من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
السلمي
القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن [محمد بن عبد الله بن] عمر السلمي القاضي.
وقفت على ترجمته في "تاريخ ابن عمر" و"معجم الشقندي" و"معجم والدي" و"خلاصة الإبريز لمحمد بن عبد العزيز" فلخصت من ذلك: أنه كان فقيها علامة، وفي النظم والأدب أنذر علامة. جل بين قومه بمدينة فاس مقاره، وقضيت بها في الجاه والمال أوطاره؛ إلى أن كان هناك من أهل الفتيا، ثم صار من جلساء أصحاب الأمر وأرباب العليا؛ ثم ترقى إلى الخطابة والقضاء، وصار ذا إبرام وإمضاء.
ومن شهور عنه في قضائه العدل في الأحكام، وقلة النزق عند اختلاف الخصام. وكان في غاية من الظرف، إذا أقبل شمت رائحة الطيب منه
على بعد، وإذا غسلت ثيابه لا يكاد يفارقها. وكان منزله كأنه الجنة، حتى وجد فيه أعداؤه مطعنا، ورفعوا للمنصور أنه غير حافظ للناموس الشرعي بكثرة تغزله واشتهار مقطعاته وانهماكه في العشق. ووافق ذلك أن رمى ابن أخٍ له يده في امرأة وغصبها على الدخول لمنزله، وشهد بذلك عند أبي موسى بن رمانة، حافظ فاس، جماعةٌٌ. فأمر بإحضار المذكور بعد صلاة الصبح وضرب عنقه. وطلع القاضي ليتكلم فيه وقد بلغه أنه متعفف، فقيل له في الطريق: إنه قد فات الأمر. فرجع. وكتب فيه الحافظ وأعلم أن فقهاء فاس أجمعوا على تأخيره عن الإمامة والخطابة وولوا غيره، حتى يصل الإذن العالي إما باستقرار الثابت أو بتعويضه. فوصل الأمر بوصول أبي حفص إلى الحضرة فما جهل مكانه، ولا صغر شانه.
وولاه المنصور قضاء إشبيلية. فشكرت فيها سيرته، وحمدت سيرته. ومات بها وهو قاض في سنة ثلاث وستمائة.
وله موشحات مشهورة يغني بها في الأقطار، منها:
حسانةٌ رخيمةعانقت منها البانه
والنقي الرجراجوأشواقي لحسانه
ومما داخل في "كنوز المعاني" قوله:
هم نظروا لواحظها فهامواوتشرب عقل شاربها المدام
يخاف الناس مقلتها سواهاأيذعر قلب حامله الحسام
سما طرفي إليها وهو باكٍوتحت الشمس ينسكب الغمام
وأذكر قدها فأنوح وجداًعلى الأغصان تنتدب الحمام
وأعقب بينها في الصدر غماًإذا غربت ذكاء أتى الظلام
وقد اشتهر في الغرب والشرق قوله:
لها ردفٌ تعلق من لطيفٍوذاك الردف لي ولها ظلوم
يعذبني إذا فكرت فيهويتبعها إذا رامت تقوم
ومن هذه القصيدة:
أعيذك يا سليمي من سليمٍقتلت فتاهم وهو الزعيم
أمالك طالب بتراب قتلىإذا قتل الغرام فلا غريم
وحضر يوماً معه أبو بكر بن ميمون وأبو العباس الكورائي. فقال الكورائي:
ما زلت أضرب بالقنا المنآدحلق الدروع وأنفس الحساد
ثم قال ابن ميمون:
وحسبت أنى لا أراع لحادثٍحتى بليت بسطوة الأحقاد
فقال أبو حفص:
من لم يبت والبين يصدع قلبهلم يدر كيف تفتُّت الأكباد
ولما قال أبو العباس الكورائي:
نبغت عمرة بنت ابن عمرهذه فاعتبروا إحدى العبر
قل لها عني إذا ما جئتهاقوله تترك صدعاً في الحجر
هبتك كالخنساء في أشعارهاأو كليلي هل تجارين الذكر
قال في جوابه:
نهاني حلمي فما أظلموعز مكاني فما أظلم
ولا بد من حاسدٍ قلبهبنور مآثرنا مظلم
بغانا الحسود ولسنا كمايقول ولكن كما يعلم
وخرج في صباه مع شيخه أبي ذر النحوي فأثرت الشمس في وجهه، وكان وسيماً، فقال الأستاذ:
وسمتك الشمس يا عمروسمةً بالحسن تعتبر
فقال أبو حفص:
علمت قدر الذي صنعتفانثنت صفراء تعتذر
ولما أنشد أبا يعقوب بن عبد المؤمن قصيدته التي أولها:
الله حسبك والتسع الحواميمتحوي بها سبعةً هن الأقاليم
وانتهى منها قوله:
يا سامعين أماديح الإمام ألافاجثوا على ركب الإعظام أو قوموا
قام جميع من في المجلس.
وله قصيدة يمدح بها ابنه المنصور ويهنئه موقعه الأراك بالأندلس:
أطاعتك الذوابل والشفارولبى أمرك الفلك المدار
ببشرى مثل ما أبهجت رياضٌوسعد ما وضح النهار
وفتح مثل ما انفتحت كمامٌوشقت عن صدور مها صدار
وآمال كما مدت ظلالوأفعال كما مدت بحار
وأعلامٌ بنصرك خافقاتٌلها في كل جو مستطار
ليهنئ أرض أندلس بدورٌمن السراء ليس لها سرار
ومنها وصف الروم:
وكم راموا الفرار من الرزاياولكن أين من أجلٍ فرار
تدار عليهم حمر المنايابكأسٍ فيه عقر لا عقار
إذا ما الليث أصبح في محلفما لطريدةٍ فيه قرار
النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع