تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

أبو العباس أحمد المنصور بالله بن أبي عبد الله المهدي القاسم بأمر الله الشريف الحسني سلطان المغرب

وابن سلطانه

ملك تفزع منه جرثومة الملك والنبوة. وتدرع جلباب الشرف والمجد والفتوة. فطلع من المغرب بدر على مشرقاً. وراج لعداته بماء حسامه مغصاً مشرقاً. فهو كما قلت فيه. لما بلغني من احتفاله بالفضل وتحفيه.

بدر على مشرقه المغربومبدع في مجده مغرب
له مزايا لا تناهي ولايعرب عن تبيانها المعرب

إلى همة تزاحم الكواكب بالمناكب. وعزمة تغادر جواسق الأعدا كبيوت العناكب. اقتدار لو شاء لامتطى للفلك سناما. وانتضى من لامع البرق حساماً. أو أراد لنصل المريخ لقناته سناناً. وثنى لجموح الدهر بعزماته عناناً. أو أحب لأورد نهر المجرة خيله. وسحب على همم الأفلاك ردنه وذيله. وجاز الجوزاء سمواً. وعبر الشعري العبور علواً. وكرم لو ساجلته البحار لفاضت غيظاً. أو استمدته الثماد لفاضت فيضاً. وأدب أمضى به قلمه كإمضائه حسامه. ومن رأى براعته وشجاعته. قال سبحان من علم باقلم اسامه. فهو متى كتب وخط. فاخرت يراع الخط رماح الخط. على أن لكليهما الحظ منسوب. وفضله باعترافه إلى يمناه محسوب. ويعود الكلام. في نزاع السيوف والأقلام. فغن كلاً منهما يقصم بابر يمنه. إنه الحائز الفخر بمقر يمينه. وإذا رمنا تحقيق الحق لها وإثباته. أحلنا الحكم على رسالة ابن نباته. فهذا قول من الافتنان في المقال. واطلاق للسان القلم من عقال. وماذا أقول في ملك كسر بصيته الأكاسر. وقصر القياصر.

وإن قميصاً خيط من نسج تسعةوعشرين حرفاً عن معاليه قاصر
للشاعر محمد جواد عواد البغدادي، اقرأ القصيدة

ولم يزل على سرير الملك سامياً. وغيث نواله على عفاته هامياً. لا يرفع قصر المجد إلا بدعايم الرماح. ولا يسقي رياض الفخر إلا بغمايم الشماح. وليس لبيضه إغماد سوى الطلى. ولا لسمره مراكز غير الكلي. تسعد به الأصحاب والشيع. وتشقى به الروم والصلبان والبيع. لا يدانيه في سمو قدره مدان. حتى أنزل عنه منزل سيف بن ذي يزن من رأسه عمدان. فدجت بعد اشراقها مغاربة. وفلت بعد امضائها مضاربة فبكت عليه ممالكه وجنوده. وخفقت قلوب أوليائه كما كانت تخفق بنوده. وهذه غاية كل ملك ومملوك. ونهاية كل غني وصعلوك. وهذا حين أثبت من فرائد لياليه. ما يعذب لك حلوه ويروقك حاليه فمن ذلك قوله وأجاد

تبدى وزند الشوق تقتدح النوىفتوقد أنفاسي لظاه وتضرم
وهش لتوديعي فأعرضت مشفقاًفلي كبد حري وقلب يقسم
ولولا ثواه بالحشا لأهنتهاولكنها تعزى إليه فتكرم
فاعجب لأساد الشرى كيف أحجمتعلى أنه ظبي الكناس ويقدم

وقال مورياً.

إن يوماً لناظري قد تبدافتملى من حسنه تكحيلا

قال

جفني لضؤه لا تلاقٍإن بيني وبين لقياك ميلاً

وقال في وردة مقلوبة بين يدي محبوبة وهي من أوليات شعره

ووردة شفعت لي عند مرتهنيوافت وقد سجدت للفاتر الحدق
كأن خضرتها من فوق حمرتهاخال على خده من عنبر عبق

وقال أيضاً.

شادن نم عليه عرفهمن خلاصي من سهام كامنه
احلال منه أني خايفوغزالي بعد خوفي أمنه

وقال في ابن حديد المعتزلي شارح نهج البلاغة والفلك الدائر على المثل السائر

لقد أتى صارماً صقيلاًولم يرث ذاك من بعيد
شديد بأس منى بعاديوشدة البأس للحديد

وقصد بذلك الرد على من قال فيه

لقد أتى بارداً ثقيلاًولم يرث ذاك من بعيد
فهو كما قد علمت شيءٌأشهر ما كان في الحديد

ومن نظمه أيضاً قوله مورياً

لله تمر طيبواف على البشر انطوى
يا حسنه مجتمعاًيحلو لنا بلا نوى

ومن بديع التورية بالنوي قول أبي الحسين الجزار وقد أتى مودعاً الصاحب كمال الدين بن أبي جراده عند قصده الرحيل من مصر فاتفق ان صاحب مصر أرسل إلى ابن أبي جراده شيئاً من التمر الذي يؤتى به من أعلى صعيد مصر في المركب المبشر بزيادة النيل على وجه البركة فأمر ابن أبي جرادة أن يقدم ذلك التمر للحاضرين فأكلوا فقال الجزار ارتجالاً

أطعمتنا التمر الذيللبركات قد حوى
لله ما أطيبهلو لم يشبه بالنوى

ومن التورية به قول الشيخ جمال الدين بن نباته أيضاً

عجباً لمثلي ما علىنايء الحبيب له قوى
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «نقل الضنا عن مهجتي»
يقوى لنيل الراشقينوليس يقوى للنوى

أخذه الصلاح الصفدي على جاري عادته فقال

تنآءى الذي أهوت فمت صبابةفقال عجيب كل أمرك في الهوى
صبرت للحظي إذ رمتك سهامهولم تتصبر إذ رميتك بالنوى

عاد شعر الملك المنصور فمن قوله مورياً بمصانعه الثلاثة البديع والمسرة والمشتهى بستان حسنك أينعت زهراته. ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى

وقوام غصنك بالمسرة ينثنىيا حسن مايسه البديع المشتهى

وقوله أيضاً

طرقت حماه والأسواد حوادربه فتولى في الظبا وهو يبعد
فعلمت أساد الشري كيف أقدمتوعلم غزلان النقى كيف تشرد

وهو من قول أبي الثنا شهاب الدين محمود

تثنى وأغصان الأراك نواضرفحنّت وأسراب من الطير عكف
للشاعر الشهاب (محمود بن سلمان)، اقرأ القصيدة
فعلم بانات النقى كيف تنثنيوعلمت ورقاء الحمى كيف تهتف

وأخذه الصلاح الصفدي فقال

لم أنسه في روضةوالطير يصدح فوق غصن
فاعلم الورق البكاويعلم البان التثني

قال الشيخ أحمد المقري في عرف الطيب وأطنب الكلام على ترجمة مولانا الملك المنصور المذكور صاحبنا الوزير الكبير الشهير سيدي عبد العزيز ابن محمد الفشتالي في كتابه المسمى بمناهل الصفا. في فضايل الشرفا. وعهدي به أكمل منه ثمان مجلدات وهو مقصور على دولة مولانا السلطان المذكور وذويه وألف كاتب أسراره الرئيس أبو عبد الله محمد بن عيسى فيه كتاباً سماه الممدود والمقصور في سنا الملك المنصور. وهذه التسمية وحدها مطربة انتهى. قلت قد لا ينتهي كل أحد إلى وجه الحسن في هذه وبيانه أن السناء بالمد الرفعة والعلو وبالقصر الضوء والنور فكان هذا الكتاب مصنفاً لذكر رفعة السلطان وضوئه وهي تسمية ما على حسنها تعمية والله أعلم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.