من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
الكورائي
الأديب الجليس أبو العباس أحمد بن عبد السلام الكورائي وقفت على ترجمته في"تاريخ ابن عمر" و"تاريخ ابن نجيل" و"خلاصة الإبريز لابن عبد العزيز"و "معجم والي" و"معجم الشقندي" وتلخيص ذلك أنه من تادلا، عمل مشهور بين مراكش وفاس. وقومه "كوراية" برابر يعيبهم أهل المغرب ويزعمون أنهم يهود. وقد استطرد لهجاء بني المهجوم أعيان فاس وعليتهم في قوله:
يابن السبيل إذا مررت بتادلالا تنزلن على بني غفجوم
قومٌ طووا طنب السماحة بينهملكنهم نشروا لواء اللوم
يا ليتني من غيرهم لو أننيمن أهل فاسٍ من بني الملجوم
وطراه شاعر ببراءة فيها أبيات، فكتب له عليها:
يا من يطرى لمن يطرىأسرفت والله في التعدي
أنا أطري الأنام طراًوأنت تبغي النوال عندي
فلما وقف الشاعر على ذلك زاد بعده:
نسبت للمسلمين ظلماًوكان شيخ اليهود جدي
وهو من شيوخ أدباء المغرب. رزق طول العمر والجاه ومجالسة الخلفاء. فأول من جالسه منهم عبد المؤمن، ثم جالس أبا يعقوب،
ثم جالس المنصور، وصنف له كتاب "صفوة الأدب" المشهور ب "حماسة الكورائي".
ولما احتيج لرجل عامل عارف يجالس ابن منفذ، رسول صلاح الدين بن أيوب الواصل من المشرق، وقع الاختيار عليه، فما أتيح لأحد مجالسته سواه. ثم جلس الناصر، وحضر معه على فتح المهدية، وانصرف في خدمته إلى الحضرة، ومرض الناصر فهنأه بقصيدة أولها:
أطلع الدهر منك بدراً منيراًملأ السبعة الأقاليم نورا
ثم مات سنة ثلاث وستمائة.
وكان يقول في آخر أيامه: تعساً لطول العمر الذي أخرني لمعاشرة هؤلاء الأنذال! وعهدي بالخليفة عبد المؤمن يقول لي في جبل الفتح: يا أبا العباس، إنا نباهي بك أهل الأندلس.
وقال في ابن خيار الجياني الذي سعى بابن عطية وزير عبد المؤمن وبلغ عنده الغاية في الجاه بعد ذلك:
أيابن خيار بلغت المدىوقد يكسف البدر عند التمام
فأين الوزير أبو جعفروأين المقرب عبد السلام
وكان عبد السلام الكومي قد ولي الوزارة بعد أبي جعفر، فلم تمر به الأيام حتى نكب وخنق. فما كان أقصر أمره.
ولما عظم أبو زيد بن يوجان في وزارته أغرى المنصور بالكورائي وقال له: إنه من أهل الشعر والهزل، وما يليق بمجالس الخلافة إلا أهل العلم والجد، فهجر. فلما نكب ابن يوجان هجاه فأكثر. ومما ليس بمقذع من ذلك، قوله:
لقد كنت تحكي في التهجم مالكاًوكانت بك الأحوال تحكي جهنما
فما أعظم البشرى بعودك خاملاًوغيرك قد أضحى النبيه المقدما
وهو أديب المغرب على الإطلاق في زمانه، مع ما له من اعتداد بالنفس والاقتدار في التقصيد. ومن عنوان ذلك قوله من قصيدة يمدح بها المنصور، ويذكر فتح قفصة وانهزام الميورقي:
عدوكم بخطوب الدهر مقصودوأمركم باتصال النصر موعود
وملككم مستمر ما له أمدٌمؤقت دون يوم الحشر محدود
ألقى على كل جبار كلا كلهكأنه وهو في الأحياء مفقود
وهبه عاش أليس الموت أرحم منعيشٍ يخالطه همٌّ وتنكيد
أنحى الزمان على الأغرار واجتهدتفي قطع دابرهم أحداثه السود
ونازعتهم سيوف الهند أنفسهمفلم يفدهم عن الهيجاء تغريد
فهم على الترب صرعى مثله عدداًإن كان يقضي بأن الترب معدود
إذا حمى الأسد الغضبان رابيةًلم يفترس ثعلبٌ فيها ولا سيد
وختمها بقوله:
رضاكم الدين والدنيا وعدلكمظلٌ ظليلٌ على الإسلام ممدود
دمتم حياة بني الدنيا ودام لكمنصرٌ وفتحٌ وتمكينٌ وتأكيد
وله من قصيدة:
عصوا دعوة المهدي وهي سفينةٌفأغرقهم طغيانهم وهو طوفان
ومن غر قصائده قصيدته في "رياح" يستميلهم إلى خدمة الأمير:
أحاطت بغايات العلا والماخرعلى قدم الدنيا هلال بن عامر
وزانوا سماء المجد عودا وبدأةًبسمر القنا والمرهفات البواتر
هم المضريون الذين سيوفهمصواعق بأس تنتحي كل كافر
أوائلهم في الجود والبأس غايةٌوكم تركوا من غايةٍ للأواخر
وكم فيهم من مثل كعب وهاشمٍوكم لهم من مثل عمروٍ وعامر
وكم قد أقاموا من عروش مواثلٍوكم قد أقالوا من جدودٍ عواثر
ومن محاسن صنعته قوله:
جادوا وصالوا وصادوا واحتبوا فهممزن وأسد وأصقار وأجبال
إن سابقوا أو حاربوا غلبواأو يمموا وصلوا أو أمَّلوا نالوا
وقوله:
غزوا فما امتنعوا صالوا فما انتفعواكروا فما دفعوا فروا فما فاتوا
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع