تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

إبراهيم بن يوسف المهتار المكي

شويعر بذي اللسان. كثير الاساءة قليل الاحسان. شر ما شعر فهدر ولم يذر. سمينه غث. وجديده رث. لا يلتقي من مختاره طرفاه. ولا يسمع رديه سامع الأقال فض الله فاه. لم يزل قذف الأعراض بهجوه. ويلفظ فوه بمثل ما تلفظه وجعاؤه من نحوه. حتى ألبسه الردي ردآه. وطهر الله الوجود من تلك الجناية والردآه. ولما هلك بقي يومين في بيته. لا يعلم أحد بموته. حتى دل عليه نتن ريحه. فالق وهو جيفة في ضريحه. ولقد تصفحت ديوانه الذي جمعه. وليت من واراه حفرته أواه معه. فلم أر فيه إلا ما تمجه الأسماع. وتحقر ألفاظه ومعانيه عن السماع. إلا كلمات كادت أن تصفو من الشوائب. ومع الخواطي سهم صائب. فمنها قصيدته التي سماها بدر النظم. في وقوع أركان بيت الله المعظم. وأولها

ماجت قواعد بيت الله واضطربتواهتزت الأرض من أقطارها وربت
وأمست الكعبة الغراءُ واقعةفما أشك بأن الساعة اقتربت
فأي خطب به أحشاؤنا انصدعتوأي هول به ألبابنا سلبت
وأي دهر لقينا من نوائبهما لو علي الشامخات الشم لانسربت
أنا إلى الله من دنيا منغصةأيامها مستردات لما وهبت
أبدت عجائب لا تقوي العقول لهاوأي نفس من الأيام ما عجبت
هي التي لعبت جدت وفت غدرتقست ألانت أبت دانت نأت قربت
كم رام أهل النهي من قبل أعصرناصفوا لعيشهم من شوبها فأبت
وكم أرادوا بإدراك ومعرفةتقويم منّادها بالرأي فاضطربت
فما نرجّي وقد ولت بشاشتهاوأوجه الأنس من لذاته شجبت
ما بعد منظر بيت الله منهدماًتلفى حشاشة حرّ في البقا رغبت
فأي عين على ما كان ما انسكبتوأي روح لما قد صار ما وصبت
لهفي على كعبة الله التي افترقتاحجارها بعد ما في حبها اصطحبت
لهفي على تلكم الأركان كيف هوتوكيف أوهت حصاة القلب إذ قلبت
لهفي على تلكم الأستار كيف غدتأيدي سبا وبوحل السحب قد سحبت
لهفي على تلك الآثار كيف عفتوكيف شادت ربوع الحزن إذ خربت
لهفي على تلكم الأطفال كيف قضتوكيف جذت حبال الصبر واقتضبت
لهفي على تلكم الأقمار ما شرقتبالماء إلا بآفاق الثرى غربت
لهفي ولست لعمري منشداً أبداًسقى مني وليالي الخيف ما شربت
فكم بأكفافها من مهجة ذهبتوكم جنوب على ساحاتها وجبت
وكم بذلك من ذكرى ومعتبرلمن تذكر لكنّ النهى غربت
يا خالق الخلق عفواً عن جرايمنافخوف أنفسنا مما قد ارتكبت

وقوله في صدر قصيدة

قف بالمعاهد من ميثاء ملحوبشرقيّ كاظمة فالجزع فاللوب
واستلمح البرق إذ تهفو لوامعهعلى النقا هل سقى حي الأعاريب
يا حبذا إذ بدا يفتر مبتسماًأعلا الثنية من شم الشناخيب
والجو مضطرم الأرجاء تحسبهبرداً أصيب حواشيّه بالهوب
يا بارقاً لاح وهناً من ديارهمكأنه حين يهفو قلب مرعوب
اذكرتني معهداً كنا بجيرتهنستقصر الدهر من حسن ومن طيب
لم أنس بالتّلّعات الجون موقفناوالحي ما بين تقويض وتطنيب
وقد بدا لعيون الصحب سرب ظباحفت بظبي ببيض الهند محجوب
لم تبد تلك الدمى إلا لسفك دمىولا العذاب اللمى إلا لتعذيبي

وقوله في صدر أخرى

أذكى بقلبي لاعج الأشجانبرق أضاء على ربي نعمان
أجرى مدامع مقلتي أورى زناد صبابتي أشجى فؤادي العاني
ما شاقني إلا لكون وميضهبربي الهوى ومعاهد الخلان
يا برق جد بالدمع في أطلالهمعنى فسح الدمع قد أعياني
لم أسأل الأجفان سقى عهودهمإلا وجادت لي بأحمر قان
واها لأيام العذيب إذ اللوىوطنى وسكان الحمى جيران
إذ كنت طوعاً للهوى واللهو فيظل الشبيبة ساحب الأردان
تشجيني الورقاء إن صدحت علىتلك الغصون بنغمة الألحان
ويشوقني بأن النقاء وحلول واديه وحسن الدار بالسكان

ومن خمرياته قوله

أرح فؤادي من العذاببالراح والخرد العذاب
وعاطنيها عروس دنّكالنار كالعسجد المذاب
من كف لمياء إن تبدتتوارت الشمس في الحجاب
دعجاء بلجاء ذات حسنلكل أهل العقول سابي
على رياض مدبجاتحاكت سداها يد السحاب
بها القمارى مفرداتعلى الأفانين والروابي
فبادر الأنس يا نديميوقم إلى اللهو والتصابي
أعط زمان الشباب حظاًفلذة العيش في الشباب
واجسر ولا تيأسن يوماًمن رحمة الله في الحساب

وقوله

قم إلى بنت الكرومواسقنيها يا نديمي
ما ترى الليل تولىوانطفي ضوء النجوم
وأضاء الصبح ما بين مطاريف الغيوم
وبدا الطل على الأغصان كالعقد النظيم
وشدت قمرية الايك على الغصن القويم
وسرت ريح الخزاميمن ربي ظبي الصريم
فأدرها خمرة تنبي عن العصر القديم
واسقنيها لتنزيل اليوم عن قلبي همومي
هاتها لي قهوة منعهد لقمان الحكيم
واملأ الكاسات إنيفي الصبي غير ملوم
أيها النفس تصابيثم في العصيان هيمي
وعن الذل تولىوعلى العز أقيمي
واكثري الذنب فربىغافر الذنب العظيم

وقال موجهاً بأسماء الأنغام

سلام الله من صب مشوقجريح القلب باكي المقلتين
على من حل في قلبي السويدالعزته وحل سواد عين
نائي بالصبر لما بان عنىوخلفني سمير الفرقدين
فليت الركب قد وقفوا قليلاًعلى العشاق يوم نوى الحسين

ومن مقطوعاته قوله

طفل من العرب أحوىخدن الصبي والبطاله
بدا بوجه كبدرفي جيده الطوق هاله

وقوله مقتبساً في مليح فقير الحال

تصد وكم تصدى منك كفلمن لم يدر قدرك يا مفدّي
وصدك عن أولى أدب وأمامن استغنى فأنت له تصدى

وقال أيضاً

اسأل الرحمن ذا الفضل له العرش ربيحسن نظم الآن حاني ثم خط المتنبي

وقال مؤرخاً أيام ولاية الشريف نامي بن عبد المطلب

تأمل لديناك التي بصورفهاأبادت على ملك تاطد سامي
بدا فاضا ثم اعتدى الحق فانقضيفمدة نامي مثل عدة نامي

وقال أيضاً

ألا لا تغضبن لمن تعالىولا تبدي الوداد لمن جفاك
ولا تر للرجال عليك حقاًإذا هم لم يروا لك مثل ذاك

وقال أيضاً

كم ذا أغمض عيني ثم أفتحهاوالدهر ما زال والدنيا بحالتها
فليت شعري ما معنى مقالتهمما بين غمضة عين وانتباهتها

وقال مضمناً

وظبي رماني عن قسى حواجببأسهم لحظ جرحها في الهوى غنم
على نفسه قليبك من ضاع عمرهوليس له منها نصيب ولا سهم

قال مؤلف الكتاب عفى الله عنه هنا انتهى الفصل الأول من القسم الأول من سلافة العصر. من محاسن أعيان العصر. بعون الله تعالى وفضله. وبقي علي ذكر جماعة من أهل مكة شرفها الله تعالى لم تحضرني أشعارهم كالشيخ علي بن جاد الله بن ظهيره وأخيه القاضي عبد القادر بن جار الله بن ظهيره وهما أرفع طبقة من الشيخ عبد الرحمن المرشدي والقاضي محمد بن عبد المعطي بن ظهيرة والقاضي أبو سعيد محمد بن علي الجم وهما في طبقة الشيخ عبد الرحمن وقوم آخرين في طبقتهم وجماعة من المعاصرين الموجودين الآن ولعل الله تعالى ييسر لي الحاق ما يصلح من ملح أشعارهم وطرف أخبارهم بهذا الفصل إن شاء الله تعالى وكان الفراغ من اتمام هذا الفصل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقين من محرم الحرام عام اثنين وثمانين وألف أحسن الله ختامها وهذه قصيدة كتبها إلى بعض الأصحاب من مكة المشرفة ممن لا يتعاطى الشعر نظمها على لسان بعض أصحابه من أدباء العصر يحسن الحاقها بهذا الفصل ولا أعرف ناظمها بعينه وهي

عدنا وأعين كل الناس تنتظرشوقاً لما عنكم يأتي به الخبر
وعندما سألوني قمت مرتدياًبثوب احسانكم أزهو وأفتخر
وقلت حدثت ما أرويه من خبرعن ابن مقلة عنه ثم فاقتصروا
إن تسألوا عن علي فهو في نعمجلت ولكن لدى علياه تحتقر
أما الرباء فقد القت مقالدهافي سوحه وبدا في روضها زهر
وأقبلت نحوه الدنيا بأجمعهاتقول هب ما تشا مني وتعتذر
واليمن خيم في يمناه حين رأىلليسر يسراه لم يخطر له سفر
قطعت بحراً إليه كنت أعظمهخوفاً فألفيت بحراً ليس ينزجر
ولاح لي فازدريت البدر حين بدامن ليس يحجبه غيم ولا فتر
أغر ذا همة علياء لو بلغتإلى ذرى زحل للرفع تنتظر
يبشر البشر منه كل مفتقربما يروم ويلفي عنده الظفر
فنلت ما أرتجيه من مواهبهصفواً كعيش له ما شابه كدر
فالله للمعتفي يبقى سيادتهففي بقاه حياة كلها سحر
فسطروا من معالي مجدكم جملاًلم تحو أمثالها عمراً مضى السير
والكل اثني بخير عنكم وغدايقول لي هكذا السادات إن ذكروا
فلا برحتم وألفاظ الورى مدحاًفيكم إذا نظموا الأشعار أو نثروا
ما استحسن الناس زهراً للثنا عبقاًمن روض شكر له معروفكم مطر

يتلوه الفصل الثاني من القسم الأول في محاسن أهل المدينة المنورة على ساكنها وآله الكرام. أفضل الصلاة والسلام. مع أصحابه الأعلام.

الفصل الثاني

محاسن أهل المدينة المنورة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.