من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
البغيديدي
الشاعر الجمال البغيديدي حسين بن أحمد.
لم أجد ذكره في تاريخ وإنما أخذت ترجمته من الحافظ أبي المحاسن الدمشقي ومن أدباء العراق: هو من بغيديد، قرية من قرى الحلة المشهورة بالعراق. وأول ما عرفت من أمره أني أول ما سافرت إلى بغداد بت ليلة على شاطئ دجلة في بستان، فسمعت في هدوء الليل يغنيان بهذه الأبيات في أحسن صوت وأبدع لحن:
بين العقيق وحاجرأفنيت ماء محاجري
كم لي بذاك المنحنىمن طيب عيش ناضر
أيام أرتع للصبافي كل روض زاهر
وأورد كل غضارةللعيش غير محاذر
أحباب قلبي غبتموسكنتم في خاطري
وجفوتم وخيالكممن رحمة لي زائري
أنسيتم عهد المشوق المستهام الذاكر
وزهدتم وغفلتمعن ذي غرامٍ ساهر
كونوا كما شئتم ففيكم قد فضحت سرائري
وعليكم اقتصرت أوائل صبوتي وأوامري
لا وحش الله الحمىمن كل ظبيٍ نافر
ومن الغصون المائسات وكل بدرٍ سافر
ومن النسيم معطراًومن الغمام الباكر
فما فرغا من هذه المقطوعة إلا وقد كدت أخرج عن الوجود طرباً، وبقيت وقد سر بها خاطري. ثم جعلت أبحث عن قائلها، فأخبرت أنها للجمال البغيديدي. وهو صاحب مقطعات في الغرام والمجون
والهجاء وأكثر مسلكه في طريقة منصور الفقيه. إذا رمى بزوجه قتل، كقوله في شخص ثقيل، كان يزور بثقيلٍ آخر يقلب بالسراج:
يا كفى الناس ما بينهم منك حتىصرت تغشاهم ومعك السراج
فإذا زرت لا تزر بجنيبٍلا يكون الطاعون والحجاج
وقوله في شخص نازلٍ يكثر من التيه، ولا يتكلم أحد في أدب أو علم إلا قطع حكايته وجعل يحكي:
يا تائهاً يا جاهلاً يا قاطعاًكل مقال جاء من قائل
لا يبصر الناس على كل ذامن ذي علاءٍ كيف من نازل
وقال في شخص رفعه الزمان بالاشتغال في بعض الأعمال السلطانية، وكان يطعن في نسبه باليهودية:
يا ناظراً في عطفه معجباًيبخل أن يبدأنا بالسلام
والله لو أصبحت من هاشمٍمن معشرٍ سادوا الورى في نظام
ما فيهم بعد أبي جعفرإلا إمام وارث بغى إمام
لم نحتمل منك الذي جئتهمن صلفٍ يزري بعقل الكرام
فكيف والسبت غدا عيدكمعذركم أمسى علينا حرام
وأنشدت له في طريقة المجون:
رأيت إذا زيدٌ على ظهر أمردفقلت له ماذا الذي أنت تفعل
فقال صغيرٌ ليس يعلم صنعةًأعلمه والأجر لي كيف يدخل
وقوله:
جاء على بغلة يعظمه الناس وقالوا فتىً وأي فتى
فقلت من ذا؟ فقيل لي رجلٌيلوط لكن يبوس ملتفتا
ومن محاسن نوادره: قوله يخاطب أحد وزراء بغداد:
قل للوزير أدام الله دولتهيا أعدل الناس حالي كيف تلتبس
إن الغلام وبرذوني قد اتفقامن فرط جوعهما ما فيهما نفس
وإن تصرم هذا اليوم بي فغداًيمشي الغلام ولا يمشي بي الفرس
وذكر أنه مات في سنة أربع وستمائة.
ثم تذاكرت مع الحافظ أبي المحاسن الدمشقي بعد ذلك في شأنه فأخبرني أنه عمر، ولنتقل عن المجون والاستهتار إلى طريقة الفقراء، ولزم الزوايا والربط، وقال:
أرعشت كفه على الكأس حيناًثم قد أرعشت على القنديل
ومحا من صحائف اللهو ما أثبته في صحائف التنزيل
وتذاكرت مع العز الغنوي فيه، فأخبر أنه ذكره في كتابه في "من لقيه من الشعراء" فروى عنه، وأنشدني عنه أبياته التي خاطب بها الوزير، وقد تقدمت، وقوله:
هو مثل السلطان في بلد النيل وهذا عجزٌ من السلطان
قيل عنه إنسان سوءٍ فما عاينت إلا مرأى بلا إنسان
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع