من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
السيد حسين بن علي بن حسن بن شدقم الحسيني
سيد رقى من المكارم ذراها. وتمسك من المحامد بأوثق عراها. دأب في كسب المآثر فتى وكهلاً. وسلك من مسالكها حزناً وسهلاً. فملك جوامحها ذلك المراسن. واجتلا أحاسنها مسفرة المحاسن. وهو ممن دخل الديار الهندية فسطع بها بدره. وعلا صيته وارتفع قدره. ولما اجتمع بالوالد انعقدت بينهما عقود المحبه. والقط كل منهما طائر صاحبه في فح مودته حبه. فتعاطيا كؤوس الوداد اغتباقاً واصطباحاً. وتجاذبا أهداب الاصطحاب مساء وصباحاً. ومن نوادره الحسنه. ونكته المستحسنه. ما جرى له مع الوالد في بعض الأيام. والدنيا إذ ذاك فتاة والدهر غلام. وذلك أن الوالد كان ممن يفضل أبا تمام على المتنبي. ويكشف قناع الترجيح ولا يغبي. وإذا عذله في ذلك أديب. قال أنا لا أسمع عذلاً في حبيب. وكان السيد المذكور ممن يرى لأبي الطيب الفضل. والمنطق الفصل في الجد والهزل. غير أنه يعرض بذلك عند الوالد ولا يصرح. ويمسك القول به عند المنازعة ولا يسرح. حتى اتفق أن الوالد ركب يوماً متنزهاً إلى بعض الحدائق. وفي صحبته السيد المذكور وجمع من حماة الحقائق. ولما استقربهم الجلوس. في ذلك المجلس المأنوس. أرسل الوالد يدعوني إلى الحضور. لذلك المحفل المحفوف بالسرور. فركبت إليه في جحفل من العساكر. وسرت مسرعاً لأصابح طلعته الشريفة وأباكر. فلما قربت من المكان أثارت سنابك الخيل. من الغبار ما ساوى النهار بالليل. فسأل الوالد رافع الأخبار. عن السبب المثير لذلك الغبار. فأنهى إليه الخبر. فقال السيد مبادراً صدق المتنبي وبر. فالتفت الوالد إليه عند ذلك المقال. وقال له ما عنى مولانا بهذا المقال. فقال إن سيدنا لا يزال يفضل أبا تمام. ويرى لأبي الطيب نقصاً وله التمام. وأبو الطيب مدح مولانا وولده قبل هذا بنحو من خمسمائة عام. ووصف موكبه هذا وصفاً يعرفه الخاص والعام. حيث قال كأنه شاهد هذا المقام.
يشرق الجو بالغبار إذا سار علي بن أحمد القمقام
فأي الشاعرين أحق بالتفضيل. وأيهما أشعر على الجملة والتفصيل. فاستحسن الوالد جميع الحاضرين منه هذه النادرة. وأحمد وافي الأدب موارده ومصادره. وله الأدب الذي بهرت فرائده. وصدق منتجعه رائده. على أنه لم يتعاط نظم الشعر إلا بعدما اكتهل. وجاءت فرسان القريض جاهدة وجاء هو مجليهم على سهل. فمن شعره قوله مادحاً الجناب النبوي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام
أقيما على الجرعاء في دومتي سعدوقولا لحادي العيس عيسك لاتحدى
فإن بذاك الحي الفاً ألفتهقديماً ولم أبلغ برؤيته قصدي
عسى نظرة منه أبل بها الصديويسكن ما ألقاه من لاعج الوجد
وإلا فقولا يا أمية إنناتركنا قتيلاً من صدودك بالهند
يحن إلى مغناك بالطلح والفضاويصبو إلى تلك الأثيلات والرند
قفا نندب الأطلال أطلال عامرونبكي بها شوقاً لعل البكا يجدي
إلى ذات دل يخجل البدر حسنهامرنحة الأعطاف ميّاسة القد
جهنم والفردوس قلبي ووجههامن الشوق والحسن البديع بلا حد
سقاها الحيا ما كان أطيب يومنابموردها والحي ورداً على ورد
وقد نشرت أيدي الغمام مطارفاًكستها أديم الأرض برداً على برد
وقد رفعت فوق الحزوم سرادقاًمن الشعر والأضياف وفداً على وفد
بدوت لحبيها وإلا فإننيمن الساكنين المدن طفلاً على مهد
وملت إلى ماء البشام لأجلهاوأعرضت عن ماء مضاف إلى الورد
وغادرت نخلاً بالمدينة يانعاًوملت إلى السرحات من عارضي نجد
وحاربت أقوامي وصادقت قومهاوبالغت في صدق الوداد لهم جهدي
فلا إثم في حبي لها ولقومهاوإن يك أن الله يغفر للعبد
ولا سيما أن جيته متوسلاًبمرسله خير النبيين ذي المجد
أبي القاسم المبعوث من آل هاشمنبياً لارشاد الخلائق بالرشد
دنى فتدلى من ملكي مهيمنكما القاب أو أدنى من الواحد الفرد
ألا يا رسول الله يا أشرف الورىويا بحر فضل سيبه دائم المد
لأنت الذي فقت النبيين زلفةمن الله رب العرش مستوجب الحمد
يناجيك عبد من عبيدك نازحعن الدار والأوطان بالأهل والولد
ويسأل قرباً من حماك فجد لهبقرب فقرب الدار خير من البعد
ليلثم أعتاباً لمسجدك الذيبه الروضة الفيحاء من جنة الخلد
فإن له سبعاً وعشرين حجةغريب بأرض الهند يصبو إلى هند
إذا الليل واراني أهيم صبابةإلى طيبة الفرا طيبة الندّ
وأسبل من عيني دمعاً كأنهعقيق غدا وادي العقيق له خدي
سميراه في ليل غرام وزفرةتقطع أفلاذ الحشاشة كالرعد
عليك سلام الله ما ذر شارقوما لاح في الخضراء من كوكب يهدي
كذا الآل أصحاب الكرامة حيدروبضعتك الزهراء زاكية الجد
وسبطاك من حاز الفضائل كلهاوسجادهم والباقر الصادق الوعد
وكاظمهم ثم الرضى وجوادهمكذاك عليّ ذو المناقب والزهد
كذا العسكري الطهر ذو الفضل والتقىوقائمهم غوث الورى الحجة المهدي
وقوله مادحاً الوالد
هواي لربات الخدور العوائقوخيل جياد صافنات سوابق
وقوم ظهور العاديات حصونهمومصباحهم لمع السيوف البوارق
غطاريف كم بل النجيع ثيابهمكماة غداة الروع حاموا الحقائق
أسود إذا ما زارهم ذو تهورتولى بقلب بين جنبيه خافق
بصم القنا تذري جسوم عداتهاوتشفي ثراها من دماء المفارق
إذا أدلجت نحو العدو خيولهمتبات ليوث الغاب شبه الخرانق
منازلهم ما بين نجد ويثربجنوباً وشاماً في رؤس الشواهق
غيوث إذا حل النزيل بأرضهموإن أمها الباغي فهم كالصواعق
كرام يجازون الجميل بمثلهويرعون وداً للحميم المصادق
منيعون إن لاذ المخاف بظلهمكسوه بسربال من الأمن فائق
وودتهم إذا شبهوا بفعالهمفعال كريم طاهر الأصل صادق
أخو الجود جم الفضل أحمد من سماعلي الناس محموداً حميد الخلائق
تناهت إليه المكرمات فلا فتىيجاريه في ريعانها والسمالق
تراه إذا ما جئته متيقظاًلاسعاد مخلوق وطاعة خالق
فحمداً لربي إذ حباني بودهوصيرني من حزبه والأصادق
حداني على نظم القريض صفاتهوشكر أياديه الغوال العوابق
أحب نظام الدين كونك سالماًوأعداك غرقي في بحار البوائق
وهذا دعاء من صديق مصدقبحبل متين من ولائك واثق
وودك يا ذا القرم والله شاهدبقلب سليم من نفاق المنافق
وكل وداد كان لله خالصاًأتي بشهود مدعيه صوادق
فديتك ما في الناس مثلك عارفوإن كان فيهم من ذكي وحاذق
خصصت بأسرار المرؤة دونهمفلا عجب إذ ذاك منحة رازق
وأكثر أهل الدهر غدر بصحبهمتراهم كسهم مارق اثر مارق
صحبتهم دهراً فلم أر فيهمسوى غادر أو كاشح أو مماذق
لك الفضل كل الفضل يا خير مفضلعلى الخلق طراً لاحقاً بعد سابق
وإن قابلت نعماك قوم لجهلهمبكفر فهم لا شك مرّ الذوايق
بها ثم لا ترعي عهود مودةولكنها ترعي وفور العلايق
فلاقوا لباس الجوع والخوف والعنابما صنعوا والعذر شر الطرايق
فخذها ابن معصوم إليك قصيدةأتتك كعقد في مقلد عاتق
تهني بنيروز جديد تجددتسعودك فيه شامخات السرادق
قضيت بها فرضاً لشكرك فائتاًوشكرك مفروض على كل ناطق
وأبرزتها من بحر فكري عندماتذكرت ما بين العذيب وبارق
ودم راعياً نرعي بأكناف ظلهونأمن فيه من شرور الطوارق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع