من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
القاضي محمد بن الخليل الإحسائي المكي
قاض قضى من الأدب الفرض. وحظي بارتشاف الضرب من لسان العرب. وما زال بكعبة الفضل طائف. حتى تقلد منصب القضاء بالطائف. وكان شديد العارضة في علم العروض. مبيناً لطلابه به منه السنن والفروض. مع المام جيد باللغة والاعراب. ومفاكهات تسني معها نوادر الاعراب. وهو من أبدع الناس خطاً. وأتقنهم للكتب نقلاً وضبطاً. كتب ما ينوف على الالوف. وخطه بالحجاز معروف ومألوف. وله شعر أجاد فيه وأبدع. وأودعه من الاحسان ما أودع. فمنه قوله مهنئاً الشيخ عبد الرحمن المرشدي بالمدرسة السليمانية لما تقلد تدريسها.
لقد سرني ما قد سمعت فهزنيبلذته هز المدام فاسكرا
وذلك لما أن غدا الحق راجعاًلأهليه من بعد الضلال مكبرا
فدونكها مفتي الأنام حقيقةوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقوله
وشاذن كالبدر شاهدتهعيونه الدعج تميت الأنام
بدأت بالتسليم حبالهفقال بالغنج عليك السلام
وقال مخاطباً القاضي تاج الدين المالكي وقد طلب منه شيئاً من شعره
لديك أخا العلياء والفضل والعلمومن جلّ من بين الاخلاء بالفهم
تحل رحال الظاعنين فمن غداإليك بدا في حاملي العلم كالنجم
لئن كان رب الفضل كالراس في الورىفأنت له تاج مضيء بلا كتم
طلبت من النظم البديع لئالئاًفدونكها كالعقد في الحسن والنظم
تشنف أسماع الرواة بدرّهاوتقطع أفلاذ العييّ من الغم
فيا أيها القاضي المولد طبعهمن العلم أفناناً تجل عن العقم
نوائب هذا الدهر غالت قريحتيودقت عظامي بعد تمزيقها لحمي
فلو أن هذا الدهر يبدي تعطفاًلظل بديع النثر والنظم في حكمي
ولو أن جزأ من همومي مفرقاًعلى الخلق عاموا في بحار من الهم
وسامح فمنديل القرار مقطعورق لقلب لا يقر من العدم
ودم أبداً في نعمة ضدها لهايطأطىء رأساً في الرغام على رغم
وقال مؤرخاً خطبة خطبها القاضي المذكور
لله در خطبة. بها العقول تستلبقصر عنها كل من. انشا ووشي وخطب
يريك عيد الفطر عيد النحر فعلها العجبكم فطرت فيه فؤاداً. بث حقداً فالتهب
كان فيها أنزلت. تبت يدا أبي لهبوكم فؤاد غادرت. بين خشوع وطرب
بوضعها ووعظها السحر الحلال المنتخبلم لا وبحر درها. حبر العلوم والأدب
تاج العلا حائزها. بالارث عن أم وأبمن انتمت خطبته. به إلى أعلى نسب
فحيث عزت نسبا. ومطلباً عمن طلبوكان من انشأها. تاجاً لارباب الرتب
قال لسان الحال ليتاريخها تاج الخطب
وكتب إليه أيضاً وقد فوض إليه تفريق الصدقات الهندية
امام هذا العصر لاتجعل محبك في الاضاعه
ما خلت حاجاتي اليك وإن نات داري مضاعه
لا تنس ثدي مودتيبيني وبينك وارتضاعه
فلقد عهدتك في الوفاء أخاً تميم لاقضاعه
علماً بأنك لم تودمن التفاريق النفاعه
صدقات قطر الهند قدصارت إليك بلا رفاعه
لا تتركني في الرعاع إذا تفرقت البضاعه
وكتب إليه مستقضياً منه ارسال نعل كان طلبها منه وهو بالطائف
قاضي الشرع فقت هذا الأنامابحجي ثابت وعز قدامي
وذكاء يفيد كل ذكيّواطلاع يخجل النظاما
إن أهل الكمال عطل وتاج الدين تاج يزين النظاما
من أناس في بطن مكة سارواإذ غدوا يمتحون فضلاً لهاما
زينوا منصب الرياسة والفضلبفضل ومنطق لن يراما
مذ حللت الحجاز ضاء ومذغبت راينا عليه حيناً ظلاما
كل وقت لم ننس ذكرك فيهفاحفظن للمحب منك الذماما
واذكرن حاجة المحب وإن ركادكاري لها فحاشا المقاما
فراجعه القاضي بقوله مداعباً
وصلت رفعة الحميم ولكناقتضى النظم أن أقول الحماما
وصلت يقظة عياناً وكانتوصلت قبل ذا مراراً مناما
اذكرتني فاذكرت غير ناسلا تخلني أنساك حاشا المقاما
وكأني أراك تعرك بالتفكير فيها منك القذال دواما
إن تكن قد ضعفت لما تراخىبعثها عن وصولنا يا هماما
فاعتذاري شحي بأنسك لماكل حين تزورنا أحلاما
يا لها من مطية أمتعتنابمحيا قد زارنا ابتساما
قد لعمري ورّيت فيها بلطفواحتكمت التنكيت فيها احتكاما
كل أبياتها قصور ولكنكان بيت القصيد منها الختاما
فنشقنا فتيت مسك ختامزاد نشراً بما افتتحت النظاما
عجل الله ذلك الفأل منهوأقام المحب ذاك المقاما
فأعاد عليه الجواب بقوله
وصلت رقعة الفريد على ماكان في طيها محباً فقاما
وهي في كفه يفكر فيهاأيرى ذروة لها أم سناما
أم يخلى سبيلها في عفاءليرى أنها تقيم النظاما
وإذا احتجتها ليوم نزالفحميمي يكون فيها اماما
زينة يوم زينة وهي في الكف سلاح إذا أردنا اللطاما
إلى أن قال.
ثم لا زلت من أياديك تمطيكل وجناء لا تمل الزماما
كل يوم أرى نوالك يهميمخجلاً حين يستهل الغماما
يا أخا الفضل إنني في زمانسل من جوره عليّ الحساما
صدّ عني فصدّ عني صديقيورآني لا أستحق السلاما
هذه قسمتي جرت من قديمكلما رمته أراه حراما
وابق يا سيدي وقرة عينيفي سرور ونعم لا تسامي
ما أجاد المطالع الغرذ والشعر وما أحسن البليغ الختاما
واتبع ذلك بنثر فقال. وبعد فقد وصلت المطية التي هي حمراء الوبر. المركوبة في السفر والحضر. الكافية راكبها مؤنة نفسها فلا تشرب ماءً ولا ترعى الشجر. فقبلها المملوك وما قبلها فشكر الله فضلكم. ولا أعدم أحبابكم طولكم. والسلام. قلت وتشبيهه النعل بالمطيه والراحلة وقع كثيراً في شعر العرب من المتقدمين والمتأخرين فمنه قول بعض العرب.
رواحلنا ست ونحن ثلاثةتجنبهن الماء في كل منزل
وقال أبو نواس
إليك أبا العباس من دون من مشىعلينا امتطينا الحضرمي اللّسنا
قلائص لم تعرف حنيناً على طلاولم تدر ما قرع الفتيق ولا الهنا
وقال أبو الطيب.
لا ناقتي تقبل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها ومسرفهازمامها والشسوع مقودها
وقال أيضاً.
وجئت من خوص الركاب باسودمن دارش فغدوت أمشي راكبا
ولما تولى القاضي المذكور قضاء الطائف في سنة أربع وثلاثين أرخ عام ولايته الباشا محمد الشهير بعجم زاده بقوله القاضي محمد وأرخه القاضي تاج الدين بقوله. قاض بالطائف. وكان قد عزل به القاضي احسان بن المدرس ولم يكن محمود السيرة في القضاء فكتب إليه القاضي تاج الدين بقوله
قاض طريقته المثلى قد اشتهرتفليس يخفى سناها منه كتمان
يندي سريرته معلوم سيرتهكالطرس دل على ما فيه عنوان
فحبه لصلاح الخلق أجمعهمسجية لم يحزها قط انسان
ما زال يبذل في المعروف قدرتهحتى تناقلت الأخبار ركبان
فصان عن فعل احسان حكومتهإذ طالما استعبد الأحرار احسان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع