تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الملا فرج الله الشوشتري بن علي بن المرتضى بن علي بن ماجد الحسيني البحراني أنا ابتدى هذا الفصل

أحد مفلقي شعراء العجم. الذي طلع نبت مقاله في روض البلاغة ونجم. علا في البراعة شعره. فغلا في سوق الأدب سعره. رايته بمجلس الوالد وقد جاوز السبعين وهو يهدي السحر من بيانه إلى عيون العين. وديوانه في هذا الأوان. يزاحم بعلو طبقته كيوان. وفيه كل معنى مستبدع. ولفظ هو للحسن مستقر ومستودع. ونظمه بالعربيه محرز خصل الاجاده. وسأثبت مما ساقه غيث احسانه وجاده. فمنه قوله من قصيدة مدح بها الوالد عدتها مائة وثمانية وخمسون بيتاً.

ما بين دجلة والفرات مراتعهي للنفوس معارج وسماء
ومنازل هي للقلوب منازللا جاوزتها ديمة هطلاء
لا الجزع يسليني ولا وادي الفضا عنها ولا النجّا ولا الدهناء
لا رامة رومي ولا حزوي ولاوادي النقا والخيف والخلصاء
سقت الغوادي روضها وفلاتهاورعت بمرعها مهاً وظباء
أصبو إلي سكانها طول المدالم تلهنى خود ولا هيفاء
إن الأمكان تستحب لأهلهاأعروّة وجميعهم عفراء
بهم أشبب لا بعاتكة وكمفي مهجتي من بينهم برحاء
أسماؤهم ملأت خروق مسامعيلا ميّ تسكنها ولا أسماء
للناظرين على الفراق مواطنلهم بهن عن الجنان غناء
وبسوحهن مراتع وملاعبالليل فيها والنهار سواء
مستوطن الآمال غايات المنىللغانيات بها الغداة ثواء
يرتعن بين ضلوعنا فكأنماأرباعها الألباب والاحشاء
آرام أنس للنفوس أوانسداءٌ ولكن للعيون دواء
يصغي إليهن الجليس فينتشيوهناك لا خمر ولا صهباء
حل الربيع متى حللن بمنزلفكأنهن عوارض وحياء
وإذا ارتحلن ترى الديار كأنهامن فقدهم سباسب قفراء
كم من مناهل للفرات وردنهاوصدرن وهي لعودهن ظماء
لا تعجبن إن لم يفين بموعدإن الغواني ما لهن وفاء
سكان تلك الأرض كلهم لهمعندي هوى وصداقة واخاء
أن يسلبوا عني السرور ببينهمفلمهجتي بحديثهم سراء
فهم مناط مسآءتي ومسرتيوهم لقلبي شدة ورخاء
أكبادنا نار الغضا من بعدهمتذكي الأسى وجفوننا أنواء
الظاعنون القاطنون قلوبناهم واصلين وقاطعين سواء
وإذا المحبة في الصدور تمكنتفقد استوى الابعاد والادناء
القتني الأيام من أرض إلىأرض لها أرض العراق سماء
شتان ما بيني وبين مزارهمهيهات أين الهند والزوراء
كيف احتيالي في الوصول إليهمإن الوصول إليهم لرجاء
لا تركبهن ظهر الرجاء مطيةإن الرجاء مطية عرجاء
وكواذب الآمال لا تهدى بهادعها فتلك هدية عمياء
يا ساكني دار السلام عليكممني السلام ورحمة ودعاء
أين العزاء وأهله وضجيعهروحي له ولما حواه فداء

ومن مديحها

الأحمد المحمود كل فعالهما شاءه وقضى به فقضاء
ما للعقول وفوق ساحة وصفهقد ضلت الافهام والآراء
فله يد وله أنامل فعلهاالانعام والاحسان والاعطاء
لا كالبحار تظل تجمع ماءهابل كالجبال يسيل عنها الماء
دار المعاني والبحار كليهمايوم العطاء لدى يديه هباء
خلق الأنام لقهره ونوالهفهو الذي نشأت له الأشياء
فلسيبه وعطائه بسؤالهولسبيه ولسيفه الأعداء
شرك الأفاضل في خصائص فضلهموله خصائص دونها الاحصاء
إن لم أخص مشاعري بمديحهلا القلب ينفعني ولا الأعضاء
إن لم تسعه منازلي ومعاهديفمحله بين الضلوع فضاء
مال الخلائق حيث مال كأنهشمس السما وكأنهم حرباء
عادت عصافيراً بذات زمانهوتصاغرت لجلاله الكبراء

ومنه

أنت العليّ ومن سواك أسافلأنت الامام وما وراك وراء
فعليك القاء الكلام على النهىوعلى العقول السمع والاصغاء
مروانه واملك واعط وامنح إذعلى الأيام إلا الطوع والامضاء
قم هم وافتح وامض واعزم وانتصرفعلى الزمان لحكمك الاجراء
يا أيها الشهم المومل بايهيا من له الأحكام كيف يشاء
كنا نضاء بكل ضوءٍ فاختفتلما بدوت لضوءك الأضواء
حسبي سموا إن تكن بي عارفاًما ضر أن ينكرني الضعفاء
الكل أنت فإن علمت طويتيلا ضير إن جهلتني الاجزاء
لا غرو إن لم تفصح الأيام بيالدهر ابن عطا وغني راء
وبذا جرى طبع الزمان وأهلهدفن الكمال وأهله أحياء
لك في مجاري الروح ودّ كامنمنه انبرى ذا القدح والابراء
هب لي قصوري واغفرن ذنبي فماأنا منه في هذا الهذاء براء
ما الجود مخصوص ببذل المقتنىبل منه عندي العفو والاغضاء
هذا مديح من خلوص عقيدةمعلومة وتحية وثناءٌ

تنبيه أشار بقوله الدهر ابن عطاء وإني راء إلى واصل ابن عطا المعتزلي وذلك أنه كان الثغ قبيح اللثغة في الراء فان يخلص كلامه منها ولا يفطن بذلك حتى ضرب به المثل واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً فمنه قول أبي محمد الخازن من قصيدة مدح بها الصاحب بن عباد وهي قوله.

نعم تجنب لا يوم العطاء كماتجنب ابن عطاء لثغة الراء

وقال آخر محبوب يلثغ بالراء

أعد لثغة لوان واصل حاضرليسمعها ما أسقط الراء واصل

وقال آخر

أجعلت وصل الراء لم تنطق بهوقطعتني حتى كأني واصل

رجع وقال أيضاً يمدح الوالد وهي من غرر القصايد

اليلة قدر أم ليالي الرغائبليال قطعناها بوصل الحبايب
ليال تجلت بالوجوه وزينتبها لا بأقمار ولا بكواكب
وما اسمن الأنظار والقلب وامقإذا كان مرعاها خدود الكواعب
رأيت وما آنست نوراً كوجههاوطفت بقاع الأرض من كل جانب
إذا خفيت لاحت وأخفت إذا بداسنا وجهها مثل النجوم الثواقب
تعرضتها شاكي السلاح أخاف منصوارم لحظ أو سهام صوايب
لئن أخطأت بعض القلوب سهامهافما كل ما يرمى السقيم بصائب
لرويتها كلي عيونٌ وكلهابهاءٌ وحسن لم يزين بجالب
وما جثأت نفسي لدى الصد والنوىويعرف قدر المرء عند النوايب
ولا أتحاشى الموت إن كان مقتليبسهم لحاظ من قسيّ الحواجب
وكيف يخاف الموت من كان هلكهباشباه اطراف القنا والقواضب
مسافة بين الخافقين يذكرهالا قرب مما بين عين وحاجب
فل أدر إذ طال السرى بحديثهامشيت برجلي أم مشت بي ركائبي
اراقت دمي أم لم ترقه فإننيوإن أتلفتني لست عنها براغب
لكثرة ضربي باليدين قد أنمحتلها أسفاً يوم الوداع رواجبي
رجعنا وما أبصارنا برواجعوابنا وما ألبابنا بأوائب
تراني يا سلم ابن ود لصاحبوصاحبة يستعذبان مشاربي
فلا أستقي إلا بحبل مساجليولا أرتوي إلا بكاس مصاحبي
وما خفت شخصاً اتقاء لشرهولكن لأن يلقاه شر بجانبي
وما بخلت نفسي ولا ضاقت ساعةبلين لسلم أبو بحزن لحارب
أجيب المنادي سائلاً أو مسايلاًوأعراض عمّن لا أراه مجاوبي
فمن يرتضى قربي قليلاً وصلتهولست لمن لم يهوه بمقارب
وتلك سجايا ليس يعرفها الورىسوى سيد السادات من آل غالب
نظام الورى ديناً ودنيا وحشمةوعلماً وراياً مرغباً للنواصب
مناقبه بين المناقب مثلةومث اسمه فخر الكنى والمناقب
تزاحمت الآمال طرّاً ببابهفي الناس إلا بين جاء وذاهب
لديه تمنى كل باد وحاضرإليه قصارى كل سار وسارب
مصائبنا من قربه في مصيبةفنحن بلقياه مصاب المصايب
مواهب رب العالمين كثيرةوأنت لنا منها أجل المواهب
بك اعتلت العلياء لا أنت بالعلىوما أنت إلا رافع للمناصب
فأنت الذي تكسى وتكسب منحةوما الخلق إلا بين كاس وكاسب
بغير حساب ما تنيل ومنةفلست بمنّان ولا بمحاسب
وأنت الذي عمت جوائزه الورىفما لك للاخّاذ إلا لغاصب
وأنت الذي حاز المحاسن كلهاوجمع وجوه الحسن ليس بواجب
أيا دهر اعط القوس باريها اذنوراع على هذا صلاح العواقب
امام لدي الهيجا امام لدي الحجىمشير مجيرٌ هازم للكتائب
مصيب بضرب السيف والطعن بالقناقويّ قدير عارف بالمضارب
شجاع كميٌّ لوذعي غشمشميد السيف ظهر الرمح قلب المواكب
يدٌ لو رآها البحر أصبح ناضباًظلمت متى شبهتها بالهواضب
بصير بأعماق الأمور مجربكان جرّب الدنيا بكل التجارب
أتيتك مهتوفاً بروحي كما أتىنبي الهدى سلما سواد ابن قارب
وفقري إليك الدهر أغنى من الغنىوذلك فقر لست عنه بهارب
فلا أشتفي إلا بمدحك أن أفزبلفظ غريب أو بمعنى مناسب
ولم اشتغل إلا بذكرك أن أجدلساناً فصيحاً ناطقاً بالمطالب
فهذا مديح من خلوص عقيدةواخلاص ودّ لم يشب بشوائب
لزمت ذمامي إن قبلت وذمتيوإلا فقد ألقيت حبلي بغاربي
فلا زلت في الدنيا أماناً لخائفوغوثاً لملهوف وكهفاً لهارب
وبابك للاجين مأوى ومؤلوجودك مبذول لعاف وطاب

يشير بقوله. أتيتك مهتوفاً بروعي كما أتى. نبي الهدى سلماً سواد بن قارب. إلى اتيان سواد بن قارب. إلى النبي ﷺ مسلماً لما أتاه ريبة بظهوره ﵇ والخبر ما رواه أصحاب السير من حديث محمد بن كعب القرطبي قال بينما عمر ابن الخطاب ﵁ جالساً إذ مر به رجل فقيل يا أمير المؤمنين هذا سواد بن قارب الذي أتاه ريبة بظهور النبي ﷺ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه أنت سواد بن قارب قال نعم قال أنت على ما أنت عليه من الكهانة فغضب فقال عمر ﵁ سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه فأخبرني باتيانك ريبك بظهور النبي ﷺ فقال بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل انه قد بعث وسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشا بقوله

عجبت للجن وتطلابهاوشدها العيس باقتابها
تهوى إلى مكة تبغي الهدىما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشمليس قداماها كأذنابها

قلت دعني أنام فإني لست ناعياً فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت نعقل أنه قد بعث رسول من لؤي ابن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشا يقول

عجبت للجن وتخبارهاوشدها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغي الهدىما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشمبين روابيها وأحجارها

قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعساً فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول

عجبت للجن وتحساسهاوشدها العيش بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدىما خيّر الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشموانظر بعينيك إلى رأسها

قال فرحلت ناقتي وأتيت المدينة فإذا رسول الله ﵌ وأصحابه حوله فأنشأت أقول

أتاني نجيّ بين هدو ورقدةولم أك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلةأتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الأنوار ووسطتبي الذعلب الوجناء بين السباسب
فاشهد أن الله لا رب غيرهوأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدني المرسلين وسيلةمن الله يا ابن الآمنين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشىوإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةبمغن فتيلاً عن سواد بن قارب

قال ففرح رسول الله ﵌ وأصحابه فرحاً شديداً فقام إليه عمر رضي الله تعالى عنه فالتزمه وقبل بين عينيه وقال كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك ريبك اليوم قال أما منذ قرأت القرآن فلا أنتهي. قال مؤلف الكتاب عفا الله عنه أعيان العجم وأفاضلهم الذين هم من أهل هذه المائة كثيرون العدد. متوفرون المدد. غير أن أكثرهم لم يتعاط نظم الشعر العربي اهتماماً بما هو أهم منه ولعل لهم ترسلاً وانشا بالعربية ولكني لم أقف عليه فلهذا لم اذكر منهم إلا من ذكرت فمن أعظم فضلائهم. وأكبر نبلائهم. الذين لم أترجم لهم في هذا الكتاب للعذر المذكور جدي الأمير محمد معصوم بن إبراهيم بن سلام الله ابن عماد الدين مسعود بن صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الحسيني كان يلقب سلطان الحكماء وسيد العلماء توفى ﵀ عام خمس عشرة وألف وله مصنفات جليلة منها اثبات الواجب وهو ثلاث نسخ كبير وصغير ووسط وغير ذلك ومنهم أخوه الأمير نصير الدين حسين المتوفى سنة ثلاث وعشرين وألف وكانا يشبهان بالشريفين المرتضى والرضى ﵄ ومنهم السيد تقي الدين محمد النسابه المتوفى سنة تسع عشرة وألف والمولى عبد الله بن الحسين التردي استاذ الشيخ بهاء الدين محمد المقام المذكر كان علامة زمانه من غير نزاع ولم يدانه أحد في جلالة القدر وعلو المنزلة وكثرة الورع وله مؤلفات مفيدة كشرح القواعد في الفقه وشرح العجالة والتهذيب في المنطق وغير ذلك ومنهم ابنه المولى حسن علي خلفه الصالح. وقدوة كل فالح. توفى سنة تسع وستين وألف رحمه الله تعالى ومنهم الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاسترابادي صاحب كتب الثلاث رجال المشهورة نزيل مكة المشرفة توفى بها لثلاث عشرة خلون من ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وألف وله شرح آيات الأحكام ورسائل مفيدة رحمه الله تعالى ومنهم صهره المولى محمد أمين الجرجاني صاحب الفوائد المدنية جاور بمكة المشرفة وتوفى بها سنة ست وثلاثين وألف رحمه الله تعالى ومنهم السيد حسين الشهير بخليفة سلطان صهر سلطان العجم توفى سنة ست وستين وألف ومنهم المولى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بالملا صدر كان أعلم أهل زمانه بالحكمة متفنناً بسائر الفنون له تصانيف كثيرة عظيمة الشان في الحكمة وغيرها منها شرح الكافي في مجلدين توفى بالبصرة وهو متوجه للحج في العشر الخامس من هذه المائة رحمه الله تعالى ومنهم المولى العلامة محمد بن المرتضى الشهير بملا محسن القاشاني له كتب ومصنفات جليلة في الفقه والحديث والكلام والحكمة وهو من أهل العصر الموجودين الآن ومنهم الملا خليل بن غازي القزويني وهو من أهل العصر أيضاً له شرحان على الكافي عربي وفارسي وشرح العدة في أصول الفقه ومؤلفات أخر ومنهم الميرزا رفيع الدين الشهير بالميرزا رفيعاً كان أفضل أهل عصره توفى سنة ثمانين وألف رحمه الله تعالى وله تعليقة جليلة على الكافي وغيرها من المصنفات ومنهم الميرزا محمد هادي بن معين الدين محمد وزير فارس ابن غياث الدين الشيرازي كان فاضلاً متفنناً آية في الذكاء والأدب والمحاضرة توفى سنة إحدى وثمانين وألف رحمه الله تعالى ومنهم الأمير محمد زمان بن محمد جعفر الرضوي المشهدي كان من عظماء عصره توفى سنة إحدى وأربعين وألف ومنهم الاغا حسين الخسناري علامة هذا العصر الذي عليه المدار. وآماله الذي تخضع لمقداره الأقدار ومنهم المولى محمد باقر الخراساني أحد المجتهدين. في علوم الدين. وغيرها من فنون العلوم. وأصناف المنطوق والمفهوم. ورد مكة المشرفة عام ثلاث وستين وجاوريها سنة فتشرفت برؤيته ولم يتفق لي الأخذ عنه إلا أني حضرت مجلسه ومباحثه مراراً ثم عاد إلى العجم وهو الآن بها وخلائق آخرون بعدت عنا أرضهم وسماؤهم. فلم يبلغنا إلا أسماؤهم. هم تجوم الأرض. وشموس السنة والفرض. يعترف لسان القلم عن حصرهم بالحصر والوجوم. ومتى حصرت نجوم السماء حصرت هذه النجوم. والله أعلم.

الفصل الثاني

محاسن أهل البحرين والعراق

السيد أبو علي ماجد بن هاشم

. بمن يرجع إليه الفرع والأصل. وأقدمه لنسبه الذي به تقدم. وإن كان مدح فالنسيب المقدم. هو أكبر من أن يفي بوصفه قول. وأعظم من أن يقاس بفضله طول. نسب يؤول إلى النبي. وحسب يذل له الأبي. وشرف ينطح النجوم. وكرم يفضح الغيث السجوم. وعز يقلقل الأجيال. وعزم يروع الأشبال. وعلم يخجل البخار. وخلق يفوق نسائم الأسحار. إلى ذات مقدسه. ونفس على التقوى مؤسسه. واخبات ووقار. وعفاف يرجع من التقى بأوقار. به أحيا الله الفضل بعد اندراسه. ورد غريبه إلى مسقط راسه. فجمع شمله بعد الشتات. ووصل حبله بعد البتات. شفع شرف العلم بظرف الأدب. وبعدر إلى احراز الكمال وانتدب. فملك للبيان عياناً. وهصر من فنونه أفناناً. فنظمه منظوم العقود. ونثره منثور الروض المعهود. ومما يسطر من مناقبه الفاخره. الشاهدة بفضله في الدنيا والآخره. أنه ﵀ كان قد أصابته في صغره عين. ذهبت من حواسه الشريفة بعين. فرأى ولده النبي ﵌ في منامه فقال له أن أخذ بصره فقد أعطى بصيرته ولقد صدق وبر صلى مه عليه وآله وسلم فإنه نشا بالبحرين فكان لها ثالثاً. وأصبح للفضل والعلم جارثاً ووارثاً. وولي بها القضاء. فشرف الحكم والامضاء. ثم انتقل منها إلى شيراز. فطالت به على العراق والحجاز. وتقلد بها الامامة والخطابه. ونشر حبر فضائله المستطابه. فتاهت به المنابر. وباهت به الأكابر. وفاهت بفضله السن الأقلام وأفواه المحابر. ولم يزل بها حتى أتاه اليقين. وانتقل إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. فتوفى سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى وهذا محل نبذة من شعره. ونفثة من بيان سحره. ولا أراني أثبت منه غير اللؤلؤ البحراني وأخبرني بعض الأصحاب أنه كان أنشأ في يوم جمعة خطبة أبدعها. وأودعها من نفائس البراعة ما أودعها. فلما ارتقى ذروة المنبر. أنسي ما كان أنشأ وحبر.

فاستأنف لوقته خطبة أخرىوختمها بهذه الأبيات التي كست فنون

القريض فخراً وهي قوله

ناشدتك الله إلا ما نظرت إلىصنيع ما ابتدا الباري وما ابتدعا
تجد صفيح سماء من زمردةخضراء فيها فريد الدر قد رصعا
ترى الدراري بذاتين الجناح فمايجدن غب السرى عيا ولا ضلعا
والأرض طاشت ولم تسكن فوقّرهابالراسيات التي من فوقها وضعا
فقرّ طائشها من بعد ما امتنعاوانحط شامخها من بعد ما ارتفعا
وأرسل الغاديات المعصرات لهافقهقهت ملاء ثم اكتست خلعا
هذا ونفسك لو أمّ الخبير لهالأرتد عنها كليل الطرف وارتدعا
وليس في العالم العلويّ من أثريحير اللب إلا فيك قد جمعا

وهذه الأبيات لو كانت عن روية لا فحمت مصافع الرجال فكيف وهي عن بديهة وارتجال. وقال يحن إلى الغد ووطنه. حنين النجيب إلى عطنه.

يا ساكني جدّ خفض لا تخطفكمربب المنون ولا نالتكم المحن
ولا عدا زاهرات الخصب واديكمولا أغب ثراه العارض الهتن
ما الدار عندي ولو ألفيتها سكناًيرضاه قلبي لولا الألف والسكن
مالي بكل بلاد جئتها سكنولي بكل بلاد جئتها وطن
الدهر شاطر ما بيني وبينكمظلماً فكان لكم روح ولي بدن
مالي ومالك يا ورقاء لا انعطفتبك الغصون ولا استعلى بك الفنن
مثير شجوك اطراب صدحت بهاومصدر النوح منى الهم والحزن
وجيرتي لا أراهم تحت مقدرتييوماً والفك تحت الكشح محتضن
هذا وكم لك من أشياء فزت بهاعني والزمنا في عولة قرن

وقال أيضاً متغزلاً

قالت ترحلت عنا قلت طيفكمعندي وقلبي لديكم غير منساق
ما فرق الدهر بين اثنين قد علقتيمين كل من الثاني بميثاق
لله وقفة توديع شددت بهابرمة من حبال الوصل أخلاقي
جزت بها حدق الحسنا من حدقيرمزاً واطراقاً باطراق
لا ضم صدر إلى صدر يبل صداقلب ولا لي أيد فوق أعناقي
ثم انصرفت وقلبي ثم أكثرهوقد تشبث قح الحب في الباقي
كأنما لعبت أيدي السقاة بهإلا عقابيل لم يذهب بها الساقي
تقطعت منك أسباب الوصال سوىطيف على عدواء الدار طراق

وقال أيضاً وهي من غررا لقصائد

طلعت عليك المنذرات البيضوابيض منك الفاحم الممحوض
صرحن عندك بالنذارة بعدمالم يفنها الايماء والتعريض
ست مضين وأربعون نصحن ليولمثلهن على التقى تحضيض
وافى المشيب مطالباً بحقوقهوعليّ من قبل الشباب قروض
أيقوم أقوام بمسنون الصبيمستوفراً ويفوتني المفروض
لا حق هذا قد نهضت به ولاأنا بالذي يبغي المشيب نهوض
إن الشياب هو المطار إلى الصبيفإذا رماه الشيب فهو مهيض
بادرته خلف الصبي إذ لاح ليبممارق الغورين منه وميض
فنشا وحاز السبق أذانا قارحجذع بمستن العذار ركوض
وأسود في نظر الكواعب منظريإذ سودته النائبات البيض
والليل محبوب لكل ضجيعةتهوي عناقك والصباح بغيض
عريت رواحل صبوتي من بعد ماأعيا المناخ بهن والتقريض
قد كنت أجمح في العنان فساسنيوال يذلل مصعبي ويروض
عبث الربيع بلمتيّ وعاث فيتلك المحاسن كلهن مقيض

هذا فما غفل عنه السيد ﵀ فإن المقيظ المشاله لا بالضاد ففي القافية أكفا وإن قصد ذلك على رأي من عده من الجناس اللفظي ولو كان في القوافي فلا يعد أكفاء ومنه قول أبي حجه

قد حرت من شوقي إليكمفكيف أطق مكنة بأرض
وحيث لم أحظ بالتلاقيفغايتي أن ألوم حظى

عاد شعر السيد رحمه الله تعالى

يا علو إن قصر الشباب فإنماحظى طويل في هواك عريض
جهلاً حسبت بأن عهدك بعدمانقض الشباب عهوده منقوض
نصل السواد ضيع حبك في الحشاكالشيب ليس لصبغه تعويض
ما دام طرفك لا يصح فإنماقلبي على الحدق المراض مريض

وقال متغزلاً

حسناء سأت صنيعاً في مثيمهايا ليتها شفعت حسناً باحسان
دنت إلينا وما أدنت مودتهافما انتفاع امرء بالباخل الداني

وقال

وقد سمع مليحاً يقرأ على القبور ويتلو القران بنغم الزبور
وقار لآي الذكر قد وقفت بناتلاوته بين الضلالة والرشد
بلفظ يسوق الزاهدين إلى الخناومعنى يسوق العاشقين إلى هند

وقال وأجاد في الجناس ما شاء

وذي هيف ما الورد يوماً ببالغمدا وجنتيه في احمرار ولا نشر
برئنا من العلياء أن سيم وصلهعلينا بما فوق النقوس ولا نشري

وقال على هذا النمط

وأحوى أطار القلب مني وما انطوىعليه جناحا مضرجيّ ولا نسر
عققتا العلى إن سامنا دلج السرىإليه إلى أحقاف قاف ولا نسري

وقال أيضاً

يعز جناب الظبي إن قسته بهوما هو منه في سكون ولا نفر
فرتنا ظبا الاعدا أن قال قائلفروا كل جيب في هواه ولا يعرى

ولمؤلفه ﵀ وعفى عنه على هذا المنوال

وأهيف قد قد القلوب بلحظهوما هو عن حدّ سنان ولا نصل
صلتنا لظى الهيجاء إن سامنا هوىعلى حبه صلى النفوس ولا نصلي
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وأهيف قد قد القلوب بقده»

ولمؤلفه أيضاً

ومزرٍ بضوء الشمس لم تر وجههولا ما تلته في علو ولا نبل
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «ومزر بضوء الشمس لم تر وجهه»
بلينا جوى إن رام منا تذللاًمن الحب ابلاء النفوس ولا نبلي

وقال السيد المذكور يرثي خاله السيد جعفر بن عبد الرؤوف

حلت عليك معاقد الانداءونحت ثراك قوافل الأنواء
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «حُلَّتْ عَليكَ مَعَاقدُ الأَنْدَاءِ»
وسرت على أكناف قبرك نسمةبلت حواشيها يد الأنداء
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «حُلَّتْ عَليكَ مَعَاقدُ الأَنْدَاءِ»

منها

هتفت أياديك الجسام بأعينيقسمحن بالبيضاء والحمراء
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «حُلَّتْ عَليكَ مَعَاقدُ الأَنْدَاءِ»
أنى يجازي شكر نعمتك التيجللتنيها قطرة من ماء
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «حُلَّتْ عَليكَ مَعَاقدُ الأَنْدَاءِ»

منها

بادرة سمحت بها الدنيا علىيأس من الاحسان والاعطاء
واسترجعتها بعد ما سمحت بهابخلا كذلك شيمة البخلاء

منها

فلئن قصرت من الاقامة عندناحتى كأنك لمحة الايماء
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «حُلَّتْ عَليكَ مَعَاقدُ الأَنْدَاءِ»
فلقد أقمت بنا قريباً بالعلىوكذا تكون إقامة الغرباء

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.