تجاوز إلى المحتوى

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

أبو ربيع

السيد المتفنن أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن المؤمن. والده أكبر إخوته. وهو الذي حاصر مدينة تونس، وغض منه أخواه أبو يعقوب وأبو حفص، بعد وفاة أبيهم فزعموا أنهما دسا إليه جارية جميلة سمته في خرقة الجماع. وكان حينئذ واليا على بجاية. وولى ابنه هذا الإقليم فأخرجه منه على اليورقي وتنقل في الولايات، كبلنسية وسجلماسة. وحيثما كانت ولايته اجتمع إليه أهل الأدب واشتهر مكانه. فقد كان متميزا في قومه، عالما فيهم بهذا الشأن. وقد اشتهر اختصاره للأغاني. وديوان شعره مجموع بأيدي الناس. ومن الحكايات النبيلة أنه كان بمراكش تحت جفوة من المنصور. فاتفق أن وفد على الحضرة وفد من الشام انتهى إلى ظاهر مراكش،

وعين لهم الدخول في غداة اليوم الثاني فكتب أبو الربيع للمنصور:

يا كعبة الجود التي حجت لهاعرب الشام وغزاها والديلم
طوبى لمن أمسى يلوذ بها غداًويطوف بالبيت العتيق ويحرم
ومن العجائب أن يفوز بنظرةٍمن بالشآم ومن بمكة يحرم

فاستحسن المنصور مقصده وأظهر الرضى عنه، وأمره أن يكون هو الخارج للقائهم والداخل عليه.

وذكره الشقندي في معجمه فأطنب في الثناء عليه، وقال: هو من مفاخري بني عبد المؤمن. وأحله منهم محل ابن المعتز من بني العباس، وابن المعز، من العبيديين، وقال: كان قديرا على النظم، حافظاً للآداب، جواداً يتعلق بأدنى سبب يجب رعيه. وخبرته فوجدته يجود في أكثر الأوقات بما يساعد عليه الزمان.

قال: ولقد قلت له يوماً: يا سيدنا، تكلفون أنفسكم ما لا يساعد عليه الوقت. فضحك وقال: إنا نغالب الزمان فيما نتكلف، ونرجو من فضل الله ألا يغلبنا.

وأذكر أنه شفع له شخص مليح الكلام. فولاه وأحسن إليه. فأتى بالقبائح. فذكر أمره وأنا حاضر. ثم قال فيه:

لا تصنع المعروف إلا لمنرأيته أهلا لشكر الصنيع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
كم من شريف القول قد غرنيبقوله والفعل منه وضيع
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
ولم أكن أغلظ في مثلهلكن رمتني ثقتي بالشفيع

قال وقد كان مولعا بالألغاز. ومن محاسن ما له في هذا الباب قوله في القلم والدواة:

وميتٍ برمسٍ طعمه عند رأسهفإن ذاق من ذاك الطعام تكلما
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
يموت فيحيا ثم يفرغ زادهفيرجع للقبر فيه تيما
فلا هو حي يستحق كرامةًولا هو ميت يستحق ترحما
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة

وقوله في الصابون:

وأسمر السودان بيضاًويخشى الشمس أن تعدو عليه
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
له في صنعه سرٌ مليحوكل الناس محتاج إليه
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة

وقوله في العين:

وطائرة تطير بلا جناحتفوت الطائرين وما تطير
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
إذا ما مسها الحجر أطمأنتوتألم أن يلامسها الحرير
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة

قال: وصحبه مرة في سفر، فجلسنا ليلا على نهر، وقد تشكل فيه القمر والنجوم، فقال:

وما سابقٌ لا يرى صاعداًتراه إذا ما استقام إن انحدر
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
له منك ربعٌ ومنه الحياةوذلك حظ جميع البشر
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
إذا ما جلست له ليلةحكى لك أنجمها والقمر
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة

وله جارية أسمها ألوفة:

خليلي قولا أين قلبي ومن بهوكيف بقاء المرء من بعد قلبه
فإن شئتما إظهار سرٍّ كتمتهفقد بان أمري لكم بعد قلبه

ومن مشهور غزله:

أقول لركبٍ أدلجوا بسحيرةٍقفوا ساعةً حتى أزور ركابها
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
وأملأ عيني من محاسن وجههاوأشكو إليها أن أطالت عتابها
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
فإن هي جادت بالوصل وأنعمتوإلا فحسبي أن رأيت قبابها
فقبلتها فوق اللثام فقال ليهي الخمر أرشفت الغداة حبابها

وكانت وفاته سنة أربع وستمائة.

النص من طبعة دار المعارف بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.