من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
السيد يحيى المفتي
نجله المفتي السيد يحيى
لا أدركت تلك الأهلة دهرهانقصا ولا تلك النجوم أفولا
والمفتي هذا نجله الأمجد، فلك سما السها والفرقد. واحد
الفضل ومرجعه، ومنبع العلم وموضحه. الذي عقدت عليه الخناصر، وتوارث الفضل كابرا عن كابر. فهو الذي أورق غصن شبابه في ساحة المجد والفتوة، حيث ناداه قلم الإفتاء من أعلى هامات الفضل يا يحيى خذ الكتاب بقوة. قد عقدت رايات الكمال عليه وانتشرت، وضمخت جوانبه بعبير المعارف وانتثرت.
سطعت أنوار الإفادة من جانبه في كل مقام، فأشرقت شمس أفضاله على رءوس الربى وهامات الآكام. فاسترق بلفظه الرائق أبناء الزمن، فكان أدبه ألذ للعيون من معاطاة الوسن. فهو المستعذب الأدب والعرفان، والماجد الذي يكل عن وصفه اللسان، ويمل عن حصر نعوته ووصفه البيان. فكم له في الأدب من فنون تبهر العيون، وتحير الظنون. وكيف لا وهو من بيت الوحي والرسالة الحائزين لأصناف الحزم وأصناف البسالة. لهم سطور أدب منقوشة على صحايف الدهور، ونظم شعر يشاكل العبير ويشاكه المنثور وهم كما قيل:
لهم شعر كشعر أبي نواسعلى روض كنظم أبي فراس
فهم الحائزون قصب السبق في مضمار الأدب، الراقون من المجد والفضل والجود إلى أعلى الرتب. وهذا السيد عمود
هذا البيت ووتده، الذي عليه في المهمات معوله ومعتمده. وكنت أشاهده في مجلسه، وقد عبق الدهر من عبير ملاطفته وتأنسه.
ولله من ناد قد زفته أيدي الزمان بكل فضيلة، وحفته بنادر مكارم هي في ذاتها جميلة. غزلت به يد المعارف أحرف الفضل فزهت بقماشه، وبسطت به اللطائف على غواشي تلك الحواشي فسمت بارتياشه. وحاكت على تولي الشكر والثناء أنواع تلك المكارم، ونسجت بألفاظ ذات صفاء من مكارمه فجعلته لباساً للأعياد والمواسم. وألبسته عرايا أدب. ما ارتاشوا إلا بلباسه، وكسته منهوبي أرب ما اعتاشوا إلا بطيب أنفاسه. فنبتت تلك الفضائل براحتهم وأورقت أغصانا، وسادت تلك المحافل ففاخرت اعصرا وزمانا. فرعت سائمة العفاة تلك الدوحة، واهتصرت أيدي الوافدين أنواع المكارم من تلك الرشحة. فهي كعبة جود تلاقى باديه وعاكفه، وقلعة كرم انحدر بناديه وأكفه.
وروضة علم يتفيأ بظلال ازهارها، وحديقة حكم تزهو على النيرين بإشراق أنوارها. فهو المجلس العاطر الزاهر الانفس، والمحل الباهر العامر الأقدس. والمشار إليه بدره الكثير الإشراق، المصون عن الكسوف والمحاق.
وليس غريباً أن ينال غرائبامن المجد فرد في الزمان غريب
فضل هذا السيد لم يحط به كتاب، ولم يؤد باسهاب واطناب
وقد أتيت بوصفه القليل، ومن نظمه بالنادر المعجب الجزيل.
وأثبت منه ما هو الباهر العطر والشائع بكل قطر.
وكل له فضله والحجوليوم التفاخر دون الغرر
فمن نظمه البهيج، ومنظومه الأريج، قوله حين اطلع على بعض فصول هذا الكتاب، ووقف منه خاصة على هذا الباب.
ولله دره من قائل أنسى ذكر الأواخر والأوائل، وهي:
عقود وشحت صدر الطروسأم السكر المخامر للنفوس
ومنثور فصيح راق معنىبروض مثل صهباء الكؤوس
شطور سطوره تزهو وتنموبرونقه على العقد النفيس
صحايفه لا عين ناظريهتضيء بلاغة مثل الشموس
فتهنا إذ وجدناه كاناثملنا من حساء الخندريس
السيد عبد الله الحسيني كاتب ديوان الإنشاء ببغداد
نجله الثاني السيد عبد الله
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت بهفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
أديب ربي في مهد المجد والسيادة، وأريب تعاطى سلافة
الفضل والكمال حتى اعتاده، تقمط بقماط الفواضل والمعارف، ففاضت عليه مكارم ففاضت له عوارف. رضع ثدي الأدب من صدور المعال، وقلد جيد الطلب بفرائد اللؤال. انفطم عن كل شيء دون الفصاحة، وترك كل حرفة غير المكارم والسماحة. فأثمر لغصون الأماني، وشهد له بالنجابة كل قاص وداني. فهو في حسن الأثر، كالقمر إذا بدر.
ما إن أرى مثلا له فيما أرىأم الكرام قليلة الأولاد
أشرقت شمس معاليه في سماء الكمال، وكان ذلك بعد بلوغ القصد والآمال. رتع في وهاد المكارم وبلغ منتهاها، وخط في جباه الأيام سطور المجد فكان مناها. سلك وعر المسالك لتحصيل المحامد، ولم يحتج في إثبات ذلك إلى بينة وشاهد. استخرج من كنوز العلم كل نفيس ومدخر، ورصع دفاتر الأوائل والأواخر بأنواع العقود والدرر. تقلد بصارم الجود والكرم، وقلد جيد الزمان بقلائد النعم. أخذ الخصال الحميدة، وملك الطبائع المحمودة.
ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
فهو الآن نور حدقة الزمان، ونور حديقة الجنان. ذو الشرف الباذخ القديم والسلف الشامخ الكريم. قد ورد مناهل الأسود، فحسده الدهر والحسود لا يسود.
وفي تعب من يحسد الشمس نورهاويجهد أن يأتي لها بضريب
فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دار ترحب بطارقها.
إذا أسفر اللثام عن وجوه بنات الأفكار، أوضح طرق الهداية من إشراق تلك الأنوار. فهناك تعلم أن أم الدهر لم تلد بمثله أبدا، وإن ألفاظه على الحقيقة جواهر وعقدا.
عاشرته بعضا من الأيام، بمدينة بغداد دار السلام. وقد امطته المعالي صهواتها، وأركبته على متونها، وحملته على عاتق المجد وجعلته إنسان عيونها. فعبق مسك فضله في تلك النواحي والأقطار وسلكته رغما على انف الدهر في سلك المصطفين الأخيار. ومنحته موانح العز وخصته بمكارم السكينة، واتخذت ذلك الجناب كاتب الإنشاء لديوان تلك المدينة. وأرخت على مجالسه من أصناف المعارف ستورا، وجعلته لمدخر المكارم حصنا ولمكنون النوال سورا. فكان سعيه في كسب تلك المواهب السنية محموداً مشكورا، وتحصيله لأنواع تلك المحامد البهية مقبولا ومبرورا.
خزن- بعد علمه بان الدهر الخئون دول. وإن المأثور فيه والمحصل منه المكارم لا الخيل والخول- فرائد مآثر، مرصعة في صحف الدفاتر. ونوادر مكارم حوت المحامد والمفاخر. فملأ بيت آثاره من تلك الموانح النفيسة وشحنه، بعد أن شيد أركان منازل المجد بأنواع النوال وحصنه. وتقحم بذلك نجاد المعالي ووصل إلى أغوارها
وتسلق إلى بروج حصون الكمال ورقي إلى أسوارها. ومد يده إلى جواد الجود فعلقت يده بزمامه، ونصب شرك البذل لبزاة الأدب فصادهم بفخ كرمه وإنعامه. فهو صاحب السيف والقلم، الذي افتخرت به الدهور، والجود والكرم، الذي ضاءت به الأيام والشهور. وهو قطب تلك المدينة إلى الآن، وسمر ليالي ذلك الإقليم إلى آخر الزمان.
دخلت عليه في بعض الأوقات وهو مشرق بوجه كالقمر، وقد حفته أرباب المعارف من كل جهة كما يحف الجيد بالدرر.
وهو قد شمر عن ساعد الجد لاقتطافه ثمر المعالي، وتهيأ للغوص في بحر الفضائل لإخراج فرائد اللآلي.
وقد غدا النادي كالربيع ونواره، وهو كالبدر المنير بجمال أنواره. تخاله حديقة جنان. قد حفتها يد الغمام فنبتت ألوانا، وأخرجت من سنائها على حافة جداولها أزهارا وأغصانا. وقد حملت أكل ما تشتهي الأنفس من ثمار المعارف، وتلذ الأعين من فواكه عناقيد اللطائف. ووضعته في خوان الأوراق وقدمته لأرباب الأدب، فهو كما يوضع اللآل عند محترفة الصياغة في أطباق الذهب. فازدحمت عليه أيدي الوافدين كازدحام الصوادي على الموارد. وتناولت من تلك الفواكه الطيبة ما يوهب المواهب وينيل
المحامد. هذا والنوال أمواجا، والوفود أفواجا. وهو كالغمام يهطل نوالا، ويشرق بدرا ويبدو هلالا. بفرق منير وضاح، ووجه مستنير مصباح وكيف ما هطل فكرم، أو نطق فحكم. أو أشار فنوال، أو نظر فكمال، أو نثر فلآل. إلى أن أضحى نهاره، وتكاملت أنواره، وتسطرت في الصحف آثاره. أخذ يصرف تلك الجموع بأدب، بعد أن أظهر من صنوف كمالاته العجب.
ثم بعد أن خلا فناء الدار من الواشين والاغيار، أخذ يلاطفني ويمنيني، وعلى قربي من حضرته يهنيني. وأدار بيننا من الأدب أقداحا، تورث مسرات وأفراحا. وسقاني من تلك الأشربة كئوسا، وناولني من هاتيك الزجاجات شموسا. إلى أن انجر بنا الكلام إلى النشيد، والتفنن في نظم البيت والقصيد. وأدى البحث إلى أبيات الحماسة، وما حوته تلك الطريقة من الرجاحة والنفاسة، فأنشدني هناك قصيدة لنفسه في هذا الباب انشط من القهوة، وهي في الحقيقة أطرب منها حالا وأسر نشوة. لم ينتج لها الزمان بمثال، وهي أرق من الخيال، وأعذب من الماء العذب الزلال. قد أثبتها تأييدا للمقال المذكور، وجعلتها قلادة لنحور الحور، مدى الأيام والدهور. وهي:
تجل وتسمو عن مثقفة السمرمهفهفة تزهو على الشمس والبدر
وما قدروا حقا لليلة وصلهافخيرٌ ليالي الوصل من ليلة القدر
فكم من صباح لاح من ليل شعرهاومن بدرتم ظل في فاحم الشعر
سقى الله روضاً كنت فيه منعماتدير كئوس العيش لي ربة الخدر
وجاد الغوادي في مرابع ثهمدونجد وسلع والعقيق على أثر
فباتت تعاطيني كئوس وصالهاحبيبة قلبي أم عمرو بلا عذر
فتم ثمالي من سلافة ريقهاوأغنت بمعناها عن الشهد والخمر
ثملت بها حتى انثنت لي نشوةأخال باني لست أصحى إلى الحشر
بنفسي من ترنو وفيها ملالةبعيدة مهوى القرط طيبة النشر
وقائلة ما بال دمعك جارياعلى رسم دار مثل خنسا على صخر
فقلت ذريني إنني طائع الهوىفقد زاد وجدي بالنوى والهوى العذري
وأصبحت في كبل الغرام مقيداًطويل سهاد العين في ليلة الهجر
وإني لصبار على كل شدةتنوء بثهلان وتأبى عن الصبر
أكلفها صبري فيصبح ناهضابأعبائها والصبر يعجز عن صبري
وللمعري قصيدة تقرب من هذا المعنى وهي:
يهم الليالي بعض ما أنا مضمرويثقل رضوى دون ما أنا حامل
وفيها يقول:
وأني جواد لم يحل لجامهونضو يمان أغفلته الصياقل
وإن كان في لبس الفتى شرف لهفما السيف إلا حده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزليعلى أنني فوق السماكين نازل
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياتجاهلت حتى ظن أني جاهل
وهذه القصيدة للمعري فريدة في هذا الباب، خالية عن الإطناب والإسهاب، لا بأس بذكر شيء منها. ومنها:
فيا عجباً كم يدعي الفضل ناقصوواسفاً كم يظهر النقص كامل
وكيف تنام الطير في وكناتهااذا نصبت للفرقدين الحبائل
ينافس أمسي في يومي تشرفاوتحسد اسحاري علي الاصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفهفلست أبالي من تغول الغوائل
والغلو فيها في البيت الآتي وهو:
فلو بان عضدي ما تأسف منكبيولو مات زندي ما بكته الأنامل
اذا وصف الطائي بالبخل مادروعيّر قساً بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفيةوقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهةوفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمةويا نفس جدي إن دهرك هازل
وقد أغتدي والليل يبكي تأسفاعلى نفسه والنجم في الغرب مائل
بريح أعيرت حافراً من زبرجدلها التبر جسم واللجين خلاخل
كأن الصبا ألقت إلي عنانهاتخب بسرحي مرة وتناقل
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضتعن الماء فاشتاقت إليها المناهل
ومنها:
إذا أنت أعطيت السعادة لم تبلوإن نظرت شزراً إليك القبائل
ومنها في ختامها:
إذا كنت تهوى العيش فابغ توسطافعند التناهي يقصر المتطاول
توقى البدور النقص وهي أهلةويدركها النقصان وهي كوامل
ومن القصيدة المترجمة:
وهمي المعالي والزمان معانديويمنعني عن نيل ما رمته دهري
للشعراء في هذا المعنى فنون، تكاد أن تورث الجنون. قد هصرت أفنان البيان هصر، حتى كادت أن لا تعد ولا تنحصر. فمنه ما قاله بعضهم:
ما قصر السعي وما عللتعن مطلب نفس أمانيها
بل خانها الدهر وأزرى بهاعثرة جد لا تواتيها
وقال الآخر:
أسمو إلى الأمل الأقصى فيلفتنيجد عثور ودهر مهتر خرف
لا الجد يسعدني فيما أحاولهمن العلو ولا لي عنه منصرف
وللقيسراني فيه:
إلى كم أسوم الدهر غير طباعهوأصدقه عن شيمتي وهو خابث
وأسمو مجداً في العلى وتحطنيخطوب كأن الدهر فيهن عابث
ولبعض الأندلسيين فيه:
لحا الله دهراً خصني بخصاصةوأقعدني عما سوى فيه أمثالي
تنوب صديقي نائبات زمانهفيقعدني عن رفده قلة المال
فوا أسفي من مكرمات أرومهافينهضني عزمي ويقعدني حالي
وعلى هذا بنى الصفدي فقال:
وقائلة فيم اجتهادك للغنىوقد رقدت للحظ منك عيون
فقلت لها والله مالي حاجةلتحصيل دنيا والامور تهون
فلو وجدت كفي لبرأت ساحتيوكنت أريك الجود كيف يكون
وقال أيضا:
صاح إن لم أجد في كسب مالهات قل لي بالله كيف أجود
وإذا لم أسد خلة حرهات قل لي بالله كيف أسود
ثم قال وما يطلب إلا للإنفاق وبلوغ المقاصد، وإبلاغ القاصد، كما إن السيف للذب والدرع، والمدية للقط والقطع.
وما أحسن قول أبي العتاهية:
وصغ ما كنت حليتبه سيفك خلخالا
وما تصنع بالسيفإذا لم تك قتالا
وتبعهم بعض الشعراء فقال:
تقول أحبب القربى وصل ذا وسيلةوقم بالحقوق الواجبات اللوازم
أما إنني لو نلت ايسر يسرةلكانت لكفي بسطة في المكارم
فآهاً لعصر مثل أهليه جاهلودهر لأبناء المروة ظالم
وتتمة القصيدة المترجمة:
ونفسي تأبى عن أمور تشيننيوتأنف عما فيه أنحط عن قدري
وإني لصقر ليس ينقض هاوياعلى رخم لكن على غصم النسر
أموت ولا ابغي الحياة بذلةواهلك ظمآنا على شاطئ البحر
تميز آبائي بمجد وخصصوابأيد غزار الفضل والأوجه الغر
بجدي وجدي نلت سبقاً إلى العلىكسيت لباس المجد فخرا على فخر
إذا رمت للأبطال حربا مبارزاًفرأيي يغنيني عن البيض والسمر
وإني لثبت الجأش لا متضعضعإذا اشتدت اللآواء في ساعة العسر
ولأبي فراس في هذا المعنى في قصيدته الرائية المرفوعة التي
يعاتب بها قومه، قوله منها: وإني لنزال بكل مخوفة. وسنذكرها برمتها في ترجمة هذا الشريف أيضاً:
ومن تتمة القصيدة:
واصبر صبر الربد عن ورد منهلوأطوي كما يطوي العملس في البر
أصد عن الفعل الذي يثلم العلىولست أبالي فيه نفعي أو ضري
وأني ان لم ادرك المجد في الدنىفلم اقتنع فيها بورق ولا تبر
واني لكتم السر احفظ مودعوليس لصون السر أحسن من صدري
ومالي سوى صبري حليف وإن ألذبغير فاني مستجير الى عمرو
يؤرقني فكري لادراكي المنىواني لنيل العز اسهد من نمر
وفي معنى هذا البيت للمتنبي:
كثير سهاد العين من غير علةيؤرقه فيما يشرفه الفكر
له منن تغني الثناء كانمابه اقسمت ان لا يؤدى لها شكر
ومن القصيدة المترجمة أيضاً:
اذا لم أجدد كل يوم مؤثلامن المجد إني ذلك اليوم في خسر
وما ضرني إذ كنت بالمجد مثريااذا كنت صفر الكف من ثروة الوفر
وما الفقر عيب في الرجال وإنماخلو الفتى عن مجده أشنع الفقر
تحملت اعباء الزمان وضرهوإن كانت الأرزاء قاصمة الظهر
وفوضت أمري للكريم مسلمالينظر في حالي ويحكم في أمري
وفي ذلك الوقت، مع كثرة المقت، في ريعان الشباب. في أول تعاطي كئوس الآداب. كنت أنشأت في فن الحماسة أبياتاً.
وقد ناسب إيرادها، حيث أزهر رياضها، وأثمرت أعوادها. وهي:
رعى الله غزلانا تميل الى الصدلقد أورثوا قلبي لظى زائد الوقد
ظباء نأت عني فأصبحت بعدهماحاول لمح الآل في طلب الورد
فسيان قرب الدار عندي وبعدهاعلى أن قرب الدار خير من البعد
كلفت بهم لا أرتجي الود والأذىشغفت بهم لا للعطية والنقد
وعهدي بهم ورد لظمآن وردهممشاربهم عذب تنوب عن الشهد
فيا لأويقات تقضت بقربهمويا لسحيرات لطيب الهنا تهدي
كفى حزناً أن قد أبيحت دماؤناعلى كمد مستوجب الذل والهد
وفي القلب جمر للبعاد وكلماتذكرهم قد زدت وجداً على وجد
أخلائي ما أحلاكم وأمركموأعلمني بالحلو منكم وبالوبد
بما في الهوى من سالف الود والنوىوما بالنوى من محكم الحل والعقد
سمعتم بمثلي مستهاماً متيمايكابد نيران الغرام ولا يبدي
ويستنطق العجماء عن مستقركمأحبة قلبي قد تعزى عن الفقد
هجرتم وأوديتم وبحتم وخنتموانأيتم وصديتم وأني على العهد
فإني لحفظ العهد مفرد وقتهاوهل لوداد الحب أحسن من ودي
وإني سحاب بالوفا لا حبتيوهيهات مثلي مات أهل الوفا بعدي
وأني لضرغام بكل ملمةوإني إذا ليث أسود على الأسد
سلوا السمر والبيض الرقاق فإنهايحدثن عن حمدي ويخبرن عن جهدي
فقصدي المعالي وهي إربي وطالماأسائلها فيم الوصول إلى الوفد
فنفسي تأبى عن شنيع يشينهاوتأنف عما لا يشاد به مجدي
أموت أسى إن لم أنل ما أودهمن المجد وهو القصد بل غاية القصد
وإني وان لم ارق للمجد والعلىبمجدي فاني لا أعيد ولا أبدي
بجدي على رغم الحسود ومحتديلبست برود العز بردا على برد
بجدي وجدي والعلى ومكارميكسيت لباساً بالنجابة والرشد
علوت بآبائي سموت بمجدهمخصصت بهم في المكرمات على البعد
وان لم يكن جدي الشريف بقومهفاني بمجدي لا بعمرو ولا زيد
سل الخيل ثم الليل والغيل والعفايردن بنا وهدا ويصدرن عن وهد
كذا السيف والقرطاس والبيد والفلاإذا وقع الايلاء في ساعة الطرد
فرمحي وسيفي والكمال وإن أقلسواهم فاني في نجاد عن السرد
أصد عن الامر الذي لا يسودنيواصبر صبر الليث عزما ولا أبدي
سأصبر صبراً لم ير الدهر مثلهوأرشف مر الصبر عن قصب القند
تحدثني نفسي عن المجد والعلىمن المهد عن تلك المعالي الى اللحد
أموت ولا أحيا بشين وذلةإذا لم يكن عندي من العز ما عندي
صبرت على جور الزمان وضرهوحملت نفسي ما ينوف على العد
وسلمت أمري في العضال لخالقيليرثي إلى عولي ويلطف في بيدي
ومن جيد ما رأيت في هذا النوع، أعني نوع الحماسة، قصيدة القاضي السعيد ابن سناء الملك كما قال ابن حجة. قسم القصيدة شطرين، وتلاعب في ميادين البلاغة بالفنين. وهذه القصيدة تقف دونها فرسان الحماسة، وتثبت لها دونهم النفاسة والرياسة.
ويكبو الجواد من فحولها، وينسى بلطائف غزلها من لعبت بلطف شمائله شمولها.
وهي:
سواي يخاف الدهر أو يرهب الردىوغيري يهوى ان يكون مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطاولا أحذر الموت الزؤام اذا عدا
ولو مد نحوي حادث الموت طرفهلحدثت نفسي أن أمد له يدا
توقد عزم يترك الماء جمرةوحلية علم يترك السيف مبردا
وفرط احتقاري للأنام لأننيأرى كل عار ما خلا سؤددي سدى
وأظمأ أن أبدى لي الماء منةولو كان لي نهر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بمذلةرأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدماً بغيري أصبح الدهر أشيباوبي بل بفضلي أصبح الدهر أمردا
وإنك عبدي يا زمان وإننيعلى الكره مني أن أرى لك سيدا
ولم أنا راض أنني واطئ الثرىولي همة لم ترتض الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتيلخرت جميعا نحو وجهي سجدا
وبذل نوال زاد حتى لقد غدامن الغيظ منه ساكن البحر مزبدا
ولي قلم في أنمل لو هززتهفما ضرني ألا أهز المهندا
إذا صال فوق الطرس وقع صريرهفان صليل المشرفي له صدى
والمخلص من الحماسة والفخر إلى الغزل قوله:
ومن كل شيء قد صحوت سوى هوىأقام عذولي بالملام واقعدا
إذا وصل من أهواه لم يك مسعديفليت عذولي كان بالصمت مسعدا
يحب عذولي من يكون مفنديفيا ليتني كنت العذول المفندا
وقال لقد آنست ناراً بخدهفقلت وأنى قد وجدت بها هدى
ومنها:
ولم أدم ذاك الخد باللحظ إنماعملت خلوقا حين ابصرت مسجدا
وكم لي إلى دار الحبيب التفاتةتذكرني عهداً قديماً ومعهدا
يراقب طرفي أن يكون هلالهافقد طال ما قد صام حتى تعبدا
عبرت عليها واعتبرت تجلديفيا حسرتي لما اعتبرت التجلدا
كأن بقلبي ما بطرفي صبابةفلم ير تلك الدار إلا مقيدا
وكم لجوادي وقفة في عراصهاتعود منها عيده ما تعودا
تعود ذاك الجيد مني أننيأصيره من در دمعي مقلدا
ويا رب ليل بت فيه وبينناعناق أعاد العقد عقدا مبددا
ولم أجعل الكف الشمال وسادهفبات على كفي اليمين موسدا
وجردته من ثوبه وأعدتهبثوب عناق كاسيا متجردا
وقربني حتى طربت الى النوىوأوردني حتى صديت الى الصدى
شهدت بان الشهد والسكر ريقهوما كنت لو لم اختبره لأشهدا
وان السلاف البابلية لحظهوإلا سلوا إنسانه كيف عربدا
ومما يناسب هذا الميدان الفسيح، والنظم الرائق الفصيح. ذكر قصيدة أنشأتها في ليلة، وأرحت فيها من الفصاحة خيله. وهي مشتملة على الغزل والنفاسة، وثانيا في اللطافة والحماسة وثالثا في المدحة، وهي من الله منحة.
أما الغزل فقولي:
أبدر دجى يا صاح أم أقبلت دعدأم انتشبت نار وفي جمرها وقد
تلوح كبدر التم حسنا وبهجةوفي جيدها در وفي نحرها عقد
فلا زال بدر بين مروة والصفايشتت لبي والغرام له حد
هي الشمس حقا إن تراءت لمغرموإن خطرت فالبدر من وجهها يبدو
لها أعين كالنرجس الغض خلقةوحمرة خد في لطافته ورد
تحاكي الظبا لحظا وبالقد بانةوبالردف طوداً وهو في ذاته طود
وفي وجهها بدراً وبالثغر أنجماوبالريم لفتات ورمانها النهد
فلله من ليل تقضى بقربهاوليس لنا ستر سوى الشعر الجعد
فخان بنا الدهر الخئون فشمرتإلى البعد ساقاً فاستمر بها الوجد
وقد أسبلت عند الوداع لآلئاًفاستروى من المدمع الخد
وأودعتها عند الوداع جوانحيوديعة صب مالها في الورى رد
وها عندها قلبي وأنّا بذا الأسىلنا القبر في غير الوصال أو اللحد
نأت وأنا ملقى على الجمر والغضاتمزق مني الصبر وانقطع الجهد
إذا أودعت قلبي لهيباً وحرقةففي كبدي حر وفي مقلتي سهد
وأما قولي في الحماسة منها:
فخضت غمارا دونها وسباسبايضل القطا فيها وينحسم الكد
ولم ينج في تلك المهامه عابرويشكو انحطاطا في مفازتها الوجد
وحزت عُلى في ذا الرحيل وسؤدداًلنا الشكر في هذا الرحيل أو الحمد
وجيران وادي الرس إذ حث عيسهمولم يك لي من قربهم أبداً بد
يقولون لي كم ذا التغرب والجفاإلى كم تخوض النقع جهلا وكم تعدو
فانك قد خضت الغمار وطالمافتكت بعضب واستبحت دما جد
وقدت خيولا سابحات إلى الوغىإذا قيد للركض المطهمة الجرد
فقلت لهم خلوا سبيلي فإننيأنا رجل الدنيا وواحدها الجلد
بعلمي وآدابي وسيفي وصاحبيسموت فإني في الورى لسن فرد
فإني لمن قوم كرام ذوي حجىفآدابنا بحر وآراؤنا رشد
سلوا الخيل عنا عند معترك القنافصمصامنا برق وأصواتنا رعد
فما عندنا جفن لعضب وانماله أبدا من هامة البطل الغمد
بنا المشرفي اجتاز كل فضيلةفما آب في كفي وفي حده حد
يجول على أسيافنا الموت دائمافسل عن ظبانا فهو ما طبع الهند
واما حسن المخلص في المديح قولي منها:
وكيف ولا أعلو على هامة السهاوأسعد لي في كل معركة سعد
أديب أريب سيد وابن سيدحوى كرما بين الورى ما له حد
همام إذا ما جئته لملمةتراه كماء المزن إذ عدم الورد
أغر كأن الشمس دون جبينهبطلعته الغراء يستمطر المجد
له الراحة الرحباء في كل حادثتسح نضارا حيث قد وجب الرفد
فما آب وفد من عطاياه رابحعلى رسله إلا أقام له وفد
يد تخجل الأنواء من نفحاتهالها نعم صارت لجيد العلا وسد
هو البطل الضرغام والبطل الذيتراه ولا ليث سواه ولا أسد
فتى مشرق كالبدر والشمس وجههفهل أشرقت الا بطلعته نجد
له همة لو يحتمي بأقلهالما كان حقا في الورى أبداً عبد
يجل ويسمو ان يقاس بحاتمفذلك شوك ثم ذا الثفل الجعد
أبر يدا في الضنك من هاطل الحيافلا الجزر يحكي راحتيه ولا المد
ألست أبا نعمان من سادة هموذو والنسب السامي وذو الحسب الغد
إذا ذكروا في المكرمات فحاتملديهم سراب ماله أبدا رشد
إذا ما بدوا للناظرين تفرقواأيادي سبا فالعالمين لهم جند
فما لكمو والله حلفة صادقشبيه وأنى ان يكون لكم ضد
رقيتم الى هام السماك بمحتدفآراؤكم رشد واحسانكم ملد
ملكتم لأحرار الأنام ببذلكمفلا زلتم دوماً لثلم العلى سد
فمن أسعد سعد الزمان وكيف لاهو الساعد العضب اليمان بل الزند
ترفق فإني لم أفه لسواكمبشعر ومالي دونكم في الورى عهد
فخذ غادة والله زفت بليلةفإني على عزم بمدحكم أشدو
بقيت بقاء الدهر يا اسعد الورىفإنك قند في مذاقته شهد
يشار إلى علياك بالفضل والعلىوتستمطر الدنيا لديك ولا بعد
وممن حذا هذا الحذو، ومشى على هذا المنوال، ونظم أنواع العقود واللآل، الصاحب بهاء الدين زهير بن الوزير المهلبي. فإنه كتب إلى الصاحب كمال الدين ابن العديم أبياتا معناها إنه انتخبه لحاجة له، ولم يؤهل غيره لها. وتخلص منها إلى الغزل.
وهي:
دعوتك لما أن بدت لي حاجةوقلت رئيس مثله من تفضلا
لعلك للفضل الذي أنت ربهتغار فلا نرضى بان تتبدلا
إذا لم يكن إلا تحمل منةفمنك وإما من سواك فلا ولا
حملت زماناً عنكم كل كلفةوخففت حتى آن لي أن أثقلا
ومن مذهبي المشهور مذ كنت أنثنيلغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهراً ما شكوت لحادثبلى كنت أشكو الاغيد المتدللا
وما همت إلا للصبابة والهوىولا خفت إلا سطوة الهجر والقلى
أروح وأخلاقي تذوب حلاوةوأغدو وإعطافي تسيل تغزلا
ومن الغريب والنادر العجيب هنا قصيدة الأديب أحمد الشاهيني فإنها نسجت وحدها وهي:
لا يسلني عن الزمان سئولان عتبي على الزمان يطول
طال عتبي كطول عمر تجنيهفعتبي بذنبه موصول
أنست لي خطوبه فلو اغتال سواي لغرني التبديل
وأحاطت سهامه بي حتىسد طرقي المسام مني النصول
أبتغي صفوة الحياة ضلالاوسواد الليال ليس يحول
أنا يا دهر لست إلا قناةلم يشنها لدى المكرّ النحول
إن أكن في الحضيض أصبحت أنيفي ذرى الأوج كل حين أجول
فطريقي هو المجرة في السير وعند السماك دأبي المقيل
صنت نفسي ترفعاً عند قدريفكثير الأنام عندي قليل
فإذا قيل لي فلان نراهذا جميل أقول صبري جميل
وفرت همتي علي وعزميماء وجهي فسيف عزمي صقيل
قد عرفت الأيام قدماً فلماأن دهتني أتت وعندي الدليل
سلبتني بالغدر كل جميلغير فضلي ففاتها المأمول
إن هذا الزمان يحمل منيهمة حملها عليه ثقيل
يتأذى من كون مثلي كأنيأنا منه في الصدر داء دخيل
فكأني إذا انتضيت يراعابسنان على الزمان أصول
وكأن المداد إذ رقمتهأنملي والدموع مني تسيل
صبغة أثرت بحظي سواداًوأحالته وهي لا تستحيل
ليتني لو صبغت فودي منهافارعوى الشيب واستحال النصول
لا أرى أنني انفردت بهذاكل أيام دهر مثلي شكول
ولصاحب الترجمة مما نسجتها بنات أفكاره واقتطفت أيدي
المنى من يانع ثماره، قوله في مدح المرحوم أحمد باشا ابن المبرور حسن باشا أخذ الله بيده وجعل النور في مرقده:
أقدك ذا أم خوط بان به نَوْرُووجهك ذا أم بارق لاح أم بدر
وهذا وميض شمته من تهامةأم ابتسمت ليلا فبان لها ثغر
وماء عذيب أم رضاب ممزجبخمرة أجفان بها يسكر السكر
فلله أيام مضت في لذاذةوقد غفل الواشون إذ غفل الدهر
سقى الله ذاك الربع جادبه الحياوحياه غاد والغوادي به قطر
فودعت قلبي حين ودعت زينباولا عج أشواقي يضيق به الصدر
يمازج دمعي دمع ما فوق خدهاوابكي وتبكي والقلوب بها جمر
شرقت بما أجرى الدموع من الدماوقلبي خوف البين خامره الذعر
صبوت فلم يترك بي الصبر قوةإلى كم أقاسي ما أمرك يا صبر
ولم يبق مني البين إلا تصبريوجسما نحيلا قد أحل به الضر
وثهلان هجر حال بيني وبينهافمّن بها لا در درك يا هجر
تقول وقد بل الدموع خدودهاوضرج وجهاً من محاسنه البشر
إلى أين أزمعت المسير معجماًوزمت مطاياك المطهمة الغر
فقلت ذريني إنني أنا سائرإلى بحر جود من عوارفه اليسر
فتى لا يجارى في المكارم والعلىبنائله يوم الندى يقتل الفقر
أغر فتى الفتيان بدر مآثربغرته الغراء يستمطر الخير
شجاع شديد البأس قرم سميدعإذا ذكر الأجواد طاب به الذكر
سليل كرام في المكارم سبقلهم اوجه بيض وأردية حمر
مليك له عند الأنام مواهبتناقلها الركبان والبدو والحضر
لقد طار في الآفاق ذكر نوالهوهل تنكر الأنوار إذ بزغ الفجر
له صيتة في الخافقين جسيمةيعطر أردان الزمان لها نشر
وما صافحت بيض القنا مثل كفهولا شاهدت شبهاً له الخيل والسمر
إذا ما امتطى متن السلاهب غازيايقابله التأييد والعز والنصر
وإن سار يقري الطير والوحش في الفلافمن جيشه الضرغام والذئب والنسر
وأبكم أفواه الزمان نوالهأياد له لا يستطاع لها شكر
أبا حسن يا ذا المحاسن والندىويا من له فخر على من له فخر
عقلت قلوصي في حمى فضلك الذيبه تسمن الانضاء بل يهلك العسر
ولا أبتغي في ذاك إلا مفاخراًفان لم يكن فخر فلا وفر الوفر
وفي هذا البيت رائحة من كلام أبي فراس الحمداني. وسنبينه هناك ومن تتمتها:
وما ضرني ان كنت فاقد ثروةإذا كان ما قد حزته المجد والفخر
وما شانني أن كنت صفراً من الغنىولا عيب أن تعرى المهندة البتر
وهل ينقص القدر الرفيع مطاعنيفوه به الواشون إن كمل القدر
وإنا من العرب الكرام ذوي العلاوفينا الهدى والمجد والعلم والشعر
وما ضم حب المال قط صدورنافأموالنا عبد وأعراضنا حر
أبى المجد إلا أن نعيش بعزةفإن لم يكن عز فمختارنا القبر
وأنا لفينا نخوة عربيةوإن لنا جداً به ينتهي الفخر
والقصيدة الفراسية، التي هي كالشمعة المضية، وهي كما قيل كلام الملوك ملوك الكلام وهي:
أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرأما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعةولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوىوأذللت دمعا من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحيإذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوعد والموت دونهإذا مت عطشاناً فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لأننيأرى أن دارا لست من أهلها قفر
وحاربت قومي في هواك وانهموإياي لولا حبك الماء والخمر
وإن كان ما قال الوشاة ولم يكنفقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلةلإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزهافتأرن أحياناً كما يأرن المهر
تسائلني من أنت وهي عليمةفهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوىقتيلك قالت أيهم فهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشقوأن يدي مما علقت به صفر
وقلبت أمري لا أرى لي راحةإذا البين إنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمهالها الذنب لا تجزى به ولي العذر
كأني أنادي دون ميثاء ظبيةعلى شرف ظمياء حلأها الذعر
تجفل حيناً ثم تدنو وانماتراعي طلا بالواد أعجزه الخصر
وإني لنزال بكل مخوفةكثير إلى نزالها النظر الشزر
وأني لجزار لكل كتيبةمعودة أن لا يحل بها نصر
فانظر إلى ما قال والى ما سيقول فإنها تبهر الألباب فضلا عن العقول:
فأصدأ حتى ترتوي البيض والقناوأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ولا أصبح الحي الخلوف لغارةولا الجيش ما لم يأته قبلي النذر
ويا رب دار لم تخفني منيعةطلعت عليها بالردى أنا والفخر
وحي رددت الخيل حتى ملكتههزيما فردتني البراقع والخمر
وساحبة الأذيال نحوي لقيتهافلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر
وهبت لها ما حازه الجيش كلهوأبت ولم يكشف لا ثوابها ستر
وما راح يطغيني بأثوابه الغنىولا بات يثنيني عن الكرم الفقر
وما حاجتي بالمال أبغي وفورهإذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
هذا هو البيت المشار إليه سابقا وكذلك الذي قبله من الأبيات
أسرت وما صحبى بعزل لدى الوغىولا فرسي مهر ولا ربه عمرو
ولكن إذا حم القضاء على امرئفليس له بر يقل ولا بحر
وقال أصيحابي الفرار أو الردىفقلت هما أمران أحلاهما مر
يقولون لي بعت السلامة بالردىفقلت لهم والله ما نالني خسر
ولكنني أمضي لما لا يريبنيوحسبك من أمرين خيرهما الأسر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكرهولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الأذى بمذلةكما ردها يوماً بسوءته عمرو
يمنون أن خلوا ثيابي وإنماعلي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيف فيهم دق نصلهوأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونهوتلك القنا والبيض والضمر والشقر
وإن مت فالإنسان لا بد ميتوان طالت الأيام وانفسح الصدر
ستذكرني قومي إذا جد جدهاوفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا بهوما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننالنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسناومن خطب الحسناء لم يغلها مهر
أعز بنى العليا وأعلى ذوى العلىوأكرم من فوق التراب ولا فخر
وقول صاحب الترجمة في قصيدته:
وما شانني أن كنت صفراً من الغنىولا عيب أن تعرى المهندة البتر
قريب منه قول القاضي الهروي:
وليس يضر السيف إن رث غمدهورونقه في المتن والحد مقضب
وما يضع السباق عري وخلةولا يرفع المسبوق جل ومركب
وما يستوي الشخصان هذا مصعدإلى المرقب الأعلى وهذا مصوب
ويشتبه البرقان هذا مبشربغيث وهذا كاذب اللمع خلب
ولأبي سعيد الرستمي من قصيدة:
ولا غرو أن أعرى وذو النقص ساحبعلى الأرض أذيالا من الحبرات
تكن النشاشيب الجعاب ولا ترىطوال الردينيات غير عراة
ومنها قوله:
أغرك مني يا ابنة القوم أننيمقيم على الأدواء واللزبات
وأن بني الدنيا تقاسم فضلهاوان وطائي دونهم صفرات
وما ذاك نقص أنني لو علمتهعيون القذى منها أبي أباة
ألم تعلمي إن المكاكي تغتدينشاوي خلال الروض والربوات
وإن البزاة البيض يمضين جوعامخافة عذر أو معاف قذاة
ولصاحب الترجمة في مدح الوزير المرحوم ايضا:
هل من مجير مسعديمن لحظ ظبي أغيد
ومن صدود غادةتخلفني بالموعد
مكانها من مهجتيمكانها من جسدي
لحاظها فتاكةترمي بها في كبدي
كم من شجي قتلتبصدها ولم تد
ولم يزل من هجرهاقلبي بجمر موقد
أصمت فؤادي ذا الهوىولم تعاهد معهدي
مالي أراها غصبترق المعنى المكمد
وليس ذاك حقهابل قد أتت باللدد
وإنما الأولى بهشرعاً وعرفاً ذو اليد
الماجد القرم الذينظيره لم يوجد
أعني الوزير المجتبىسمي طه أحمد
رب العلاء والبهاء والعلى والسؤدد
فتى الكفاح والصفاح والرماح الأود
هو الإمام المقتفيإثر أبيه الأصيد
قد مهد الملك لنانفديه من ممهد
مشهور فضل وندىكسيفه المهند
ليس له غمد سوىهامة كل معتدي
كم فرق فرقهابعزمه المؤيد
كم عصب جمعهابرأيه المسدد
فيا له من صارمعلى العدى مجرد
فلاق هامات العدىقامع كل معتدي
مقتحم نار الوغىإلى سناها مهتدي
سباق غايات العلىبالمكرمات مرتدي
بحر نوال قاذفدراً لكل مجتدي
له يد مذ خلقتعلت على كل يد
عطاؤه معجللا آجل إلى غد
لا غرو إن فاق الورىفي كرم ومحتد
فالمجد أرث جدهثم أبيه الأمجد
لا بل له من نفسهغنى عن المسود
أخلاقه منبئةعن مجده المشيد
أعداؤه من بأسهأمست بعيش نكد
وأولياؤه غدتفي خفض عيش رغد
فرض علي مدحهوهو أجل مقصدي
وقف عليه فكرتيفغيره لم احمد
ولم يجل يوماً سوىمديحه في خلدي
وكيف لا وهو الذيغمرني بالرفد
وجاد لي حتى لقدأكمد قلب حسدي
نعم وأعلى رتبتيمن فوق فرق الفرقد
حتى سلوت عندهأهلي ومن في بلدي
وليس عندي ما بهأجزي جناب سيدي
سوى دعاء خالصفي جنح ليل أسود
أقول يا مولى الورىيا أحداً لم يلد
زده على وكن لهيا رب خير منجد
بحق طه المصطفىشفيع يوم المورد
وآله وصحبهذوي التقى والرشد
وله فيه لما أغار على آل قشعم، وهزمهم وفر شيخهم صقر واستلب أموالهم. وسبقه إلى الهيجاء وتخلف جيشه عنه في مقابلة الأعداء:
أغرت مغاراً فيه اكرم مغنموحزت فخاراً فيه كل التكرم
علوت متون السابحات على الونيوخضت غماراً دونها الحق يهزم
وكم طلبوا رداً لما كنت عازماًفلم تنثن والعزم أكرم ملزم
فجردت عضبا من علائك ما ضيابعزم كبيض الهند لم يتثلم
سبقت إلى الهيجاء جيشاً تعودتقراع العدا من كل قرم ملثم
إذا ما دجى ليل من الخطب دامساًففي البدر مغنى عن مسارج أنجم
فان كنت قد لاقيت فرداً فإنماوجودك يغني عن خميس عرمرم
أتيت وبعض السمر يقرع بعضهافطاحوا حيارى باليدين وبالفم
وكحلت جفنا بالسهاد مجالداوأدأبت جسماً لم يزل بتنعم
ومثلك من يبغي فخاراً وسؤدداًيبيت ويضحي فوق أشهب شيظم
نعم هكذا نيل العلى واكتسابهافان المعالي لا تباع بدرهم
قطعت إليهم كل بهماء مقفروجبت فلاة بالردى تتكلم
فلاة يذيب الصخر وقد هجيرهاوحر به الأحشاء كالنار تضرم
بواد بها آل يموج ملامعايحار بها الساري كبحر غطمطم
حرور كنار الوجد يعلو اضطرامهكقلب محب مستهام متيم
فصبحهم كالموت نبّر خافياًفضلوا حيارى بين نصل ولهذم
وشاموا بروقاً من سيوفك أمطرتسيول منايا من رواعيد مخذم
عقاب الوغى لما بدا طار صقرهم«لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم»
فخلوا لك الأموال من كل تالدومكتسب عن كل شاء ومنسم
تركتهم رهن العوان بقاتمشديد النوى في شر عيش مسخم
ولم تتركن شيئاً لهم غير أنفستسيل على آماقهم مثل عندم
أتيت بما يؤتى السميع تعجباويدهش عقل الفارس المتقدم
فلا زلت منصور اللواء مظفراًتدين لك الدنيا بعرب وأعجم
ومن نظمه الرائق ومنظومه الفائق أرجوزة أرسلها الى ابن عمه الآتي
ذكره السيد خليل البصيري وهي:
الحمد لله العزيز الغالبالناصر الممد ذي المواهب
المانح الجزل العميم الطولالدافع الضر الشديد الحول
تبارك الله تعالى شانهوعز جاراً وعلا سلطانه
سبحانه يفعل ما يشاءهيهات أن يحصى له ثناء
هو اللطيف بالبرايا سرمداحاشاه ان يترك أمرهم سدى
يخص بالرحمة من عبادهمن شاء فضلا منه في إسعاده
ثم من الصلاة ما قد كملاعلى نبي السيف سيد الملا
الهاشمي هازم الأحزابمحمد مقسم الأسلاب
وآله فرسان مضمار الوغىوصحبه سبق حلبة الهدى
ما قامت الحرب وثار الرهجوسلت الظبا وسالت مهج
كل شطر من هذه الأبيات عن براعة الاستهلال عبارة، بل في كل كلمة عن ذلك المقصد إشارة. فإن هذه الرسالة في وقائع نادر شاه ومحاصرته الموصل ورحيله عنها، وعدم نيل مرامه منها. وكانت تلك الوقائع مما تشيب الأطفال، وتقلع الجبال.
فضلا عن التلال ومنها:
ثم سلام من محب نائيواكمل الثناء والدعاء
إلى النقاب الفاضل الهمامالعالم الحبر الرضي القمقام
عف الإزار طاهر الثيابسلالة الأطهار والأطياب
السيد السميدع الجليلحلمي وخدني صاحبي خليلي
علامة الدنيا قريع دهرهمن لا يبارى من وحيد عصره
لا زال فارعاً ذرى الكمالمقتعداً غوارب الآمال
وبعد عرض صورة الأشواقوبث بث البين والفراق
فالغرض الأصلي فحص الحالوالبحث عن كيفية الأحوال
وكيف ذاك العنصر اللطيفالأطيب المطهر الشريف
لا زال في حفظ الإله دائماوفي مقام الفضل طوداً قائما
ثم أيا من حبه أودى بيومن حوى أقصى مدى الآداب
فان تعطف الجناب الساميبالفحص عن أحوال ذي الهيام
فانه في غمرة لا تنجليإلا إذا شاء المهيمن العلي
فكيف لا والوجد قد عنانييثني كما يريد من عناني
وفرقة الأحباب والديارأخنت على جسمي واصطباري
والله مأمول لجمع الشملفإنه ولي كل فضل
فبينما أفحص عن آثاروأتلقى جلب الأخبار
إذ ورد الكتاب أسمى الكتبمن شيد حوى فخار العرب
أي كتاب عقد در نظماوروض آداب غدا منمنما
أي كتاب عقلة المستوفزقرة عين عدة المستنجز
يحكي الهواء رقة والماءالطافة وقد سما سماء
مضمونه يعرب عن خفض العداوما أصابوا من عوامل الردى
وما أتاح الله من تأييدوالظفر الباهر والتسديد
فهز من عطف النشاط والجذلوفرح القلب الكئيب المختبل
فصار للانام عيداً آخراكلا تراه حامداً وشاكرا
على انجلاء غمة البلاءبفضل ذي الألطاف والآلاء
ومما يأتي من هذه الأرجوزة، ونشوة هذه الشمطاء العجوزة، بعض ما وقع من أحوال ذلك الخارجي مع أهل الموصل بقوله:
وذاك أن صاحب الاعجامحاصرهم بجيشه اللهام
باللجب العرمرم الكماةيطلب بالذحول والترات
فأعضل الأمر وأعيى الراقياوبلغت من همه التراقيا
جاءهم من فوقهم والأسفلبجحفل كظل ليل أليل
شبوا ضرام البأس والكفاحما غادروا ضربا من النقاح
رموهم بنارهم أسبوعاوهجموا عليهم جموعا
نار وما أدراك صاح ماهيهنار لظى تضرم ناراً حاميه
صواعق قوارع قواصفرواعد طوارق رواجف
فاضطرب الحبل وجل الخطبواستفحل الداء وجل الكرب
وإنه سبحانه جلاهاإن إلى ربك منتهاها
ردوا بغيظ لم ينالوا خيرانعم أصابوا ضرراً وضيرا
إذ باد باللغم لهم ألوفوذا سوى ما نالت السيوف
وكانت النيران مثلها على الخليل برداً وسلاماً لم تزل
كفاهم سبحانه القتالاوكف عنهم ما دهى تعالى
هذا وما قد دفع الله من البلاء قد كان عظيما وأجل
ونسأل الله تمام النعمةمن طوله ودفع كل نقمة
فهو ولي الفضل والأنعامذو العز والجلال والإكرام
والحق أن هذه إحدى الكبروأبدع البدع وأم للعبر
فيا لها من وقعة لم تسبقإلا بأحزاب بيوم الخندق
وكان رمي تلك بالأحجاروصار رمي هذه بالنار
لله قومي من رجال صبرعلى المضاض في البلاء الأكبر
ما ريع منهم أحد كلا ولاغرتهم الفشلة من بأس العدا
كل يقول حبذا يوم اللقاونعم ما يوم لنا يوم الوغى
تلقاه منشدا لذي البرازأبلغ ما قيل في الارتجاز
«أنا أبو برزة ان جد الوهلوليس فينا زمل ولا وكل»
«نحن بنو الموت إذا الموت نزلوالموت أحلى عندنا من العسل»
إذ وطنوا الأنفس للحتوفوأخذوا قوائم السيوف
يجاهدون في سبيل اللهبالمال والنفس بلا إكراه
يقون بالبيض وأطراف الأسلعرضاً مصوناً ليس فيه من خلل
محاذرين خطة الهوانوسوم خسف من ذوي العدوان
حتى قضى الله لهم بالفرجوعاجل الفلج ودفع الحرج
ردوا وجوههم بحر الضربوأورثوا بهم سعير الحرب
فقهقروا نكصاً على الأعقابعلى احتذاء غزوة الأحزاب
بصفقة خاسرة واليأسوخيبة من ظفر ببأس
إذ رتعوا في مرتع وبيلوطمعوا في مطمع ثقيل
غرتهم الأمان والأمانيإذ جعلوا القاصي مثل الداني
ما كل سوداء بتمرة ولاحمراء جمرة إذا جد البلا
لله درهم على ما فعلواوأي مجد وطدوا وأثلوا
ناهيك من ذخر أتم الذخروحبهم ذا الفخر أنمى فخر
لا سيما قائدهم حسينذاك الذي ما فيه قط شين
ذاك الوزير الأصيد المشيعالبطل الضرب الهزبر الأشجع
الرابط الجأش لدى اللقاءعند اشتجار السمر في الهيجاء
فإنه الأصل لهذي المفخرهبل تنتهي إليه هذي المأثره
لأنه رئيسها ورأسهاونجمها الوضاح بل نبراسها
لله دره يهون الحتفعليه إن لاح عليه خسف
بجده أنقذ أهل الموصلمن فتك ذي ضغائن مستأصل
فلمّ عنهم ظفر الأعداءوفلّ عنهم غرب ذاك الداء
عليه عين الله من أميرصاحب رأي صائب خبير
ذو غير يحمي الديار كالعربيسطو بعضب قائم بلا رهب
فيا له من ذي غناء كافلأخلق به قرما بقول القائل
«نفس عصام سودت عصاماوعلمته الكر والإقداما»
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع