تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

أخوه الخطيب عبد الله بن الخطيب الياس

أديب يرفل في حلل الجال. ويرتع في رياض الكمال. إلى شمائل لرقة الشمول ناسخه. وآداب في مقر الاحسان راسخه. رأيته فرأيت البشر مجلواً من صورته. والظرف متلواً من سورته وله نثر ونظم يملكان المسامع لطفاً. ويشبهان قائلهما رقة وظرفاً. فمن نثره ما كتبه إلى الوالد وصورته. ما طلعت شمس البلاغة من آفاق الأفكار. ولا صدحت ورق الفصاحة الفائقة على ورق الأطيار. بأحسن من خطاب تضمن تحية وسلاماً. واستودع أريحية تفوق عرف الخزامي. حاكتها أيدي الوداد بأنامل الاخلاص وسبكتها في قوالب الاتحاد. فما حاكتها سبائك الخلاص تزفها نسمات الأشواق. طيبة الشميم. وتحفها ثمرات الأوراق. بما هو ألطف من النسيم. إلى الحضرة التي بحق لي أن أحن إليها وأشتاق. ويليق بي أن أطير إليها مع حمام الطائف لافد عليها لو أن ذلك مما يطاق. هي حضرة مولانا التي تهدلت أغصان دوحة رياسته. وتهللت جباه جلالته ونفاسته. الوارث المجد عن آبائه وأجداده. الشائد الفضل على أرفع عماده. ذي الشمائل المنبئة عن نصاعة الأعراق. والفضائل المعلنة بأن بدر الفضائل لم يزل باهر الاشراق. من حل من الرياسة أعلى رواق. وحاز في مضمار السياسة قصب السباق. وارتوى منى بحار العلوم فلم تزل كؤوسه دهاق. ورجح فضلاً وجوداً على سادة أهل عصره وفاق. فجميع الخلائق على فضائله ومدائحه وفاق. المتحلي بحلى الفضل والكمال. والمتوج بتاج الرفعة والعظمة والجلال. مولانا وسيدنا السيد الشريف أحمد ابن مولانا السيد معصوم. لا زال مكلؤا بعين الحي القيوم. ما ارتفعت الشمس وظهرت النجوم. ولا برحت سوق المكارم بوجوده. قائمة على ساق. ودولة المحامد بشهوده. مشدودة النطاق. ولا انفك ولطف الله عنه لا ينفك. وعين الله ترعاه أينما حل من غير شك. هذا وينهى المخلص الوداد. والمتخصص المعهود بين العباد. حباً موثوق العرى. وقلباً منبوذاً بالعرى. وشوقاً يجل عن الوصف. ولا يعبر عنه باسم وفعل وحرف

أأتخذ العراق هوى وداراومن أهواه في أرض الشام
للشاعر البحتري، من قصيدة «خَيَالٌ يَعْتَرِيني في المَنَامِ»

بيد أن له في سعة الفضل رجا. وفي اجتماع الشمل ما تحار فيه عقول أولى الحجى. ولا يزال يتذكر سويعات مرت ما كان أحلاها. وأويقات ليس في يده إلا أنه يتمناها

فيا ما كان أحسنه زماناًويا ما كان أطيبه وياما

وبعد كل حال فسلامتكم هي منتهى المطلب

إذا كنتم في صحة وسلامةفما نحن إلا فيهما نتقلب

ومن مشهور شعره قوله في علم العروض وقد أجاد في التورية

إن العروض لبحرتعوم فيه الخواطر
وكل من عام فيهدارت عليه الدوائر

وقرأت بخط السيد محمد كبريت السابق الذكر ما نصه أنشد في إجازة لنفسه النفيسة سيدي العفيف عبد الله بن الخطيب الياس. سلما من المكروه والباس.

يا سيدي قم لي ولامن غير أن أخشى العتب
كيلا يقال مقصرفأكون فيه أنا السبب

فقلت وإن لم يبلغ الظالع شأو الظليع

لم لا أقوم لسيديمن غير أن أخشى العتب
وهو الذي قامت لهبثنائها عليا الرتب

وقلت في المعنى من بحر الحبب

أقوم على الرأس مهما بداجمالك لا لاجتناب العتب
ولم لا أقوم وأنت الذيلعلياه قامت كرام الرتب

انتهى ولبعضهم في المعنى

قيامي والعزيز إليك فرضوترك الفرض ما لا يستقيم
فهل أحد له عقل ولبومعرفة يراك ولا يقوم

وما الطف قول بعضهم معتذراً عن عدم القيام

علة سميت ثمانين عاماًمنعتني للاصدقاء القياما
فإذا عمرواً تمهد عذريعندهم بالذي ذكرت وقاما

ذكرت بهذا ما حكاه أرباب السير عن الصاحب اسمعيل بن عباد رحمه الله تعالى أنه لما كان ببغداد وقصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد لقضاء حقه فتثاقل في القيام له وتحقز تحقزاً أراه به ضعف حركته وقصور نهضته فأخذ الصاحب بضبعه وأقامه وقال نعين القاضي على حقوق اخوانه فخجل القاضي واعتذر إليه. وبخط السيد محمد كبريت كتبت إلى سدته العلية يعني الخطيب المذكور

يا أيها المولى الذي فاق الورىببيان منطقه البديع الزين
هات افتنا في زيد المخفوض فيما قام إلا زيد المسكين

فكتب مجيباً.

يا من بشمس علومه زال الكرىفغدا بمصباح الهدى كالعين
إني أقول جوابكم وبي الجوىفي فرد بيت زان في العينين
زيد تصور جره باضافةللالّ وهو العهد للاثنين

الشيخ شرف الدين يحيى بن عبد الملك العصامي

سبق ذكر والده في الفصل الأول. وهذا فاضل عليه في الفضل المعول. لما توفى والده بالمدينة المنورة اختار هو وأخوه الاقامة في تلك الدار. ورجحا جوار رسول الله صلى الله عليه وآله فجرا ذيل الخفض من العيش بذلك الجوار. والطبع الذي ما شان سلسال قريحته جمود. وناهيك بعصامى النفس والجد. وفاضل جد في كسب الفضائل فساعده على نيلها الحظ والجد. وقد وقفت له على تأليف سماه انموذج النجبا من معشارة الأدبا. تكلم فيه شارحاً لقول الشاعر

حاشا شمائلك اللطيفة أن ترىعوناً علي مع الزمان القاسي
للشاعر جعفر القزويني، اقرأ القصيدة

غير أنه لم يعرف قائله فقال لعمري أنه وإن جهل بانيه من البيوت التي أذن الله أن ستكن. فما اللفظ إلا بمعانيه وإن كان قائله الكن. ثم قال وهذا البيت مما يكثر الاستشهاد به أهل الآداب في محاضرة الأصدقاء والأحباب وهو من أربعة أبيات معمورة بلطيف العتاب. وتنزيه شمائل الانجاب. مبرورة بصدق المنطق واقتضاء الصواب. محاسنها غرر في جياد القصائد. ولمعاني البديع بها صلة ومن مفرداتها عائد. تشرق شموس التهذيب في سماء بلاغتها. وترشف الأسماع على الطرب من رقيق سلافتها. فما أحقها بقول القائل

أبيات شعر كالقصورولا قصور بها يليق
ومن العجائب لفظهاحر ومعناها رقيق

وهي

إني لأعجب من صدودك والجفامن بعد ذاك القرب والايناسي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «إني لأعجب من صدودك والجفا»
حاشي شمائلك اللطيفة أن ترىعوناً علي مع الزمان القاسي
أو ثغرك الصافي يرد حشاشةتشكو لهيباً من لظى أنفاسي
تالله ما هذي فعالك في الهوىلكن حظوظ قسمت في الناس

انتهى كلامه. قلت وقد وقفت أنا بالديار الهندية على مجموع قديم بخط أبي البقا الوفائي الوداعي الحنفي يقول فيه القاضي علاء الدين بن فضل الله أبي الحسن صاحب ديوان الانشا أخو القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري وقف على بيتين للصلاح الصفدي وهما

إني لأعجب من صدودك والجفامن بعد ذاك القرب والايناسي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «إني لأعجب من صدودك والجفا»
حاشا شمائلك اللطيفة أن ترىعوناً عليّ مع الزمان القاسي
للشاعر جعفر القزويني، اقرأ القصيدة

فقال مجيزاً لهما

أو ثغرك الصافي يرد حشاشتيتشكو لهيباً من لظى أنفاسي
تالله ما هذي طباعك في الهوىلكن حظوظ قسمت في الناس

انتهى. فعلم بهذا أن البيت الذي شرحه للشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي وقوله أنه من أربعة أبيات ليس بصواب لايهامه أن الأربعة أبيات قائلها واحد وقد علمت أنها لشاعرين والله أعلم ومن شعر الأديب المذكور. الفائق على تغريد السواجع في المساء والبكور. قوله من قصيدة امتدح بها بعض الأعيان. موجهاً بأسماء الكتب

أضحى لمشكاة العلوم محرراًكشافها من غير ما الباس
ولديه مفتاح العلوم فمن يرماتقانه يقصده بين الناس
وبصدره مغن وكافي كل ذيلب عن التوضيح بالكراس
درر الهداية من بحار علومهكنز ومنفقة نديم الباس
لا زال يسبقني فوارس فضلهفجزاه عندي مكين أساس
لكن عجزي عنه أقعدني وليس لمقعد محوى ذوى الأقراس

وقوله موجهاً بأسماء الأنغام فيمن اسمه حسين وقد ورد إلى المدينة المنورة من مكة المشرفة قوله

أقول لمعشر العشاق لمابدا ركب الحجاز وقر عيني
أمنتم من نوى المحبوب فاسعواله رملاً وغنوا في حسيني

وما ألطف قول محمد بن جابر الأندلسي في مثل ذلك

يا أيها الحادي اسقني كاس السرىنحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلىأهل الحجاز رسائل العشاق

ذكرت بهذا أبيات كنت نظمتها في الأنغام. واستعملت فيها الجناس والاستخدام. وإن لم تكن من باب التوجيه إلا أنها بديعة في بابها وهي

أنالت منى قلبي المنى حين غنتفلم أدر هل غنته أم هي أغنت
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أنالت منى قلبي المنى حين غنت»
وشاقت فؤادي للحجاز وأهلهعشية غنت بالحجاز ورنت
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أنالت منى قلبي المنى حين غنت»
وجنت بها العشاق لما شدت بهوأبدت من الأشجان ما قد أجنت
وسارت ركاب القوم ترمل عندماشدت رملاً حتى إلى الرمل حنت
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أنالت منى قلبي المنى حين غنت»
وإن غنت الركبي والركب سائرغدا حائراً ما كررته وثنت
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أنالت منى قلبي المنى حين غنت»

ومن بديع التوجيه بأسماء الأنغام أيضاً قول الشيخ جمال الدين العصامي جد الأديب المذكور مادحاً الشيخ عبد النافع بن عراق وقد وصل إلى مكة المشرفة من الروم بمنصب خطابة الشافعية وكانت تلك السنة مجدبة فدعا واستسقى في أول خطبة خطبها فغيمت السماء وأمطرت وهو يخطب وحصل بذلك خصب عظيم فكان يقال الشيخ عبد النافع وهو

ظرف الحجاز بمقدم ابن عراقمن بعد ما قاسى نوى العشاق
فاليوم نيروز الحجاز وعيدهإذ صام فيه وعيد ابن عراق

قال الشيخ جمال الدين واتفق أن جاء القاضي حسين المالكي في موكبه إلى بيت الشيخ عبد النافع زائراً فذيل الشيخ عبد النافع البيتين السابق ذكرهما بقوله موجهاً أيضاً

وله أتى الركب الحسيني زائراًسعياً على الآماق والأحداق

ومن شعره أيضاً قوله مضمناً

قد قلت لما رثا لي إذ رأى شجنيمليك حسن علا قدراً وطاب شذا
أفسدت يا منيتي قلبي فانشدنيقد قال سبحانه إن الملوك اذا

والتضمين من قول الأول

مليكة الحسن جودي بالوصال علىمتيم قلبه قد ذاب منك اذا
أفسدت قلبي فقالت تلك عادتناقد قال سبحانه إن الملوك اذا

ومن شعره أيضاً قوله

رأى سقم الكتاب فمال عنهسقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك الروح هلامراعاة النظير من البديع

أين هذا من قول في مليح احمرت عيناه

ليس احمرار لحاظه من علةلكن دم القتلى على الأسياف
قالوا تشابه طرفه وبنانهومن البديع تشابه الأطراف
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «ليس احمرار لحاظه عن علة»

وقوله معارضاً القاضي تاج الدين المالكي في بيتيه المشهورين وقد سبق ذكرهما في ترجمته

وخود من الاعراب لما تلثمتببرقعها الشرقي في معشر العشق
وشرق خديها الحياء بحمرةأرتنا هلال الأفق يبدو من الشرق

وقوله

قالوا أضافك يا يحيى لخدمتهحبيب قلبك في سر وفي علن
فقلت لما رآني غير منصرفعن حبه رام كسرى فهو يجبرني

وقوله

إن الدراهم مرهمقد جاء في تصحيفها
فدع التطير قائلاًالهم بعض حروفها

كأنه يشير إلى قول القائل

النار آخر دينار نطقت بهوالهم آخر هذا الدرهم الجاري
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «النار آخر دينار نطقت به»
والمرء ما دام مشغوفاً بحبهمامعذب القلب بين الهم والنار

وقوله وقد أهدى نبقاً وفلاً

أهديت نبقاً لنبقى في الوداد علىصدق الوداد وارغام العدى أبدا
ومعه يا سيدي فلاّ يبشركمبأنه فلّ من يشناكم كمدا

وقوله في سفينة لعارف

سفينة أشعار هي البحر درهانتائج أفكار وشتى معارف
بها اللفظ كاس والمعاني مدامةوما ذاق منها نشوة غير عارف

وقوله مؤرخاً ولادة مؤلف الكتاب من قصيدة مدح بها الوالد لا يحضرني منها إلا هذا البيت

وتاريخه نعم الوليد أبو الحسنعلى لدين الله صدر ممهد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.