تجاوز إلى المحتوى

من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)

محمد بن علي بن خضر بن هارون الغساني

المشهور بابن عسكر. وهو خالي رحمة الله عليه, يكنى أبا عبد الله, مبتدئ هذا الكتاب.

كان ﵀ جليل المقدار متفنناً في العلوم على اختلافها, ومشاركاً فيها على تشتت أصنافها, يتقد ذكاء, ويشرق طهارة وزكاء. نشأ بمالقة وبها أعلام وجلة أكابر, فأربى عليهم في معارفه. وكان معظماً عندهم مشاراً إليه فيهم. كانت الفتوى تدور عليه بمالقة, والمسائل ترد عليه من البلاد, فيفتي فيها, ويعمل فيها برأيه, والقضاة يعظمونه كل التعظيم ويقطعون برأيه في أحكامها. وكان معظماً عند الملوك مقرباً لديهم. ولي القضاء بمالقة نائباً عن القاضي أبي عبد الله بن الحسن, وذلك في مدة أبي عبد الله بن هود. ثم إن ابن الحسن أخر. فلما كان في أيام الأمير أبي عبد الله بن نصر, ولي مرة ثانية مستقلاً. وصل كتابه في توليته القضاء في يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان المعظم عام خمس وثلاثين وستمائة. فبكى ﵀, وامتنع. وكتب إلى الأمير أبي عبد الله يذكر أنه لا

يصلح للولاية حرصاً على أن يعزله عنها تورعاً منه ﵀. فلم يقبل الأمير ذلك منه. وبقي على ولايته.

وظهرت في أيامه الحقوق, وسار من السيرة الحسنة ما لم يسربها أحد قلبه. كان ماضي العزيمة, مقداماً مهوباً منفذاً للأحكام. فكان بذلك مستحسن المقاصد, مشكوراً في الصادر والوارد.

وكان ﵀ أفضل الناس خلقاً, وأرحبهم صدراً, وأجملهم عشرة, وأتمهم رجولة, وأنداهم يداً, وأكثرهم احتمالاً. يحسن إلى من أساء إليه, ويجود بماله على من بخل به عليه, مع ما كان عليه من سياسة الناس ومداراتهم وقضاء حوائجهم وله في صنعة التوثيق باع مديد, وسهم سديد. وكان سريع القلم سهل الألفاظ مختصر الوثيقة, غاية في البراعة إلى الشعر الرائق, والكتب الفائق.

وله تصانيف عجيبة متداولة بأيدي الناس, كالمشرع الروي في الزيادة على كتاب الهروي, والتكميل والإتمام لكتاب التقريب والإعلام, والأربعين حديثاً الموافق فيها اسم الشيخ لاسم الصحابي, وهو منزع لم يسبق إليه, وكنزهة الناظر في مناقب عمار بن ياسر, وكالجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر, وغير ذلك.

رحل الناس إليه وأخذوا عنه. وكان ﵀ قد أخذ عن شيوخ جلة كأبي الحجاج ابن الشيخ, وأبي محمد القرطبي, وأبي علي الرندي, وأبي جعفر الجيار, وكالقاضيين أبي محمد بن حوط الله, وأبي سليمان داود, وكالقاضي أبي الخطاب بن واجب, وكأبي زكرياء بن عبد المنعم الأصبهاني وغيرهم.

وكان قد مال أخيراً إلى الرواية. وإنما نبهت عليه هذا التنبيه, وذكرت بعض ما كان من المحاسن فيه, مخافة أن ينقرض الزمان. فتنقرض أخباره. ويفنى ناس عصره, فتنس مآثره وآثاره, وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة, ويشاهد بعض مآثره الحميدة ومنازعه الجليلة. ومازالت مناقب الأئمة تخلد وتذكر, وتذاع وتنشر. وإذا كان من العلم قد تعين شرعاً, واستحسن طبعاً فحقه علي آكد الحقوق, وسكوتي عن الاعتناء بتخليد مناقبه ضرب من العقوب. ولا غرو أن يقال: ما باله أطال في مدحه عنانه, وأدر من سماء فكره عنانه, فذكر له مالم يذكره لسواه, ولا أظهر على أحد نصه ولا فحواه, فعذري في ذلك أنه لم يكن أحد من أهل عصره

يجاريه, وأيضاً لفرط حبي فيه, واعتنائه ﵀ بي وتحفيه, فلا أقل من أن أوفي له بعض ماله من الحق, وأقوم به فأنا الأوجب بذلك والأحق وعلمت ﵀ وفضله كثير من أن أحصيه.

وقد نعيت إليه نفسه, (حين) آن أن تغرب من سماء مغاربه شمسه. فمن شعره في ذلك ﵀:

ولما انقضت إحدى وخمسون حجةكأني منها ما تذكرت أحلم
ترقيت أعلاها لأنظر فوقهاإلى الحتف مني علني منه أسلم
إذا هي قد أدنته مني كأنماترقيت فيها نحوه وهي سلم

ومن شعره:

إلى الله قوم قد تعرضت الدنىلهم ورمتهم كي تصيب فراغ
وثباً لنفسي إنها عن طريقهمتميل لقوم بالجهالة راغوا
أهاب ذنوباً صيرتني لميتةٍإهاباً وما إلا المتاب دباغ
تقسمت الأعضاء مني بطالةفللهو قلب, والرقاد دماغ
وبيني وبين النفس في كل حالةٍدفاع, فتردي مرة وتراغ
عجزت فما وسم الجلاد بلائحعلي, ولكن للوساد صداغ
وأخلدت للراحات, والموت يستويأولو ضنك عيشٍ عنده ورباغ

ومن شعره وقد طرقه هم:

واصبر لما يعتريك تغنمغنيمتي راحةٍ وأجر
فإن همّ الخطوب ليللا بد يجلوه ضوء فجر

ومن شعره وقد استدعي أن يجيز:

أجبتك لا أني لما رمته أهلولكن ما أحببت متحمل سهل
وكيف أراني أهل ذاك وقد أتىعلي المميتان: البطالة والجهل
وما العلم إلا البحر طاب مذاقهوما لي عل في الورود ولا نهل
فأسأل ربي العفو عني فإنهلما يرتجيه العبد من فضله أهل

وله في المعني:

أجبت على حكم التواصل والودسؤالك لما لم أجد منه من بد
مقراً بأني لست أهل إجازةٍوما كل مشمومٍ وإن طاب كالند
وما كل ماءٍ للصدي وإنماكتبت كما واسى المقل من الجهد
فأسال ربي أن يمن بعطفةٍتقرب للقربى وترشد للرشد

وله يستدعى من أبي عبد الله بن مرج الكحل أن يجيزه رواياته, وكتب إليه بها إلى إشبيلية:

يا من تصور شخصه من نور ... ...........................

وقد رغب منه الفقيه الكاتب أبو الحسن الرعيني أن يجيز أولاده, فكتب إليه:

أصوح النبت فيرعى الهشيمعذراً فما برقي مما يشيم
فصارم العجز لدي اغتدىصلباً وعضب العلم في الجهل شيم
حسب المعيدي سماع فماله إذا ينظر, مرأى وسيم
إن تطلب الرؤية منه فقدكلف من ذلك خسفاً, وسيم

وهي طويلة. ومن شعره في المعني:

ويقصر مهدي النعاج العجافعن السمن البدن والبدن
أمثلي يعرض في حلبةتباري السوابق بالكودني
ومن ذا الذي في رواة العلومفأثبتني بعد أوعدني
ولو رمت إلحاق نفسي بهملطاردني العجز أو ردني
وإني وإن أنا عنهم خطىلأرجو, وحسبي أن أدني
ومن لي بإدراك قوم سرواإلى أشرف الفعل والديدن
وقد قصر السن بي والسناء عن ذلك العتن الأهدن
ولما تبسم عرف العراق حركني الشوق واعتدني
ووالى ارتياحاً لمن حلهكعهدك بالغصن الألدن
أناس بهاليل بيض غدوايلوحون في الزمن الأكدن

ومنها:

تنص المعالي على مجدكمكنص علي على المدني
ولما علمت بهم لم أبالبمن سدته بعد أو سدني
وكلفت رد الجواب لهمفحملت من ذاك ما أدني
فأصبحت فيهم قصيراً كمنيقيس الرديني بالمردن
فعذراً لمظهرٍ سوقهيروم معارضة الصيدني

وكتب معها بعد الصدور, وبعد: فإنه لما دعا لهذه الإجابة أكرم داعٍ, وجب الفعل بالإتباع. فكم آلى (علي) أن أبرز في منصة العجز سعالتي, وأطرز من العذر ما أحتمل به على علالتي. فلعل هذا المكلف قصد أن يجمع إلى الخز المشوب, أو أظنه طلب أن ينظم إلى الدر المخشوب فلو لم يأخذ القوس إلا الباري, ولا دخل الحلبة إلا السابق المباري, لما علم الأرفع من الأنزل, والرامح من الأعزل, ولرميت أدواء الجهل بالتعطيل, وعريت أفعل عن صفة التفضيل. لكن اقتضت الحكمة أن يباين الند نده, ويلاين الشيء ضده, حتى يعرف العذب بالأجاج, ويشرف الدر بمقايسه الزجاج. ولما علمت أني إذا امتثلت, ونثرت كنانتي ونثلت فإنما أكون من بين سبق الجواد بعيره, وزين بهدره بلاغة غيره, فأحبت, بعد أن تسترت من الحياء واحتجبت, فكتب والقلم عاثر, والعجز لما أروم نظمه من الكلام ناثر. وبعد أن وقفت على هذا الاستدعاء الذي طلعت من المطالع العراقية شمسه, وحسر اليوم بهذه البلاد الغريبة عليه أمسه, وكسا هذا الأفق من حال التشريف والتنويه, ما لم يكن يحتسبه ولا ينويه, وتأهل لأن يحمل من أهله العلم حيث قطبه الذي عليه مداره, ويروي عنه بالمكان (الذي) هو محله وداره. فيا عجباً للبحار كيف استمدت أوشالها, واستعدت لطلب المكاتبة. وقد كان يجب أن تقصد ويمشى لها فيا نفحات مسكية, ولمحات نيرة ذكية, أوجبت للإجابة حقاً, وصيرت كل سامح مسترقاً ومستحقاً وهي طويلة.

كتب معزياً: مثل سيدي أجزل الله أجره, وأطلع في ليل مصابه فجره, في

متصبره من الفضل الذي ملك زمانه, والعلم الذي أصبح إمامه, والزهد الذي رداه رداء الورع, والمجد الذي فاق فيه نظراءه فبرع. لا تزعزعه النوائب, ولا تروعه المصائب, ولا تستفزه جرياً على سنن الفضلاء الأكابر, وأخذاً بما ذخر الله تعالى للصابر.

وفي فصل منها: ولست أعزك الله ووقاك بأول من أفرده الدهر من حميمه, وجرعه كأس حميمة. فشيم الزمان, عدم الأمان, وسجايا الدهر, رزايا العلماء في البر والبحر. ألم يفجع متمماً بمالك, وصيره يبكي القبور لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك. وأصاب الخنساء بصخرٍ, فلم يحجبه ما يسرته له من الثناء والفخر, وفرق بين ندماني جذيمة, فأفقد كل واحدٍ منهما نديمه, وملأ قلب سيبويه أحزاناً, حتى أنشد (عن) أخوين كانا.....

كل أخ (مهما غداأخ له مفارقه
لا بد أن يطرقهمن الحمام طارقه

وسوف يلحق الفرقدين العناء, فلا ينفعهما الاستثناء. فإذا علم المرء أنه إلى الموت مآله, وقد درج عليه سلفه وآله. فما ينفعه الوله, وسوف يفني آخر كما أفنى أوله:

وما المرء إلا هالك وابن هالكٍوذو نسب في الهالكين عريق

وكتب معها:

عزاء, فمثلك من يؤتسىبه في العزاء إذا الخطب لم
ومن كان قلبك في صدرهمحا الصبر ما خط فيه الألم

ومنها:

وللعلم بدر به يجتليإذا ما ادلهمت دياجي الظلم
ومن يدر أن الردى منتهاهفليس مفيداً له: ليث لم
ومن أمل الخلد في دهرهفمن جهله نفسه قد ظلم

وكتب مهنئاً بزواج فقال بعدما تقدم جزء من الرسالة: فيا لها خطبة ما أسعدها وأسندها, وبغية تنيل مبتغيها عظمى المقاصد وحسناها. فهنيئاً له بقرينةٍ يفوز منها بوسطى سلك الحسب والعد, وزهرة رياض العلى والمجد, ودرةٍ لم تنشق عن مثلها الصدف, وزهرةٍ طلعت في سماء المجد والشرف. قسماً لقد جلت قدراً عن كل محاول, وقصرت عن إدراكها يد المتطاول. فلو صنعت من قرص الشمس دنانير مهرها, وطبعت دراهمه من نيرات الكواكب وزهرها, وبذل الوجود في نقد صداقها, وسلبت لها الجوزاء عن تاجها ونطاقها, وأجري من برها إلا ما قصر عنه كل بحر, وسقيت لخدمتها الثريا في ملاءة الفجر؛ لما بلغ لها بحق, ولقصر عن الأوجب لها والأحق.

وكتب يوماً: مثل سيدي تذكر بعد أمة, ورعى الأمانة وواجب الذمة. فالفضل يتعلم من أخلاقه, والعلم من جملة ذخائره وأعلاقه. وما أظن سيدي إلا أن النسيان المركب في طباع بني آدم, غلب عليه حتى طال العهد وتقادم. ولا غرو فإن البشر بذلك أنسوا, ونسي أبوهم فنسوا. إلا أني قد ذكرت سيدي غير مرة, وأعلمت من المخاطبة كل طمرة. فتارة وعد بالتوجيه, فقلت: لا تنكر نجاحه من آل الوجيه, وأخرى جعلت فيها العتاب, للمتوجه بالكتاب. فقلت: لعله لم يكن أهلاً لأدائه, فلا أرمي غيري بدائه. والآن يصل به إن شاء الله فلان, وهو من أهل الأمانة والثقة, وممن يختص مني بالمودة والمقة. وأرجو إن وصله إلى ناديكم, فليكن الإسعاف من أياديكم, إن شاء الله وإن كان محتقراً قدراً, ومن سقط المتاع الذي يستخف به

ويزرى. ففي علمك أن الطالب يقنع بورقه, ويراها أعظم من بدر النهار ورقه والسلام.

وكتب يوماً: وصل الله بقاء الفقيه أبي الحجاج, مؤملاً لقبول الشفاعة وقضاء الحاج. قد علمت, أدام الله عزتك, وجعل للمكارم ارتياحك وهزتك - أن حق الجار مرعي, وذمامه شرعي. فينبغي أن يلاحظ ويرتقب, فهو كما قال ﵇: أحق بالصقب. وإن كان خامل المقدار, فيرعى له قرب الدار. وحسبك من هذه المرتبة المنيفة, قصة أبي حنيفة, حين استعمل قدمه إكمال الشفاعة, وما أهمل (جارة) ولا أضاعه. وإن رجلاً خديماً تعرفه إن شاء الله من قبل موصلها, وهو جار لي بيت بيت, فحركني للشفاعة بعد أن أبيت. فوصلتني الآن رغبة في أن أشفع له شفاعة حسنة, وأفوز بنصيبٍ من هذه الحسنة. وذكر أن مقر الوزارة العظمى, لا ينحى من لاذ به ولا يظمأ, أعلى الله مقداره, وأجرى بأفق مراده أقداره؛ سجنه لأمر سببه, وأدب أوجبه. ويرجى إن شاء الله أن يكون الأدب قد أقامه, وألزمه الاستقامة. فالغرض منك أيها الصفي الوفي في إحراز هذه الفضيلة, وتبليغ هذه الوسيلة, لعل الشفاعة تتقبل, فيكون حق المجاورة قد رعي ولم يهمل. لا زال محل الوزارة قابلاً شفاعة الشافع, مواصلاً على الجميع أشتات الأيادي والمنافع. ولا زلت أعزك الله ساعياً في خير, جارياً بمقاصدك أسعد يمنٍ - وطير) بمنه, والسلام.

ومن شعره:

ولما أذاب الهوى مهجتيفأصبحت (منها كرسمٍ) دثر
ولم يبق عين تراه العيون مني ولا أثر من أثر
تعرضته قاصداً كي يرىشحوبي فيشفق أو يعتبر
وناديت رفقاً فقال: اعجبواأمن دون جسم يلام البشر
وقال أتبصرني هازلاًفإنك لست ترى بالبصر
فقلت لقد صدق القائلون:أريها السها وتريني القمر

ومن شعره في ناعورة:

ودائرٍ يسرق من مائهكواكباً فهو بها صاعد
حتى إذا قام بها واستوىوقلت هذا فلك زائد
أهوت إلى الأرض كما قد جرتنيازك لاح لها مارد
فعاد من حليتها عاطلاًوهو إلى حالته عائد

ومن شعره في المعنى:

وسابح في الماء أعجب بهلم يعرف السبح ولا أنكرا
يجري مدى وما زال عنموضعه يوماً ولا قصرا
وينتقي من مائة فضةيسبكها من حينه جوهرا

ومن شعره في قوس:

ألا يا ناظراً رميي تعجبكأني في الإصابة لحظ ريم
أسر بحسن رشي من رمى بيكأني قد رميت على الهموم
إذا أرمي السهام يقال: هذاهلال الأفق يرمي بالنجوم
فلو أمي على الشيطان يوماًسبقت إليه من قبل الرجوم

ومن شعره أحدب:

وأحدبٍ تحسب في ظهرهحبابة في نهرٍ عائمة
مثلث الخلقة لكنهافي ظهره زواية قائمة

وله فيه:

يا أوقص الخلقة بعداً فقدشوهك الله بهذا الوقص
وزادك الله, ولكنهازيادة أكثر منها نقص
كأنه في حملها صائديحمل من دون طيورٍ قفص

وله فيه:

وقالوا أتهوى أحدباً فأجبتهم:أرى حبه للقلب أسلى وأروحا
فقالوا: فصفه, قلت: غصن تحدبتكمامته من قبل أن تتفتحا

وكتب وقد استدعيت منه أقلام: سيدي الأرفع, وسندي الأمنع, الذي أفخر بولائه وأخر وده لأزمات الدهر ولأوائه, ما زال للأدب يدير أفلاكه, ويسر أملاكه, وينظم عقوده وأسلاكه. وصلت أحرفك المشرقة, وغصون أدبك المورقة, تعبر عن براعة, وتعرب في العبارة عن طلب يراعه. فلله أنت, لقد أبدعت في وصفك, وصدعت بالحق في نظمك ورصفك, فحليتها من ألفاظك بدرر, وأعليتها فوق الشمس والقمر, حتى تمنى الوشيج أن يكون يراعاً, وتحققت الصوارم أنها لم تزل للأقلام أتباعاً, وأشرت أن يكون مما خرجته أناملي, وصرفته عواملي. فكيف وهو في يميني لا يكاد يمشي خجلاً, وفي يمينك ينشئ حللاً. وعندي يريد أن يعرف فيعجم, وعندك ينبئ عن البيان ويترجم. فخفت أن يعدي على خطك الأغرب, كما يعدي الصحيح الأجرب. لكني سأوجه إليك إن شاء الله بابنة حزن, وغدية مزن, نابتة في الحجر الصلد, ومستويه كاستواء الملد, قد امتدى أنابيبها امتداد القداح, وطالت في دوحتها طول الرماح, وامتنعت لمدى من الأوراق,

واجتمعت وإنما تصلح بالافتراق. فحينئذٍ تبرى وتقط, وتكتب وتخط, فتبدى إذا صبحت يمينك سحراً, وتخرس من آدابك الرائقة بحراً. والله تعالى يبقي إخاءك, ويديم ولاءك بمنه. وكتب محبك الأشكر, محمد بن عسكر. والسلام. وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين أبا العلاء إدريس:

إليك تركت الأرض والمال والأهلالأسمع من داعي قبولك (لي): أهلا
وفيك هجرت العيش أخضر ناعماًبها ونسيم الأرض أعطر معتلا

ومنها:

ركبت إلى لقياك كل مطيةٍمبرأةٍ أن تعرف الأب والنسلا
إذا نسبوها فالتنوفة أمهاووالدها ماء الغمام إذا انهلاً
وما علمت يوماً غذاء وإنماأعار لها الأعضاء سائسها فتلا
وقد ضمرت حتى اغتدت من نسوعهافلو عرضت للشمس ما أسقطت ظلا
وما في قداها قدر مقعد راكبٍولكنها ساوت مساحتها الرجلا
لتبليغها المضطر تدعى ببلغةٍوإن قست بالتشبيه سميتها نعلا
سأشكرها جهدي وأثني بفضلهافقد بلغتني خير من وطئ الرملا
ملكياً كأن الشمس فوق جبينهوليث الشرى في درعه حاملاً شبلا
إذا رام أمراً لم يخف فيه من عسىوإن قال كن لم يخش في غرض من لا
وما ذاك إلا أن في الله همهفيجري له في ذلك القول والفعلا

ومنها:

له فتكات في العدى وعزائمتسدد رعباً (في) قلوبهم النبلا
نعدهم أسرى وهم في دياركمونحسبهم ما بين أهليهم قتلى
همام إذا ما الحرب شبت تقدمتبه همة. حسب الشجاع بها فضلا

ومنها:

إذا أوعد الأعداء لم يعرفوا البقاوإن وعد العافين لم يعرفوا المطلا

ومنها:

ولا غرو إن لاحت نحلية باطلفعجل بها, فالحق يعلو ولا يعلى
ألم تر موسى حين ألقى عصاه لميطق ساحر يلقي عصياً ولا حبلا
وما ابن لبون الحرب يستطيع صولةإذا هو قد رام القناعيس والبزلا

ومنها:

تقابله سيفاً, ومنك تسابقاحسام محلى أو دهاء قد استعلى
طلعت بأفقي إمرةٍ وخلافةٍكما اشترك النوران واتحدا فعلا
وإن امتزاج الطيب بالطيب مكسبله قوة ما كان يعرفها قبلا
رضيت بتغريب يصحف لفظهلدي بتقريب إليه, فما أحلى
وبالشوق للأحباب إذ أنت مؤنسيوكم وحشةٍ صارت طريقاً لما يسلى
وبالبين عنهم خائفاً مترقباًوإذا سار موسى خائفاً لحق الرسلا

ومنها:

جهول يرى أن السيادة شرعةفقل: سامري صاغ من عسجدٍ عجلا
وما زلت أوليه من البشر والرضانصيباً, ويولي من إساءته كيلا
إلى حين أصمتني سهام قسية"فأوقعن بي عيباً وسببن لي نغلاً"
وسرت طريداً البلاد كأننيلأحمد سمعا قد حلمت به عذلا
فأحمد ربي إذا منيت بغربةٍولم يرني صانعت وغداً ولا ردلا
وربتما ماتت من الجوع حرةولم ترض أن تختار من ثديها أكلا
فمن مبلغ الأعداء أني آمنوأن أذاهم عاد ممتنعاً سهلا
وأني بحيث الدهر قد صار خائفاًلإضراره بي أن أحمله الثكلا
وأني منكم في جوارٍ وأرتقيله البدر, ما شان المحاق له شكلا
أما علموا أني بآخر آيةٍمن اقتربت, سحراً يورثهم خبلا
فدمت بكم أجني السرور ويجتنيعدوي من فرط الحسادة لي نكلا

وله في قارئ يقرأ ما يكتب له تحت أثوابه باللمس من غير أن يعاين ما في الطرس مكتوباً:

وقارئٍ ما تحت أثوابهكأنما ينظر في طرسه
نورية فاضت بأعضائهفانقلبت فيه إلى حسه
كأنما قوة إبصارهقد نقلت منه إلى لمسه
كأنما الحرف له نابضوهو كجالينوس في جسه
لا تعجبوا من (أمر) إدراكهينفد ما يعلوه من لبسه
فالأفق الأعلى سماواتهلا تحجب الإدراك عن شمسه
لمثله كان سليمان قدتفقد الهدهد في نفسه
فيا لها من آيةٍ أعجزتعن مثلها كل بني جنسه

ومن شعره يصف عشية أنس ﵀:

أأنسى من الأزمان أنس عشيةٍأجلنا بها الأحداق بين الحدائق
حدائق بيض بالأزاهر وسطهاجداول كالأسطار وسط المهارق
كأن على تلك الأباطح جردتصوارم لما خيف من كل طارق
صفت وصفا فيها الحصا فكأنها المجرة حفت بالنجوم الشوارق
وقد أودع الأرواح عند هبوبهاعليها يدي داود, رب الخلائق
يصوغ دروعاً فوقها كلما جرتفيا لك من حسنٍ للحظك رائق
وغنت بها الأطيار وهي تجيبهافيا عجباً من حسنٍ أخرس ناطق
أقمنا عليها بعض يوم كأنهلمبصره في العمر لمعة بارق
مع أبناء صدقٍ طاهرين كأنهمنجوم سماءٍ أشرقت بالمشارق
حسان الذي يبدو فريق جيوبهمأعفة ما قد ضم تحت المناطق
أقر بنو الدنيا جميعاً بأنهمشياه وكل الناس مثل البيادق
يديرون في وصف العلوم كؤوسهموليس سوى الآداب خمراً لذائق
رأت أنسنا شمس النهار فلم تزلتسارع نحو الغرب سير السوابق
وغارت بنا فاصفر للناس وجههاكما اصفر من خوف النوى وجه عاشق
عجبت لها قد أبصرتنا ولم تقفوقد وقف قدماً لقتل العمالق
فهلا أقامت كي يدوم وصالناولو قدر ما ترتد مقلة وامق
فتباً لدهر لا يدوم نعيمهلقد قطعت للأمن منه علائقي
تطول على الحر اللبيب صروفهكليل سليم أو عذاب منافق
وتقصر ساعات الوصال إذا أتتكخلب برقٍ أو كغفلة سارق
فيا لزمان بالورى متقلبخلائقه للخلق شر الخلائق
كأن بني الدنيا لوقع صروفهاعصافير ترمى عن قسي البنادق
فما منهم من يستطيع تخصاًلإصماء سهم للمنية راشق
سواء عزيز القوم مثل ذليلهملديه, ومن في السفح أو في الشواهق
فما عمرت عمرو بن هندٍ جنودهولا أنعم النعمان قصر الشقائق
كأن جميعاً إذا سقاه حمامهبكأسٍ حقاقٍٍ خر من رأس حالق
أطلعت الهوى حتى خدعت ومن يطعهوى النفس يخدعه كخدع المآذق
فيا نفس كفي قد بلغت بي المدىأمالك بعد الشيب توبة صادق
ويا رب عفواً إنني منك واثقفمن على عبدٍ بجودك واثق

وله من قصيدة كتب بها جواباً لبعض إخوانه:

أطل (على) الدهر في عتب أو اقتصرفلست منه على حالٍ بمنتصر
ودع بنيه ففيهم من شمائلهما قد تضمن من مستقبح السير
حازوا التليدين من لؤمٍ ومن حسدٍإلى الطريفين من عي ومن حصر

ومنها:

كم قد تنكر لي من قد محضت لهودي وما جئت من شيءِ له نكر
وظل يوثر أفراس العداوة لمينفعه وعظ ولم أغدر ولم أتر

ومنها:

لما توهم أن يقوى بقدرتهعلى المضرة لم أصرف له بصري
وكلت لله آمالي فأعجزهوقلت بالجبر لما قال بالقدر

ومنها:

إيه فديت بأرواح العداة أبامحمد وفداك الدهر بالنفر
أتشتكي حسد الحساد وهو لهمكالنار تعرف فيها نكهة القطر

ومنها:

ن كنت تطلب منهم مثل نفسك قدطلبت معجزة من غير مقتدر
عذراً لهم فلقد راموا بجهلهمشأو امرئٍ فوق أوج الشمس والقمر
مهما مشى نحو قصدٍ, للعلاء سعواوإن سعوا خلقه في غايةٍ يطر
تجري اليراع بيمناه فتبلغ مايغيب من سمهري في يمين جري

ومنها:

وصفتني بصفاتٍ أنت مالكهالكن تكسيت منها ثوب مفتخر
فالريح تخطر بالأزهار جاريةفتكتسي من شذاها الطيب العطر
كأنما كنت في المرآة تبصر منوصفته, فلديها العكس للصور
حقاً دعيت بزهري منك قد جمعتفي الطرس بين (فنون) الزهر والزهر
وقد برعت زهيراً في القريض, ومنتقارب اللفظ, خصوا ذاك بالصغر
إيه تكلفني رد الجواب وقدعلمت أني لا أسطيعه, فدر
لما بعثت رياضاً منك مثمرةسرقت منها, وليس القطع في الثمر
فإن نطقت فمن علمٍ بصفحك (ليوإن سكت فإني بالسكوت حر

وكتب إليه الفقيه أبو علي الاستجي بقطعة شعرية, فجاوبه عليها مسرعاً:

يا سيدي قد أقحمتني أحرفألفيت فيها كل سحرٍ مودعاً
وافت, وعهد أخيك, عن أثبالهاقد طل من نهب السرور وودعا
ذكرت عن قمرين لاحا عندناولعل عندك أشرقاً وتطلعا
سكرا بأفلاكٍ جرت بهما لنافتألفا في أفقنا وتجمعا
فلعل إظلاماً لدينا ينجليبهما, وأنسا قد مضى أن يرجعا
ولقد غنيت بنور وجهك عنهماوبنور ذهنك إذا بدا وتشعشعا
ولئن تغب عنا فإنك حاضرفاعجب لمفترقين قد حضرا معا
فإذا تمتع ناظري حسناً فقدلاح الجمال للحظكم فتمتعا

ومن شعره وقد سأله بعض الطلبة أن يجود عليه, فكتب إليه مع جملة دراهم أعطاها له:

عذراً فإن الحسام ينبوإن لم تساعده شفرتاه
والصقر إن لم يكن بريشٍلم تستطع نهضة قواه
ورب ذي منيةٍ ولكنباعده الفقر من مناه
فاقبلفديت

القليل ممن

لم يستطع غيره يداه

وله يصف سيلاً على أمير المؤمنين أبي العلاء في رياضة بوادي........

يا أيها الملك الذي قد أشرقتأقطار رية من سناه ونوره
يا من يرينا الشمس فوق جبينهحسناً, وليث الغاب فوق سريره
وإذا الزمان رأى رجاحة عقلهصرفته عن ثهلانه وثبيره
عذراً لوادٍ أم قصد مقامكمكدراً, وحسن الزور في تكديره
عجلان محمر الأديم كأنماغلب الحياء عليه عند خطوره
يحكي الحوامل باضطراب فؤادهقلقاً, وعدو الأيم عند مسيره
سيريك متن السيف عند صفائهجرياً, وسرد الدرع عند فتوره
وافى يقبل في الثرى إذا لم يطقتقبيل كف تزدري بنميره
ويروم يقضي بعض حقكم الذيعجزت أولوا الأفهام عن تعبيره
منع الكلام وقد تعين شكركمفأتاك يعرب عنه صوت خريره

وتوفي ﵀ عليه في ظهر يوم الأربعاء لجمادى الآخرة عام ستة وثلاثين وستمائة غفر الله وجعل الجنة مأواه بمنه وكرمه لا رب سواه.

ومنهم:

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.