ما باللحظ من حور
فإن تكن بجنان الخلد مبتهجاًفاذكر معنىّ الأماني ضائع الخطر
وإن تأنست بالحور الحسان فلاتنس الليالي التي سرّت مع القصر

وقوله أيضاً

كيف أسلو من مهجتي في يديهوفؤادي وإن رحلت لديه
إن طلبت الشفاء من شفتيهجاد لي بالسقام من جفنيه
إن حلف السهاد عين رأتهوجنت ورد جنتي خديه
كلما رمت سلوة قال قلبيلا تلمني على العكوف عليه
لست وحدي متيماً في هواهكل أهل الغرام تصبو إليه

وهذه ملح اخترتها من مقاطيعه التي سماها لآلىء الجوهري فمنها قوله

كيف يرجو العمر فانٍ بالله من قدقيدت الذنوب طول حياته
لا لعمري أم كيف يشرق قلبصور الكائنات في مرآته

ومنها قوله أيضاً

إذا مضت الأوقات من غير طاعةولم يك محزوناً فذا أعظم الخطب
علامة موت القلب أن لا ترى بهحراكاً إلى التقوى وميلاً عن الذنب

وقوله أيضاً

في المنع والاعطاء كن شاكراًواستقبل الكل بوجه الرضا
فالخير للعارف فيما جرىورب منع كان عين العطا

وقوله

لا تجهلن قدراً لنفسك إنهاعلوية ترقى لما شبهها
والنفس كالمرآة يصقلها التقىقسراً ويظلم بالمعاصي وجهها

وقوله

إن حزت علماً فاتخذ حرفةتصون ماء الوجه لا يبذل
ولا تهنه إن ترى سائلاًفشان أهل العلم أن يسئلوا

وقوله

جانب اللهو والبطالة واحذرمن هوى النفس إن أردت السعاده
واعبد الله ما استطعت بصدقمطلب العارفين صدق العباده

وقوله

قل للذي يبتغي دليلاًمن غير طول على المهيمن
ما ذرة في الوجود إلافيها دليل عليه بين

وهو من قول الأول

وفي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»

ومنها قوله أيضاً

إذا التبس الأمران فالخير في الذيتراه إذا كلفته النفس يثقل
فجانب هواها واطرح ما تريدهمن اللهو واللذات إن كنت تعقل

وهذا من قول الأحنف بن قيس كفى بالرجل راياً إذا اجتمع عليه أمران فلم يدر أيهما الصواب أن ينظر أعجبهما إليه وأغلبهما عليه. فليحذره. وأقدم منه قول أبي الفتح البستي

وإن هممت بأمر. ولم تطق تخريجهفقس قياساً صحيحاً. واحكم بضد النتيجه

ومن مقاطيعه في الغزل قوله

ولقد سقتنا البابلية إذ رأتإنا نحدثها لنسبر حسنها
خمراً ادارتها العيون فأذهبتمنا العقول ولم تفارق دنها

وقوله

أخجلت بدر الدياجيإذ تم في بدء أمرك
فعاد في النقص حتىحكى قلام ظفرك

وقوله

وظبي نافر مما رآهيذل لحسنه الملك المهيب
عرفت مزاجه فانقاد طوعاًومن عرف المزاج هو الطبيب

وقوله

وأهيف كالسيف ألحاظهوقده المياس كالسمهري
أخجلني ثغر له باسمفأعجب لثغر مخجل الجوهري

وقوله

قال عذولي إذ رأىأخا الغزال الأعفر
هذا الذي مبسمهفتت قلب الجوهري

وقوله

جرح اللحظ خال خد غلامفضح البان قدّه باعتداله
فإذا ثار طاعناً لفؤاديقال خذها من طالب ثار خاله

وقوله

لما بدا البدر يجلودجى الظلام واسفر
ذكرت وجه حبيبيوالشيء بالشيء يذكر

وقوله في غير ذلك

واسمح الناس كفامن لا يقول ويفعل
واعذب الشعر بيتيرويه عذب المقل

وقوله

تذكرت إذ جاء الحجيج بمكةونحن وقوف ننظر الركب محرما
فصرت بأرض الهند في كل موسميجدد تذكاري لقلبي مأتما

وقوله

ولو أن أرض الهند في الحسن جنةوسكانها حور وأملكها وحدي
لما قستها يوماً ببطحاء مكةولا اخترت عن سعدي بديلاً هوى هند

وقوله

وقالوا بالمخا خير كثيرفقلت صدقتم وبها الأمان
ولكن حرها يشوي البراياولولا الريق لاحترق اللسان

وقوله

شبهت أمواج بحر الهند حين رستبه السفائن من هند ومن صين
بأسطر فوق قرطاس قد اتسقتوالسفن فيا علامات السلاطين

وقوله

إذا لم تكن ناقداً للرجالوصاحبت من لاله تعرف
فخالفه في بعض أقوالهفإنك عن خلقه تكشف

ونظم هذين البيتين وأرسل بهما إلي لأشرف عليهما.

لا تعذلوني في وقت السماع إذاطربت وجداً فخير الناس من عذرا
حتى الجماد إذا غنت له طربأما ترى العود طوراً يقطع الوترا

فكتب إليه مقرظاً. وصل البيتان بل القصران. فما ألفظاهما إلا الدر النظيم. فلا وحقك لم يفز بمثلهما العصران. لا الحديث ولا القدم فلله درك. ما أحقد درك. وأبهج في أسلاك المعاني درك. ولقد خاطبت بمعناهما عند سماعهما من عذل. وطربت لحسن سبكهما طر من منح عند نشوته سبيك النضار وبذل. بل طرب لهما حتى الجماد. ومن ذا الذي سمعهما وما ماد. فالله تعالى يبقيك للأدب كهفاً يرجع إليه. وذخراً يعول عند اشتباه الألفاظ والمعاني عليه. وقد نظمت البارحة أبياتاً في العود. أحببت أن يلاحظهما بملاحظتك لهما السعود.

وعود به عود المسرة مورقيغني كما غنت عليه الحمائم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وعود به عود المسرة مورق»
إذا حركت أوتاره كف غادةفسيان من شوق خليّ وهائم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وعود به عود المسرة مورق»
يرنح من يصغى إليه صبابةكما رنحته في الرياض النسائم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وعود به عود المسرة مورق»

والسلام. فراجعني بقوله. يا مولاي الذي إن عد أرباب المجد عقدت عليه الخناصر. وإن ذكر أصحاب الفضل فلا يدانيه متقدم ولا معاصر. ولو أمدني ابن العميد واضرابه والصاحب بن عباد وأصحابه. ما استطعت تقريظ أبياتك الأبيات إلا منك. الممتنعات إلا عنك. فأنت فريد دهرك. ولا أقول في هذا الفن. ووحيد عصرك. وليس ذلك عن ظن. وقد دعتني داعية الأدب. إلى أن أقول إن العود يفوق آلات الطرب. فمدحته كما مدحته. ووصفته كما وصفته. وقلت

فاق كل الآلات في اللحن عودحين تعلو أصواتها وترن
فكان الحمام دهراً طويلاًعلمه ألحانها وهو غصن

والسلام. قلت وهذا من قول أبي الفضائل أحمد بن يوسف الطيبي

من أين للعود هذا الصوت تطربناألحانه بأطاريف الأناشيد
أظن حين نشا في الدوح علمهسجع الحمائم ترجيع الأغاريد

ومثله قول معاصره الصفي الحلي

وعود به عاد السرور لأنهحوى اللهو قدماً وهو ريّان ناعم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وعود به عاد السرور لأنه»
يعذّب في تغريده وكأنمايعيد لنا ما لقنته الحمائم

وما أحلى قول بعضهم فيه

وعود له نوعان من لذة المنىفبورك جان يجتنيه وغارس
تغنت عليه وهو رطب حمامةوغنت عليه قينة وهو يابس

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.