من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الشام ونواحيها لا زالت طيبة العرار والبشام
وهي كما علمت من عهد أن دخلتها العرب، موطن كل أدب، لك فيه الأرب. وقد أنجبت في كل وقتٍ وأوان، بقادةٍ كل كلمةٍ منهم بديوان. حتى أرانا الله بقاياهم، وأطلعنا على خبايا زواياهم.
فهم أئمة الفضل المتوجون بتيجان اللطافة والملاحة، وهم مطمح أنظار الأمل، فما غيرهم قيد العيون اللماحة.
بهم تفضل أهل البلاد، وتصعد إلى أفق الثريا، وبهم يمس بستان الفكر بعد ظمائه ريًّا.
فلا غرو أن قام بهم شعار الأدب وثبت، وغرس في قلوبهم شجر المحبة فسقي ذلك الغرس بمائها فنبت. وكللت حياض طروسهم الزاهية بجواهر كلامهم وكمالهم، وزينت بعقيان الدر من منطقهم المترجم عن حقائق أحوالهم وأقوالهم.
فمنهم: أبو بكر بن منصور العمري قدمت هذا الشيخ رعايةً لاسمه، مع أني أعلم أن له القيام على حد الأدب ورسمه. فهو الذي خاض في لججه أتم الخوض، وتفنن في أقسامه تفنن الأزهار في سرحة الروض.
إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميادة. وإن انتدب لوصف الحميا والكاس، أنسى ذكر خمريات أبي نواس. وإن رثى عم مراثي أبي تمام، وأملى نياحة الفرخ على الحمام.
فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس، واصلح إذ جد وهزل من ابن حجاج وابن عبد القدوس. له فكرة في النظم صافية، ما عوقت له قط قافية. فإذا أملى من نظمه قطعةً واختالها من روض الجنان مقتطعة، لم ينته له إسراع، ولم يجف له في يده براع.
وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنه ما خالط اللحم والدما
وقد حلب الدهر أشطره، وملأ كتاب عمره أسطره. وحادث أحداثه، وبذ كهوله وأحداثه.
وأخبرني والدي، قال: رأيته ولحيته أنقى من الفضة، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضة. ومع أن السنين لاكت قواه، لم يزل مع الركب اليمانين هواه.
ومضى زمنٌ وأدباء الشام به يحتفلون، ويحكم بينهم فيما هم مختلفون. وبلغني أنه كان يحضر السوق، وهو من كسب يمينه على جانبٍ من الوثوق عاملاً بالأثر: " لو كنت تاجراً لاتجرت بالطيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه ".
فانظر إلى ما ساقه كساد سوقه، وضيعة حقوقه. على أن له في سوقه الفضلاء أسوة، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة.
هاتان الفقرتان للباخرزي، احتجتهما، ففي هذا المحل أدرجتهما.
قال: وهم؛ نصر بن أحمد الخبزرزي، وأبو الفرج الوأواء الدمشقي، والسري الرفاء الموصلي.
قلت: وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة، كان من تقدمهم من الأدباء عندهم سوقة.
أما نصر، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته.
وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحاً وغادياً، ويتغنى عليها منادياً.
وأما السري، فقد كان يطرز الخلق، ويرفأ الخرق ويصف تلك العبرة، ويزعم أنه يسترزق الإبرة.
وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة، والصنعة لا تنجو من صرعة، والبضاعة لا تسلم من إضاعة، والمتاع ليس لأهله به استمتاع.
وأخبرت أنه كان سموحاً بما ملك، متخلياً عن الإمساك أيةً سلك. يضم يديه على النقدين، فلا يمسي إلا وهو منها صفر اليدين. وقضى عمره في بلهنيةٍ هنيةٍ، أغصان عيشها ما زالت جنية. لم يغادره بؤس، ولم يكدره يومٌ عبوس. بين رياضٍ مهزات نبتها ريانة، وغياضٍ أساجيع أطيارها مرنانة.
وقد وقفت من أشعاره الغضة التحف، ما به ديباجة كتاب اللطائف والبدائع تحف. فأوردت منه ما يهز له الشيخ عطف غلام، ولا يدرى أسحرٌ هو أم كلام.
فمنه قوله:
لو تم لي في الحب سعدييا حب ما أخلفت وعدي
لكن مقادير القضاء كأنها حكمت ببعدي
أو حظُّ كلِّ متيمٍمن حظه يرمَى بطرد
يا غائباً في القلب مننيران فقدك أيَّ وقدِ
ما كنت أدري قبل بعدك أن سهم جفاك يُردي
صدِيَت لرؤيتك العيون علام ترميها بصدِّ
يا سيدي إن كان ليذنبٌ فقل أخطأت عبدي
ما خنت عهدك في المحبة كيف حتى خنت عهدي
كلا ولا أفشيت سرَّهواك والأسرار عندي
ولهي بحبِّك لم يزلولهي ووجدي فيك وجدي
أرضى بأن أفنَى وتبقى أنت يا مولاي بعدي
أخفيت حبك في الفؤاد فخطه دمعي بخدِّي
وعدا على جسمي النحولُ فعاد للأسقام يُعدي
محن الهوى جمعت عليَّفلست أحصيها بِعَدِّ
فالسُّقم يشهد والدموع بوحدتي في العشق وحدي
يا بدر سل عني السُّهاإن السُّها أدرى بسهدي
وابعث رسول الطيف يسمع ما أعيد له وأبدي
آهاً على زمنٍ مضىلو كان قولي آه يجدي
أيام وصلٍ منك لمتقطع ولم توصل بردِّ
والشمل يجمعنا علىحبٍّ يودُّ بصدق ودِّ
وأضمُّ منك معاطفاًبردت جوى وجدي ببردِ
وتميل إذ تهوي إلىنحوي وجيدك فوق زندي
وتقول عجباً هل يرىمثلي وأهل الحسن جندي
والشمس والبدر المنير سناه جاريتي وعبدي
والغصن يقصف قدُّهإن قاس قامته بقدِّي
ومنحتني منك الوصال تبرعاً وهجرت صدي
فجعلت وجهك حضرتيوحديث راح لماكَ وردي
وعلمت لما بان روضُ الوجه أن الخدِّ وردي
وشهدت لما ذقت طعم الريق أن الثغر شهدي
والفرق يشرق صبحهفي ليل فرعٍ منه جعد
فأطعت فيك صبابتيوعصيت لوَّامي وزهدي
وقضيت أوطاري وقدغفل الرقيب فنلت قصدي
والخصر أتهمني بأنيبتُّ في أكناف نجدِ
والردف زاد وقد تكفل منةً منه برفدي
أحبب بتلك ليالياًقد أشرقت ببدور سعدي
فسقا معاهد للصباصوب العهاد بكلِّ عهدِ
وسرت بها روح الصَّباسحراً فأوحيت ميت بعدي
وقوله من قصيدة مستهلها:
إن خلعنا على العذار العذارالم يكن ذاك في المحبة عارا
منها:
بأبي من جآذر التُّرك ظبياًترك الأُسدَ في هواه أُسارى
بابليُّ اللِّحاظ منها ترى النَّاس سكارى وما هم بسكارى
قمرٌ فوق بانةٍ يتجلىلا خسوفاً يخشى ولا إهصارا
تخذ الطَّرف منهلاً عند مسراه ولكن تبوأ القلب دارا
قد علمنا أن القدود غصونٌفلماذا أقلت الأقمارا
وعهدنا البدور في الليل تسريكيف حتَّى غدت تسير نهارا
وعجبنا لوجنةٍ تشبه النار ضراماً وتنبت الجلَّنارا
يا لها وجنةٌ حكت جنة الحسن ومنها الفؤاد آنس نارا
ومنها:
قدِّم الرَّاح يا نديمي لعلِّيأعقر الهم إن شربت العقارا
وأجِل كاساتها عليَّ وزمزمباسم من صير العقول حيارى
قهوةٌ مثل دمعة العين في الكاس صفاءً فالليل زاد اعتكارا
وأدرها إذا النجوم تجلتوشهدنا من زهرها الأنوارا
وكأنَّ السماء روضة حسنٍأطلعت في مقامنا أزهارا
والثُّريا كأنها في الدُّجى غيدٌ تلَّفعن بالشُّعور عذارا
وكأن الهلال يحكي وقد لاح من الغرب زورقاً أو سوارا
فاسقني من يديك حتَّى ترى الفجر عن الصُّبح قد أماط الإزارا
وصل الليل بالنهار فإن العيش أهناه ما يكون جهارا
في رياضٍ حكى بها الزَّهر والورد النَّضيران فضَّةً ونُضارا
وكأن الأقاح فيها ثغورٌعن غوالي الجُمان تبدي افترارا
وحكى النَّهر مَعصماً وسواراًيتلوَّى وأرقماً سيَّارا
فاترع الكأس لا عدمتك صرفاًفعلى الصِّرف نصرف الأعمارا
ثم زد ما استطعت حتى ترانيقد خلعت الوقار والبيقارا
واعتقد أنها حرامٌ ووزرٌلا توافق يهودها والنَّصارى
واسأل العفو فالكريم رحيمٌقابل التوب يغفر الأوزارا
وله في الغزل:
سيِّدي مذ غبت عن نظريلم أفق من خمرة الكدر
أحسب الصُّبح العشا أبداًفنهاري أوَّل السَّحر
لم تمل روحي إلى وطنٍلا ولا قلبي إلى وَطَرِ
سل نجوم الأفق عن قلقيفعسى تنبيك بالخبر
لا وعينٍ فيك راقدةٍلم تذق عيني سوى السَّهرِ
أيُّها البدر الذي حجبوانوره الوضَّاحَ عن بصري
لو ترى حالي بكيت علىقلبي المسجون في سقَرِ
كدت أخفى من ضنَى جسديعن عيون الجنِّ والبشر
للشعراء في وصف نحول العشاق مبالغات غالبها محمولٌ على الإغراق، ومن أبلغها قول أبي بكر الخالدي:
مهدَّدٌ خانه التفريق في أملهأضناه سيِّده ظلماً بمرتحله
فرقَّ حتى لو أنَّ الدَّهر قاد لهحيناً لما أبصرته مقلتا أجله
وأعجب منه قول أبي الطيب:
ولو قلمٌ ألقيت في شقِّ رأسهمن السُّقم ما غيَّرت من خطِّ كاتب
وغريب قول التمار الواسطي:
قد كان لي فيما مضى خاتمٌّواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجَّ بيفي مقلة النَّائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعدهأتلفته إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتَّشت عليهكفَّك في الفرش لم تجده
وقول أبي الفضل بن العميد:
لو أنَّ ما أبقيت من جسدي قذًّىفي العين لم يمنع من الإغفاء
وللعمري:
يا من يفوِّق لحظهسهماً بسحر الهدب راشَهْ
أفديك ما ريمُ الصَّريمِ فذاك ينسب للوحاشَهْ
يرعى من الأرض الحشيش وأنت مرعاك الحشاشَهْ
أجاد في التنظير، وأربى على قول الآخر:
يرعى القلوب وترتعي الغزلان بروقه وشيحه
والبروقة: شجيرة تخضر إذا رأت السحاب؛ وذلك قولهم: " أشكر من بروقة ".
وعلى هذا المعنى حمل قول أبي الطيب:
أغِذاءُ ذا الرَّشاءِ الأغنِّ الشِّيحُ
بعد قوله:
جللاً كما بي فَليكُ التَّبريحُ
يقول: ليكن تبريح الهوى عظيماً مثل ما حل بي، أتظنون أن من فعل بي يغتذي الشِّيحَ؛ ما غذاؤه إلا قلوب العشاق! وبه يتناسب شطرا البيت.
وله غلام بحنكه طابعٌ تمَّت به محاسنه، وكأنما هاروت ساكنه:
غصن بانٍ بدر دجًىيتجلَّى من أعالي فلكه
قد حمى برد اللَّمى من ثغرهطابع الحسن الذي في حنكه
نصبت ألحاظه لي شركاًجلَّ من أوقعني في شركه
قوله: قد حمى إلخ يحتمل أن حمايته من جهة أنه كالخاتم، ختم به على برد اللَّمى، ويحتمل أن يكون حماه لكونه كالحفرة في طريق من يريد رشف لماه، فيخاف من الوقوع؛ وهذا تخيُّلٌ حسن.
وأحسن منه قولي:
وطابعه جبٌّ يُرَى ألف يوسفٍبه واقعاً من قبل رشفة ريقه
والطابع كالخاتم: في الأصل ما يطبع به، ولم أر إطلاقه على النقرة المعهودة، وإنما اسمها في اللغة: نونَة.
قال ابن الأثير في نهايته: وفي حديث عثمان ﵁، أنه رأى صبيَّاً مليحاً، فقال: دسموا نونته؛ كي لا تصيبه العين. أي سودوها، وهي النقرة التي تكون في الذقن.
وقد استعمل صاحبنا الأديب البارع إبراهيم بن محمد السفرجلاني النُّونة، وأجاد في تشبيهها جداً، من أبيات أنشدنيها من لفظه، وبيت النُّونة منها قوله:
وإن أشبه التُّفَّاح خدِّيَ حمرةًفلي نونةٌ تحكي مناط عروقه
والأبيات هي هذه:
بروحي ساقٍ قد جلا تحت فرعهجبيناً كبدر التِّمِّ عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأساً من الهوىفأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بِكرَ المعاني تغزُّلاًفلي منظرٌ يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الرَّوض إذ باكر الحياجَنيَّ أقاحيه وغضَّ شقيقه
وإن أشبه التفاح....إلخ.
ثم أنشدني المذكور معنًّى اخترعه في تسويدها، وذلك قوله:
خافوا من العين ترميه بنظرتهافقلت ميلوا إلى تسويد نونته
قالوا نسوِّدها بالطِّيب قلت لهمالطِّيب من غيره أحرى بجونته
وكنت أظن أن وصف الطابع ليس بالموجود في شعر المتقدمين، حتى رأيته في شعر فخر الدولة أبي المعالي، من شعراء الخريدة، حيث قال في غلام اسمه يوسف:
أيا قمراً جار في حسنهعلى عاشقيه ولم ينصفِ
سمعنا بيوسف في جبِّهولم نسمع الجبَّ في يوسفِ
ثم رأيت الخفاجي ذكر في كتابه شفاء الغليل: جبُّ يوسف مولَّد، معناه نقرة الذقن. وأنشد البيتين.
ثم قال: ويقال له خاتم الحسن.
وأما النقرة التي تكون في الخدين عند التبسم، فقد استعملها كشاجم في أبياته المشهورة، وهي:
هذا الذي سجد القضيب لقدِّهصنمٌ لعابد فتنةٍ لاهوت
في ناظريه إذا تبسَّم ضاحكاًسحرٌ وجوهر خدِّه ياقوت
حفر التبسُّم فيهما جُبَّين فيذيَّاك هاروتٌّ وذا ماروت
وأما اسمها فقد رأيت المقري ذكر في تاريخه ناقلاً عن ابن عليم، أنه قال في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبة: أغربت جاريةٌ لمجاهد العامري، أهداها إلى عباد - قلت: وهي العبادية، وكانت كاتبةً شاعرة - على علماء إشبيلية، بالنُّقرة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث، وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في الذقن فهي النونة، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منهما واحدة.
وللعمري في دخان التبغ:
مذ أحرقت نار الصَّبابة مهجتيوأتى العذول يسلُّ عضب لسانه
بادرت بالغليون تمويهاً لهوسترت عنه دخانها بدخانه
ومثله للحرفوشي:
لعمرك لم أهو الدُّخان ولم أملإليه لألقى نشأةً وتطرُّبا
ولكنني أخفي به عن مجالسيدخان فؤادٍ بالغرام تلهَّبا
وقريبٌ منه قول الفتح بن النحاس:
وأرى التَّولُّع بالدُّخان وشربهعوناً لكامن لوعة الأحشاء
فأديم ذلك خوف إظهار العدىفأشيبه بتنفُّس الصعداء
وله في تشبيه الثلج:
انظر إلى الروض الأريض وحسنهوموائس الأغصان مثل الخرَّدِ
والثلج فوق الصُّفر من أوراقهشبَّهته تشبيه غير مفنَّدِ
ببرادةٍ من فضَّةٍ مبثوثةٍفوق الصَّحائف من نضار العسجدِ
ولي في هذا المعنى من مقصورة:
والثَّلج كالقطن أجاد ندفهقوس السَّحاب فوق حلَّة الرُّبى
كأنَّه برادة الأفلاك منكثرة دورها بقبَّة السَّما
وله في وصف جواد:
ربَّ طرفٍ من العتاق كريمٍيسبق البرق حالة الإيماض
لو جرى والجنوب في الجوِّ تسريعلَّم الرِّيح كيف قطع الأراضي
أو سرى مع دعاء آصَفَ بالعرش لكان البشير بالأغراض
وله مثله:
طرفٌّ يفوت الطَّرف في لمحاتهسبقاً ويهزأ بالظَّليم النَّافر
بالبرق يظفر إن أراد لحاقهوالبرق ليس إذا أراد بظافر
وكأنه آلى ولم يك حانثاًأن لا يمسَّ الأرض منه بحافر
وهذا من قول خلف الأحمر في صفة جواد:
وكأنما جهدت قوائمهأن لا تمسَّ الأرض أربعة
وزاد عليه شمس الدولة بن عبدان في قوله:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثَّرىفكأنَّه في جريه ومتعلِّق
وهذا الباب مما بالغت فيه الشعراء كل المبالغة، فمن ذلك قول ابن نباتة السعدي:
لا تعلق الألحاظ من أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول ابن حمديس الصقلي:
يجري فلمع البرق في آثارهمن كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعةً من ظلِّهلو كان يرغب في فراق رفيق
وقد جمع ابن حجاج في مرثية فرس له فأوعى، ودعا فرسان البلاغة فأجابته طوعاً، حيث قال:
قال له البرق وقالت له الرِّيح جميعاً وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لاإن شئت أضحكتكما منكما
هذا ارتداد الطَّرف قد فتُّهإلى المدى سبقاً فمن أنتما
وقلت على أسلوبهم في المقصورة:
وفدفدٍ طويته بضامرٍيسابق البرق ويسبق القضا
يقبض رامي سهمه عنانهخشية أن يصيبه من القفا
وأجرى جواد كان للعرب أعوج، الذي يضرب به المثل، وهو فحل كريم، كان لبني هلال بن عامر، وأنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟ فقال: ضللت في باديةٍ وأنا راكبه، فرأيت سرباً من القطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة.
وهذا أغرب شيءٍ يكون؛ فإن القطا شديدة الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير الماء. وأغرب من ذلك قوله: كنت أغض من لجامه، ولولا ذلك كان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة.
وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيراً، وقد جاءتهم غارة فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له: أعوج.
وللعمري، ويخرج منه اسم نعمان:
لله ما عاينت من روضةٍغنَّاء قد قرَّت بها عيني
حوتان لم يختلفا صورةًحفَّا بماءٍ سال من عيني
وله في اسم كريم:
أهواه حلو الدلال ألمىقد لذَّ في عشقه العناء
ريقته للرحيق تعزىوكم بها للظما دواء
وله في اسم ولي الدين:
ليالٍ بُعَيْد التنائي دنتولانت ولي عزَّ إصلاحها
وعين العدى سكِّرت بالعمىوعزَّ ضياها ومفتاحها
ونقل له عن باقي، شاعر الروم، ومميزها بين السادة القروم. أنه نظم أبياتاً تغزل فيها بصبي صبيح، كما هو تهوى الأنفس مليٌّ مليح. فلما وعاها الغلام استبدعها، واستحفظها خزانة لبه واستودعها. وبلغ باقي، أنه قال: قبلتها، ولو ظفرت برجل قائلها قبلتها.
فقال باقي: إن كان نوى جميلاً لأجلي، فليقبل فمي لأنني به نظمتها، لا برجلي.
فنظم العمري هذه المقالة في قوله:
قال لمَّا وصفته ببديع الحسن ظبيٌ يجلُّ عن وصف مثلي
مكِّن العبد أن يقبِّل رِجلاًلك كَيْما يجيز فضلاً بفضل
قلت أنصف فدتك روحي فإنيبفمي قد نظمته لا برِجلي
ومن هذا قول بعضهم:
شافه كفِّي رَشَأٌبقبلةٍ ما شفت
فقلت إذ قبَّلهايا ليت كفِّي شفتي
وللشاب مظريف:
ومقبِّلٍ كفِّي وددت بأنهأومى إلى شفتيَّ بالتَّقبيل
ولأبي منصور عبد العزيز بن طلحة بن لؤلؤ:
سألته قبلةً فبادر بالتَّقبيل مستبشراً إلى قدمي
فقلت مولاي لو أردت بهاسرور قلبي جعلتها بفمي
فقال كلا للعبد منزلةٌلزومها من حراسة النِّعم
إبراهيم بن محمد الأكرمي الصالحي شاعر الزمان، وشمامة الندمان. ومن إليه يصبو القلب ويحن، وبتذكره ينثني غصن البراعة ويرجحن. ففي أوصافه مشمٌّ للروح عبق، ولطف يروق به كأسه المصطبح والمغتبق. فروض وده غضٌّ، وعرضه الطاهر لا ينال منه ولا يغض.
ومدامة طبعه لم يهنها عصار، وشفوف فكره لم يحتمل منة قصار. مع ماله من أخلاقٍ أقطعها الروض أنفاسه، وشيمٍ ينافس فيها رغبةً ونفاسة.
وأدبٍ دار به رحيق البيان المعتق، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتق. ينشر منه ما هو أزكى من النشر في خلال النواسم، بل أحلى من الريق يترقرق من خلال المباسم.
ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا. بين روض من خلقه خلق، ونسيم عرفه بشمائله علق.
جلاليب نشوته صفاق، وأردية شموله وصباه رقاق. لا ينتعش إلا بغرة رقراق الشباب الغرير، ولا يولع إلا بطرة الظل فوق وجه الغدير.
فهنالك بين الغصن والصبا، والقطر وزهر الربى. ولَّد آدابه التي هي عبارة عنها، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها.
وقد جمع شعره في ديوان سماه مقام إبراهيم، في الشعر النظيم. أكثره روضيات يغض عنها وشي الخميلة، وغزليات يتستر عندها نقش الغانية الجميلة. وخمريات صيغت مداماً فهي للمسامع مشروبة، وحكميات أبياتها أمثالٌ في الدنيا مضروبة.
وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه، حتى كأن الحبيب يتنفسه. ويعبق روحه، حتى كأن فوح الزهر فوحه.
قال في ديباجته: هذه نبذة من شعرٍ سمح به الخاطر على جموده، وتوقد به الفكر على خموده. وإن كنت في زمنٍ العاقل فيه خليقٌ بالصَّمت وإن أداه إلى المقت.
ذهب جلُّ الناس، وأين الزِّعنفة من الرأس.
لا يجاز فيه شاعرٌ، ولا يكرم أديبٌ ماهر.
غير أن حبَّ الأدب في الطِّباع، وهو داعٍ إلى الاتِّباع.
اتِّباعهم في التراكيب والبِنا، لا في الإجادة لعدم الغنا.
ذهبت الإفادةُ، فكيف بالإجادة.
ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور، وذنبه فيما أتاه مغفور.
إذ أُرتِج باب البواعث والَّدواعي، بانقراض أهل الكرم والمساعي.
جوائز الأُمرا، إجادة الشُّعرا.
ولذلك قلت بغير امْتِرا:
قالوا أجاد البحتريُّكما أجاد أبو نواس
فأجبت كانوا في أناسٍ هم ولسنا في أُناسِ
وإذا نظرت فما أجاد سوى المواهب في القياس
ومما جردته من ديوانه قوله من مقصورة مطلعها:
حيِّي الحيا معهدنا باللِّوىحيث هوى النَّفس وغيُّ الصِّبا
وجاده كلُّ هَطولٍ سرتتحدو به في الأفق ريح الصِّبا
ليلته حتى بدا صبحهافأقلعت ديمته فانجلى
وقد أشاع الخصب في أرضهفأصبحت تزهو بزهر الرُّبى
ومدَّ فيها حبراً وُشِّيتبالنَّبتِ قد كلِّل منها النَّدى
وغادر الغدران في ربعهاتغصُّ بالعذب النَّمير الرَّوا
ولا جفا نجداً ولا حاجراًكلُّ هزيم الودق هامى الحيا
منازلاً واهاً لأيَّامهاكانت مظنَّات الصِّبا والهوى
حيث الأماني طوع آمالناوالسَّعد عبدٌ طائعٌ والمنى
لله أيامٌ تقضَّت لنابين ذرى الجزع وسفح اللوى
ما كان أهنأ عيشها ليتهدام وليت العمر فيه انقضى
مرَّت كنجمٍ قد هوى ساقطاًلم يعتلقه الطَّرف حتى اختفى
يا هل معيدٌ لي عيشاً بهاهيهات لا يرجع شيءٌ مضى
ليت ليالينا وأيامناكانت لليلات ألالٍ فدا
ويلاه من سرعة تفريقناوشَتِّ شمل الحيِّ بعد النَّوى
وآه من وقفة تشييعهموقد شرقنا كلُّنا بالبكا
وسارت العيس بأحداجهمواستودعوا فيها بدور الدُّجى
من كلِّ هيفاء إذا ما بدتتختال أذرت بغصون النَّقا
خافقة القرطين رُعبوبةٍرادِ الوشاحين أناةِ الخُطى
رخيمة الدَّلِّ إذا ما بدتتسحر باللَّحظ عقول النُّهى
ما ظبية البان على حسنهاإذا تبَّدى جيدها والطُّلا
وظبيِ إنسٍ زارني طارقاًوالبدر لا يبديه إلا الدُّجى
بات يعاطي الرَّاح من ثغرهممزوجةً بالعسل المجتنى
أشتمُّ من ريحان أصداغهوأجتني باللَّحظ ورد الحيا
وأجتلي غصن قوامٍ لهأهيَف يحكي بانة المنحنى
لهفي على عيش التَّصابي وياآهة قلبي لزمان الصِّبا
حيث الشَّباب الرَّوق يُغري بناحفل الظِّبا الغرِّ وسرب المها
كانت عروس الدَّهر أيامناطارت بها العنقاء نحو السَّما
ومن ربيعياته قوله:
انظر إلى فصل الربيع كأنَّه فصل الشَّباب
والزَّهر مثل خلائق الأصحاب من زهر الصِّحاب
وغصون بانات اللِّوىكمعاطف الهيف الرِّطاب
والورد أشبه بالخدود من الشِّفاه على الشَّراب
أوَ ما ترى حدق الحدائق كيف تغمز للتَّصابي
وأصابع المنثور مسرعةً تشير إلى الرِّقاب
وأكفَّ أوراق الغصون تظلُّ تدعو بالمتاب
فاعكف على روضاتهفالورد دان إلى الذَّهاب
متمتِّعاً بنعيمهمن قبل بينٍ وانتياب
فجميع ما فوق التُّراب من التُّراب إلى التُّراب
ومن خمرياته قوله:
ونديمٍ نبَّهت ليلاً فهبَّاوهو سكراً يميل شرقاً وغربا
قال لبيك قلت هات اسقنيهافتردَّى وقال طوعاً وحبَّا
فسقاني ثلاثةً وتحسَّىبعض كأسٍ فردَّها وأكبَّا
قلت أفديك من نديمٍ مطيعٍلو رأى طاقةً بها ما تأبَّى
ثم بن وسَّدته وعدت إلى الشُّرب وحيداً فما استلذَّيت شربا
إن طيب المدام بين النَّدامىوسرور النُّدمان فيمن أحبَّا
لو رأوا لذَّةً بدون شريبٍلم يُسَمُّوا فيها ندامى وشِربا
وله أيضاً:
بحياتي يا بدر أو بحياتكلا تقل لا يا قبح لا من لغاتك
قم بنا نغنم الوصال وروحيفي سبيل الهوى وفي مرضاتك
قم فلا غير كون شكٍّ يقيناًمن صفاتي بين الورى وصفاتك
يا فَدَتك النُّفوس فيما التَّوانيما ترى البسط عزَّ في أوقاتك
هاتها بكرة النَّهار فطيب الرَّاح قبل الضُّحى وقبل صلاتك
ثم هجِّد بنا نقيل قليلاًعند غمز الصَّهباء عود قناتك
ثم عد للشَّراب تفديك نفسيواسقنيها واشرب معي بحياتك
إن كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌونديمٌ وشادنٌ من سقاتك
فاغتنم فرصة الزَّمان فقد قيل أخو اللَّذَّة الجسور الفاتك
لا تؤخِّر يوماً غداة سرورٍلعشيٍّ وفته قبل فواتك
إنَّما هذه الحياة كحلمٍطارقٍ تستلذُّه في سباتك
وله من قصيدة مطلعها:
يا ليت شعري والمنى بعدما حال سكَّانك يا نجد
وكيف دعدٌ بعد أيَّامناتبقى لنا دون النِّسا دعد
هل أخفرت من عهدنا في الهوىبعد النَّوى أم عهدها العهد
لا غرو أن قد غيَّرتها النَّوىفربَّما غيَّرك البعد
لله يا نجد الظِّباء التيقيَّدها فيك لنا الودُّ
حيث الهوى الرَّيق لنا خادمٌلم يأل جهداً والمنى عبد
وربعك الرَّحب لنا جنَّةٌلو أنها دام بها الخلد
والنَّبت جمٌّ ترتعيه حمًىوالماء لا مستكدرٌ رغد
في غمرة القصف لريق الصِّبانروح في العيش كما نغدوا
حيِّي الحيا ذاك الزمان الذيمرَّ به من عيشنا الرَّغد
أيَّام أسعى ومها حاجرٍيلفُّني من وصلها برد
لا راقبٌ عيناً ولا مفكرٌفي الوصل أن يعقبه الصَّدُّ
في فتيةٍ مثل نجوم الدُّجىكأنهم قد نظموا عقدُ
من كل ظبيٍ قضفٌ قدُّهلا البان يحكيه ولا الرَّندُ
جذلان راوي الرِّدف ظامي الحشايضيع ما بينهما النَّدُّ
يزهي على ريم الفلا جيدهويزدهي بدر السَّما الخدُّ
واهاً له من زمنٍ سالفٍوألف آهٍ لك يا نجد
ومنزلٍ أخلق من نسجهكرُّ السَّوافي فيه والشَّدُّ
عهدي به برداً قشيب السَّدىفارتدَّ وهو الرَّيطة الجرد
محت يد الأنواء آياتهإلا بقايا أسطرٍ تبدو
أعجم من معربه شكلهإن حال عقلاً قبله بعد
حتَّى اضلاَّ فيه علمي بهإذ بدِّلت من هضبه الوهد
وقفت عِيسي فيه مستعبراًأقول آهاً تَعِسَ البعد
إلى هنا بعد ليالٍ خلتمعدودةٍ قد بلغ الحدُّ
هب أن سكانك قد أجفلتعنك فأين الغور والنجد
لم يبق إلا طللٌ شاخصٌكالوشم محَّى جُلَّه الرَّند
وله:
هاتها تفديك روحي قهوةًأدركت عاداً وأيَّام لُبد
واسقني واشرب ولا تذكر لناخبر النَّاس ولا سعر البلد
إن للعالم ربًّا إن يشأصلح العالم أو شاء فسد
وله:
اسقنيها قبل ارتفاع النَّهارإنَّ طيب المدام في الإبكارِ
هي بكرٌ فاشرب ويومك بكرٌلم تشبه الأنام بالأكدارِ
الصَّبوح الصبوحَ في جدِّه اليوم فإنَّ الصَّبوح روح العقارِ
يا فَدَتك النفوس وهي قليلٌمن نديم سهل الطِّباع مدارِ
هاتها ضحوة النَّهار شمولاًمثل شمس النَّهار وسط النَّهارِ
قهوةً مثل مقلة الدِّيك صهباءَ كنار الكليم ليست بنارِ
ذات عصرٍ أدناه عهد أنوشروان ليست بمزَّةٍ مُصطارِ
لطَّفتها كرُّ السنين فلم تبقِ سوى لمحةٍ من الأنوارِ
فتراءت كالشَّمس غبَّ سماءٍتجتلى بين حمرةٍ واصفرارِ
لست تخشى من لطفها بعد سكرٍمن صداعٍ بادٍ ولا من خمارِ
في رياضٍ تزهي بباكورِ وردٍوأقاح وسوسنٍ وبهارِ
ذات أرضٍ موشيةٍ بربيعٍذهَّبت وشيها يد الأزهارِ
يستفيق المخمور إن مرَّ فيهامن هواءٍ صافٍ وماءٍ جارِ
هذا مأخوذ من قول الوأواء الدمشقي:
سقى الله ليلاً إذ زار طيفهفأفنيته حتى الصَّباح عناقا
بطيب نسيمٍ فيه يستجلب الكرىفلو رقد المخمور فيه أفاقا
وفي الثاني ما يوهم التناقض: والوأواء أخذه من قول الفتح بن خاقان، في وصف جاريةٍ له، وهو ما نقل ابن حمدون، قال: كان الفتح بن خاقان يأنس بي، فقال لي مرة: شعرت يا أبا عبد الله أني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما دخلت منزلي استقبلتني فلانة، فلم أتمالك أن قبلتها، فوجدت فيما بين شفتيها هواءً لو رقد المخمور فيه لصحا.
ومنه في الغزل قول شرف الدين القابوسي:
قابلني ليلة قبَّلتهظبيٌّ من الشمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أسنانهلو رقد المخمور فيه صحا
تتمة الأبيات:
قم بنا يا نديم يفديك ماليمن تلادٍ وطارفٍ وعقارِ
نقطع الدهر كلَّ يومٍ بزقٍّوغزالٍ ساقٍ وكأسٍ مدارِ
آن طيب الزَّمان واعتدل الجوُّوصار الضُّحاء كالأسحارِ
وأتاك الرَّبيع يضحك عجباًوهو من نسج نوره في إزارِ
يا نديمي أفديك فيما التَّوانيما ترى البسط ابن اللَّيالي القصارِ
فاسقنيها واشرب على زهرة الرَّوضِ وسجع القمري وشدو الهزارِ
وتغنَّم صفو الزَّمان وروق العمر من قبل ضيعة الأعمارِ
لا تبالي إذا سكرت بوزرٍإن مولاك غافر الأوزارِ
وله من قصيدة مطلعها:
نقض الجرح وكان اندملاوامتلا القلب وقد كان خلا
عاده داء الهوى من بعد ماراح وقد أفرق عنه وسلا
ماله تزعجه زفرتهكلَّما استاف صباً أو شمألا
وإذا شام بروقاً لمعتغلب الدَّمع الحيا فانهملا
ومتى أبصر بدراً طالعاًظنَّه عنه الذي قد أفلا
عاش في أرغد عيش برهةًمستريحاً راق حالاً وحلا
ليس يدري الهمَّ حتى أن رأىليته لم ير تلك المقلا
فعلت فيه بطرفٍ لو رمىحجراً صلداً به لانفعلا
كيف لا يجرح قلبي طرفهوإذا السَّيف تحرَّى قتلا
والذي يصبو لأحداق المهالم يمت إلا بها منجدلا
لائم الصَّبِّ على الحب الذيسيف لحظيه يبيح الأجلا
خلِّ عنك اللوم بالله فقدسبق السَّيف إليه العذلا
ويح قلبي من هوى ذي صلفٍظالم في حكمه لو عدلا
ما له حمَّله ما لم يطقأتراه ظنَّ قلبي جبلا
قال يستطرد بي ما حالهصار للعشَّاق فينا مثلا
أيُّها المعرض لا عن زلَّةٍأدلالاً كان ذا أم مللا
بأبي الرِّيم الذي من طرفهسرق الظَّبي الكحيل الكحلا
غصن البان الذي في قدِّهسلب الليِّن القنا والأسلا
يا خليليَّ بلا أمرٍ سلاعن فؤادي بعده ما فعلا
أمقيمٌ بعده يصحبهأم دعاه للردى فامتثلا
وله من أخرى مطلعها:
درَّ لها خلف الغمام هاطلاًفجادها من رامةٍ منازلا
منازلاً كان المنى منادماًفيها وصرف الدَّهر عنها غافلا
نسبح في غمرته ولم نكننزايل الرَّوضات والخمائلا
لا نستفيق من خمار لذَّةٍنتبع أبكار الهوى الأصائلا
جنان أنسٍ فارقتها عنوةًنفوسنا واجدةً ثواكلا
واهاً لها وآهةً لو بقيتأو دام ربع اللَّهو منها آهلا
ومنها:
كان الشباب الرَّوق فيها وبهاقضَّيت أيَّام الصِّبا الأوائلا
حيث الحمى مسرح أسراب المهاوحيث كنت مرحاً مغازلا
كلَّ غزالٍ آنسٍ لحاظهللعاشقين لم تزل قواتلا
تصمي إذا ما قصدت بأسهمٍنصالها لا تخطئ المقاتلا
قضيب بانٍ قضفٌ على نقاًفوقها ترقب بدراً كاملا
ما بانة الجزع على نظرتهاإذا ثنى منه قواماً عادلا
ومن غزلياته قوله:
مهلاً فقد أسرعت في مقتليإن كان لا بد فلا تعجلِ
أنجزت إتلافي بلا علَّةٍالله في حمل دمي المثقلِ
لم تبق لي فيك سوى مهجةٍبالله في استدراكها أجملِ
إن كنت لا بدَّ جوًى قاتليفاستخر الله ولا تفعلِ
رفقاً بما أبقيت من مدنفٍليس له دونك من معقلِ
يكاد من رقَّته جسمهيسيل من مدمعه المسبلِ
ما لك في إتلافه طائلٌفارعَ له عهداً ولا تهملِ
كم من قتيلٍ في سبيل الهوىمثلي بلا ذنبٍ جنى فابتلي
أول مقتول جوًى لم أكنقاتله جارَ ولم يعدلِ
يا مانعي الصَّبر وطيب الكرىعن حالتي بعدك لا تسألِ
قد صرت من عشقك حيران لاأعلم ماذا بي ولم أجهلِ
أغصُّ من دمعي حفاظاً لمافارقته من ريقك السلسلِ
ومنها:
أفديك بالنَّفس وما دونهاما قيمة الأرواح أن تقبلِ
يا غصناً مال إلى طبعهمن دلَّ جفنيك على مقتلي
ورامياً أعجب من أنَّهأصاب في الرَّمي ولم يمهلِ
رمى فأصمى مهجتي سهمهفكان مثل القدر المرسلِ
يا ويح قلبي من هوى ظالمٍيأخذ بالذَّنب ولم يعملِ
أستغفر الله إليه وإنلم أقل القول ولم أفعلِ
يا أعدل الناس على ظلمهويا أحقَّ النَّاس من مُبطلِ
وجدت تعذيبك مستعذباًفاهجر إذا شئت وإلا صلِ
وله:
ويومٍ فاخِتيِّ الجوِّ رطبٍيكاد من الغضارة أن يسيلا
نعمت به وندماني أديبٌوقورٌ في تعاطيه الشمولا
قطعنا صبحه والظُّهر شرباًوجاوزنا العشيَّة والأصيلا
لدى روضٍ عميم النَّبت يزهيبأزهارٍ نمت عرضاً وطولا
يدور به سوار النَّهر طوراًكما يتعانق الخلُّ الخليلا
وساقينا رخيم الدَّلِّ يسبيإذا ما ردَّد الطرف الكحيلا
وله من قصيدة، أولها:
تألَّق يقدم ركب النعامىشروداً أبى سرعةً أن يشاما
خفيَّاً كنبض ذراع المريضولمح ثغور الحسان ابتساما
كأنَّ السَّما ريطةٌ رحِّلتوذهِّب من طرفيها الغماما
بدا والدُّجى فحمةٌ كاللَّهيبله شررٌ بالدراري ترامى
فهيَّج للقلب أشواقهونبه لوعته ثم ناما
سرى موهناً فاستطار الفؤادإلى ما تذكَّر منه وهاما
تذكَّر أيامه بالغميمفحنَّ وما كنَّ إلا مناما
أثار له من جواه القديموقلَّده الوجد طوقاً لزاما
تحرَّشه فسباه جوًىوجرَّده فقضاه غراما
ومذ خاله الطرف سقط الزِّنادأمال إلى القلب منه الضراما
لقد كان في راحةٍ قبلهفجرَّ إلى عاتقيه حساما
وقد كان من قبله داؤهدفيناً فهيَّج منه السقاما
أيا برق كم ذا تعنِّي الحشاأعمداً تروم أذاه على ما
إلى مَ تمثل نجداً لهفيهفو وهيهات نجدٌ إلى ما
تقول وأسباب هذا الغرامضروبٌ تحيِّر فيه الأناما
أمن كبدي سيفه مصلتٌفيبدي الوجيب إلى أن يشاما
لعمرك ما ذاك لكنَّماتذكَّر نجداً وأيام راما
منازل كان المنى خادماًبها والزمان لدينا غلاما
فآهاً لأيامها لو تدوموآهاً لحلميَ لو كان داما
نشدتك والودُّ يا صاحبييراه الفتى الحرُّ ديناً لزاما
أعرني إن كان طرفٌ يعارفإنسان عيني بدمعي عاما
يرى لي فؤادي وراء الرِّكابأسارَ وإلا لعجزٍ أقاما
فمن يوم بتنا على غرَّبٍنشيعهم وأشالوا الخياما
أضلَّيته بين بان الكثيبوما ثمَّ إلا ظباه قياما
خف الله يا ظبيات النَّقاأما في دمي تحملين الأثاما
رعى الله منكنَّ ظبياً أغرأحلَّ بجسمي داءً عقاما
أغار عليه اعتناق الصَّباوأحسد رشف لماه البشاما
إذا ما بدى في الدُّجى خدهأحال الدُّجى من ضياه عياما
يبيت على غرَّةٍ لاهياًإذا بتُّ أجرع فيه الحماما
وليلة زار على شحطهتحاشى الضِّيا فتوارى الظَّلاما
سرى والدُّجى عاكفٌ راجلاًحذار المطيَّة تبدي البغاما
فوافى على عجلٍ مضجعيومن دونه بطن فلجٍ وراما
فبتُّ أعانق منه القضيبوأرقب منه الهلال التماما
وأشتمُّ من خدِّه وردةًوأرشف من شفتيه المداما
وودَّع لو كان ذاك الوداعوسار فودَّع جفني المناما
ومن مشهور شعره خمريته هذه:
هاتها هات نصطبح يا نديمقد تناهت خطوبنا والهموم
ليس ينفي الهموم مثل شمولٍكم حساها فأبرأته سقيم
هي شمسٌ والهمُّ ليلٌ وليس الليل والشَّمس في الوجود يدوم
علَّنا نقطع الزمان سكارىلا نبالي بما جرى يا نديم
فلنا أسوةٌ بهذي البراياكيف نخشى البلاء وهو عميم
إنما الأمر للإله تعالىوهو برٌّ بالعالمين رحيم
خلِّ عنَّا ذكر ابن سيفا ومعنٍإنما يطلب الغريمَ الغريمُ
ما لنا والحروب نحن أناسٌما لنا طاقةٌ بشيءٍ يضيم
همُّنا شربنا الطِّلا وهوانامن قديمٍ هذا الشَّراب القديمُ
اترك النَّاس في يصير ويجريويجيبوا ويقعدوا ويقيموا
واسقنيها واشرب ثلاثاً ثلاثاًهكذا حكمها وأنت حكيمُ
لا تصل بالصَّبوح غير غبوقٍوتجنَّب في شربها من يلوم
إنَّ كلَّ الحياة كأسٌ مدارٌونديمٌ حلوٌ وساقٍ كريمُ
وابن سيفا هو الأمير يوسف ذلك الذي بلغ السُّها بجده، وكان أخا السيف في لألائه ومضاء حده.
من أسرة طلعوا كأنابيب القنا نسقاً، وفاحوا كأزاهير الرياض عبقاً.
فإن غابوا عن العيان تراءوا مشاعل في السرى، وإن ظهروا رأت النواظر بهم الثريا في الثرى. ما منهم إلا جواد شهدت بسبقه ميادينه، وأديبٌ حب الأدب شرعته ودينه.
وكانوا ولاة طرابلس الشام وحكامها، وبقائم سيفهم تولوا صيانتها وإحكامها.
حتى وقع بين كبيرهم هذا وبين الأمير فخر الدين بن معن، ذاك الغادر الذي قتل الراعي وساق الظعن.
فجرت بينهما حروبٌ لم يحصل أحدٌ منهما على وطر، وبقي الأمر بينهما مدة في تناكر مفضٍ إلى خطر.
ثم خرج في أثناء ذلك ابن جانبولاذ الذي جاهد في الخلاف وجاهر، وكاشف بالانحراف على السلطنة وكاشر.
فانضم إليه ابن معن وحزبه، الذين تدرعوا جلود الحيات، وأقاموا آلات حربهم مقام أنمل التحيات.
وكان من أمر الله أن الأمير يوسف جهز عليهم، ووصل بجموعه التي يقدر أن يغل بها جيش المصائب إليهم.
وهممه معلقة بالأثير، محلقة على فلك التدبير. غير أن يد القدر فوق التقدير، وما يصنع المرء إذا وقع في البير. فلما تقابل الجيشان تمت على ابن سيفا الهزيمة وانحلت منه تلك العزيمة. وفر من ذلك المكان إلى دمشق، فأقام بها مختفياً أياماً، وهو من وساوس وهمه لم يطعم مناماً. فقصدوه متتبعين زلة قدمه، وطالبين بسيف الاعتداء سفك دمه. فدخل بينهم أهل دمشق وأطفأوا تلك النائرة، وأخمدوا ببرد الصلح تلك الفتنة الثائرة.
بمال حملوه إلى القوم، وسلموا به من المحذور واللوم. وانقلب ابن سيفا إلى وطنه، وهو شاكٌّ من ضيق عطنه. وتبدل تبسمه ذاك بالقطوب، ونال القلوب كمد خطبه الذي لا كالخطوب. ومن ثم حالت بدولة بيته الأحوال، ولم تطل أيامهم حتى أذنت شمسها بالزوال. فعلى ما تضمنهم من تلك الأريحية، أزكى السلام من الله تعالى والتحية. وهذه الجملة وقعت في الأثنا فكانت باعثةً على ما هو طلبتي من الثنا.
وأرجع إلى ما أنا بصدده أمدني الله بمدده.
ومن شعر الأكرمي قوله في خمريته:
كم جلونا في ليلة الفطر والأضحى على قاسيون بكر الدنان
وشربنا في ليلة النصف من شعبان صرفاً وفي دجى رمضان
ونهار الخميس عصراً وفي الجمعة قبل الصلاة بعد الأذان
وسقانا ظبيٌ غريرٌ وغنتظبيةٌ تستبيك بالألحان
وسبحنا في غمرة اللهو والقصف على طاعة الهوى والأماني
ولعمري لقد سئمنا من الغيِّوعفنا من كثرة العصيان
لم ندع مدَّة الصِّبا للتصابيمن طريقٍ مهجورةٍ أو مكان
قد أطعنا غيَّ الشَّباب بجهلٍفاعفُ عنَّا يا واسع الغفران
ومن مقاطيعه قوله:
ربَّ رامٍ عن مثل حاجبهبمثل ألحاظه لمغرمهِ
سمَّى بغيري مفوِّقاً ودميفرحت وحدي صريع أسهمه
وقوله:
قلت إذ لام في العذار عذوليوهو في الخدِّ للهوى عنوانُ
إنَّ ورد الرِّياض أحسن ماكان إذ دار حوله الريحانُ
وقوله في دولاب الماء:
ودولابٍ يئنُّ أنين صبٍّكئيب نازح الأهلين مضنى
تذكَّر عهده بالرَّوض غصناًومحنة قطعه فبكى وأنَّا
وما يدري أترديدٌ لمعنًىشجاه أم حنين جوى المعنَّى
وقوله معمياً باسم يوسف:
وشادنٍ كالقضيب عطفاًأطال في صبِّه عناهُ
يكاد عضب اللحاظ منهبغير ريبٍ يفري حشاهُ
القاضي إسماعيل بن عبد الحق الحجازي هذا القاضي قضي له بالأدب الوافر، من منذ طلع في مهده طلوع البدر السافر. فعرف رشده قبل أوانه، وهكذا الكتاب يدرى من عنوانه.
وأبوه في الصنعة من الفحول السبق، له في الريحانة ذكر أطيب من المسك وأعبق.
وهو فاح فوحته، وجاء جيئته، وراح روحته. وحذا في الغراميات حذوه، فلم يبق من نار وجده ولا جذوة. فهو مخمر الطينة بالفضل المحض، مجبول الفطرة على الأدب الغض. مجده فوق الامتداح، وزنده يضيء قبل الاقتداح.
ولقد برز كل التبريز، وما كل قاضٍ قاضي تبريز. فجاء بأفانين من غزلياته، تهزأ برونق الصدغ في لباته.
وأطرب بألحانه، ولا إطراب الخمر بحانه. وله أغانٍ تكاد بلا مضارب تجاوبها الأوتار، ولم يبق قلبٌ أدرك مغناها إلا وثار.
وكانت أريحيات غرامه تستفزه، وصبوبات مدامه تستهزه. فلا يزال هائماً بغزال، ولا يريم من عشق ريم. وشعره الذي تعلق به قلوب الأهوا، يعرب عن حاله إعراب الدمع عن مكتوم سر الهوى. وهو سائرٌ مدون، والجوهر المثمن منه أدون.
فدونك ما هو ألطف من العتاب، بين الصحاب، وأوقع من الرواح، ممزوجاً بماء السحاب.
فمنه قوله:
لو أن بالعذَّال ما بيما عنَّفوني بالتَّصابي
كلا ولو ذاقوا الهوىمثلي لما ملكوا خطابي
ويلاه من بعد المزارِ فإنه شرُّ العقابِ
قسماً بخلوات الحبيب وطيب وقفات العتابِ
وتذلُّلي يوم النَّوىلمنيع ذيَّاك الجنابِ
وبوقفتي أشكو هواي له بألفاظٍ عذابِ
أبكي وأسرق أدمعيخوف العواذل في ثيابي
ما للمحبِّ أشدُّ مننار التَّباعد من عذابِ
بأبي غزالٌ ليِّن الأعطاف معسول الرُّضابِ
ميَّاس غصن قوامهيزري ببانات الرَّوابي
ريَّان من ماء الصِّباسكران من خمر الشَّبابِ
جعل التَّجافي دأبهوجعلته وهواه دابي
قال العواذل عندماأبصرن بالأشواق ما بي
قد كنت من أهل الفصاحة لا تحول عن الصَّوابِ
فأجبتهم والقلب مننار الصَّبابة في التهابِ
الحبُّ قد أعيى فصيح القول عن ردِّ الجوابِ
وتراه إن حضر الحبيب لديه يأخذ في اضطراب
وقوله:
أجرني من صدودك بعد وعدكوخلِّص مهجتي من نار بعدكْ
وخصِّصني برقٍّ دون عتقٍلأدعى بين أقوامي بعبدكْ
وقصِّر طول ليلات التنائيوما لاقيت من أيَّام صدِّكْ
ومعصية العذول ومن نهانيضلالاً في الهوى عن حفظ ودِّكْ
وأنفاسٍ أصعِّدها إذا ماذكرتك والدَّياجي مثل جعدكْ
لأنت لديَّ مجتمع الأمانيوأكثر ما وددت بقاء ودِّكْ
وقد عبث الهوى بغصون قلبيكما عبث الدَّلال بغصن قدِّكْ
وقوله:
ولمَّا حدا الحادون بالبين والنَّوىوشبَّ لنار الاشتياق وقودُ
ولم يبق لي من منجدٍ غير زفرةٍودمعٍ وأشواقٍ عليَّ تزيدُ
طلبت من القلب اصطباراً فقال ليوللشَّوق عندي مبدئٌ ومعيدُ
لقد كنت صبًّا والدِّيار قريبةٌفكيف وعهد الدَّار عنك بعيدُ
وقوله:
وربَّ عتابٍ بيننا جرَّه الهوىشهيٍّ بألفاظٍ أرقَّ من السِّحرِ
وأحلى من الماء الزُّلال على الظَّماوألطف من مرِّ النَّسيم إذا يسري
عتابٌ سرقناه على غفلة النَّوىوقد طرفت أيدي الهوى أعين الدَّهرِ
وقد أخذتنا نشوةٌ من حديثهكأنَّا تعاطينا سلافاً من الخمرِ
ورحنا بحالٍ ترتضيها نفوسناوها أنا بين الصَّحو ما زلت والسُّكرِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع