من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
ولده بهاء الدين
الذي استرق النهى، وأشرق بدراً في فلك الازدها.
الهمام الفذ البذ، من تطرب بذكره الأسماع وتلتذ.
تحلى من الفوائد العلمية بما تحلى، واشتهر اشتهار الصبح إذا تجلى.
وازدانت به الدنيا ازديان العاطل بالحلى، والمشكل بالجلى.
والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج.
وحصل بينه وبين الفضل في الاتحاد التساوي، فأنتج مطلبه من الشكل الأول هذا اللازم المساوي.
وأنا أذكر لك خبره على جليته فاعتمد عليه، ولعلك تلغى مالفقه الشهاب من ذكر حاله ولا تجنح إليه.
وذلك أنه كان بالشام تكون خلقته، وبها بان رشده وأحسبه من حين لفته قابلته في خرقته.
ثم انتقل به أبوه إلى قزوين وهلاله آخذٌ في تدويره، وذهنه في مبادى ملاحظته للدقائق وتصويره.
فاستكمل ثمة فضائل المعجبة، وصير عندها فضائل الأول كالمتحجبة.
ولما طنت حصاته في العراق، وتجاوزت فيه المدائح من الغلو إلى الإغراق.
استدعاه الشاه فصير رئيس العلماء في تخت ملكه، وحلى جيد ممكلته منه بجوهر عقد كل جهابذته شذراتٌ في سلكه.
ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهبَّ من مهابِّ القبول رياحه.
فطلع طلوع الشارد، يرد البلاد كالطيف الوارد.
وهو بقتري المسالك، ويقتفر المهالك، ويعاني الممالك.
فحج البيت الحرام، ودخل مصر أم الأهرام.
ثم ورد دمشق فنم عليه فضله كما نم ريح الورد على الورد، ومنه ظهر بحلب الشهباء كما ظهر العلم الفرد.
فلم يمكنه إلا أن شد للعجم نطاق التسيار، ولما وصلها حط بها رحل الاختيار، فصنف وألف، وأبدع حد الإبداع وما تكلف.
وابتسمت به دولة الشاه عباس، وأماطت أقواله فيها حنادس الشبه والالتباس.
مع عزم ينفلق دونه الصخر الأصم، وحلم يقصر عنه الطود الأشم.
ورأيٍ عليه المعول، وفكرٍ هو المعقول الأول.
وهناك ما شئت من رفة الألفاظ، ولطافة معانٍ تتعلم منها السحر غمزاتٌ وألحاظ.
وتفنن في العبارات يتحير له اللاحظ، وغرائب آدابٍ تكلُّ في استخراج دقائقها عيون الجاحظ.
إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنية الغروس، سجدت لها الأقلام سجدة الشكر في محاريب الطروس.
فأقلام إفادته لا تنسب بإعياءٍ قط، وصحائف مجده لم تشن من حسودٍ بنقط.
وهو في اللسانين فارسٌ بطل، فالعربي من بعده تعجم والفارسي بطل.
وله من عقائل اللسانين كل فاتنة الطرف، استوفت في مدى البلاغة اللطف والظرف.
فمن بدائعه قوله:
وأهْيفِ القّدِّ لَدنِ العِطْفِ معتدلٍبالطَّرْف والظَّرْف لا ينفكُّ قَتَّالَا
إن جال أهْدى لنا الآجالَ ناظِرُهُأو صال قطَّع بالهِجْران أوْصالَا
وإن نظرتُ إلى مرآة وَجْنتِهحسبتُ إنسانَ عيني فوقها خَالَا
كأن عارِضَه بالمِسك عارَضنِيأو ليلَ طُرَّتِه في خَدِّه سالَا
أو طاف من نورِ خَدَّيْه على بصَرِىفخَطَّ بالليلِ فوق الصبح أشْكالَا
وكتب إلى والده وهو بالهراة، في سنة تسع وسبعين وتسعمائة:
يا ساكني أرضَ الهَراةِ أما كفَىهذا الفِراقُ بلَى وحقِّ المصطَفى
عودُوا عليَّ فرَبْعُ صبرِي قد عفَاوالجَفْن من بعد التَّباعُد ماغفَا
وخيالكم في بالِيوالقلبُ في بَلْبالِ
إن أقبلتْ من نحْوِكم ريحُ الصَّباقلنا لها أهلاً وسهلاً مَرحبَا
وإليكمُ قْلب المتيَّم قد صَباوفِراقكم للروح منه قد سبَا
والقلبُ ليس بخالِيمن حبِّ ذات الخالِ
يا حَّبذَا رَبْعُ الحِمَى من مَرْبَعِفغزالُه شَبَّ الغَضا في أضُلعِي
لم أنْسَه يوم الفراقِ مُودِّعيبمَدامعٍ تجرى وقلبٍ مُوجَع
والصبُّ ليس بِسالِعن ثَغْرِه السَّلْسالِ
وله، وهي من غرره:
خِّلياني ولَوْعتي وغرامييا خليليَّ واذْهبا بسَلامِ
قد دعاه الهوى فلبَّاه قلبيفدَعاني ولا تُطِيلا مَلامِي
إن مَن ذاقَ نَشْوَة الحبِّ يوماًلا يُبالي بكثْرة الُّلوَّامِ
خامَرتْ خمرةُ المحَّبة قلبيوجرَت في مفاصِلي وعظامِي
فعلى العلمِ والوقار صلاةٌوعلى العقل ألفُ ألفِ سلامِ
هل سبيلٌ إلى وقوفي بوادي الْجِزْعِ يا صاحبيَّ أو إلْمامِي
أيها السائرُ المُلِحُّ إذ ماجئتَ نَجْداً فعُجْ بوادي الخُزامِ
وتجاوَزْ عن ذِي المَجازِ وعرِّجعادِلاً عن يمين ذاك المَقامِ
وإذا ما بلغتَ حُزْوَى فبلِّغْجِيرةَ الحَيِّ يا أُخَيَّ سلامِي
وانْشُدَنْ قلبيَ المُعَنَّى لديهمْفلقد ضاع بين تلك الخيامِ
وإذا ما رَثَوْا لحالِي فسَلْهمْأن يمُنُّوا ولو بطيْفِ مَنامِ
يا نُزولاً بذِي الأراكِ إلى كمْتنْقضي في فِراقكمْ أعوامِي
ما سرَتْ نَسْمةٌ ولا ناح في الدَّوْحِ حَمامٌ إلا وحان حِمامِي
أين أيامنا بشَرْقِّي نَجْدٍيارعاها الإلهُ من أيامِ
حيثُ غُصْن الشبابِ غضٌّ ورَوضُ العَيشِ قد طرَّزتْه أيدِي الغَمامِ
وزَماني مُساعدٌ وأيادِي الْلَهْوِ نحو المُنى تجرُّ زِمامِي
أيها المُرتقِى ذُرَا المجد فرداًوالمُرجَّى للْفادحاتِ العِظامِ
يا حليفَ النَّدى الذي جُمِّعت فيهِ مَزايا تفرَّقتْ في الأنامِ
نِلْتَ في ذِوْرِة الفَخارِ مَحَلاًّعَسِرَ المُرتقَى عزيزَ المَرامِ
نسَبٌ طاهرٌ ومجدٌ أثِيلٌوفَخارٌ عالٍ وفضلٌ سامِي
قد قَرَنَّا مَقالكم بمقالٍوشفَعْنا كلامَكم بكَلامِ
ونظَمْنا لها مع الدُّرِّ في سِمْطٍ وقُلنا العبيرُ مثلُ الرَّغامِ
لم أكُنْ مُقْدِماً على ذا ولكنْكان طَوْعاً لأمْرِكم إقْدامِي
عَمْرَك اللهُ يا ندِيمَي أنْشِدْجارَتا كيف تُحسنين مَلامِي
وله:
أسحرُ بابِلَ في جَفْنْيكِ أم سَقَمِىأم السيوفُ لقْتل العُرْب والعجمِ
والخالُ مَركَزُ دَوْرٍ للِعذار بداأم ذاك نَضْحُ عِثارِ الخَطِّ بالقلَمِ
أم حَّبةٌ وُضِعَتْ كيمْا تصيدَ بهاحَبَّ القلوبِ فصادتْ كلَّ مُلتِئمِ
أم الفَراشُ هوَى طيرُ الفؤادِ علىنارٍ بخَدِّك حتى صار كالفحمِ
قوله: والخال، البيت، من قول الرَّاميني الإستراباذيّ:
هل نضَحتْ أقلامُ خَطِّ العِذارْفي مَشْقِها فالخالُ نَضْحُ العِثارْ
أم اسْتدارَ الخدُّ لمَّا غَدَتْنُقطُته مَركزَ ذاكَ المَدارْ
قوله: أم حبة، هذا كثير، وقد تقدم في ترجمة السَّفرجلانيّ.
وقوله: أم الفراش، هذا من قول عون الدين العجمي، وفيه زيادة:
لهيبُ الخدِّ حين بدا لعْينيهوَى قلبي عليه كالفَراشِ
فأحْرقه فصار عليه خالاًوها أثُر الدُّخان على الحَواشِي
وله يرثى والده، وقد توفي بالمصلى من قرى البحرين، لثمان خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وتسعمائة، عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام:
قفْ بالطُّلولِ وسَلْها أين سَلْماهَاورَوِّ مِن جُرَع الأجْفان جَرْعاهَا
وردِّد الطَّرف في أطرافِ ساحتِهاوأرِّجِ الوصلَ من أرْواحِ أرْجاهَا
فإن يَفُتْك من الأطْلالِ مَخْبرُهافلا يفوتَنْكَ مَرْآها ورَيَّاها
رُبوعُ فضلٍ يُضاهِي التِّبْرَ تُربتُهاودارُ أُنْسٍ يُحاكي الدُّرَّ حَصْباهَا
عدا على جِيرةٍ حَلُّوا بسَاحتِهاصَرْفُ الزمانِ فأبْلاهم وأبْلاهَا
بدورُتِمٍّ غمامُ الموتِ جَلَّلهاشموسُ فضلٍ سحابُ التُّرْبِ غَشَّاهَا
فالمجدُ يبكي عليها جازِعاً أسِفاًوالدِّين يْندُبها والفضلُ ينْعاهَا
يا حَبَّذا أزْمُنٌ في ظلِّهم سلَفتْما كان أقصرَها عُمْراً وأحْلاهَا
أوقاتُ أُنْسٍ قضيْناها فما ذُكِرتْإلا وقطَّع قلبَ الصَّبِّ ذِكْراهَا
باجِيرةً هجَروا واستوْطنُوا هَجَراًواهاً لقلبِ المُعنَّى بعدكم وَاهَا
رَعْياً لِلَيْلاتِ وَصْلٍ بالحِمَى سلَفتْسَقْياً لأيَّامنا بالخَيْفِ سُقياهَا
لفَقْدكم شُقَّ جَيْبُ المجدِ وانْصدعتْأركانُه وبكم ما كان أقْواهَا
وخَرَّ من شامخاتِ العلم أرْفعُهاوانْهَدَّ من باذِخاتِ الفضلِ أرْساهَا
يا ثاوياً بالمُصَلَّى من قُرى هَجَرٍكُسِيتَ من حُلَلِ الرِّضْوان أضْفاهَا
أقْمتَ يا بحرُ بالبحريْن فاجتمعتْثلاثةٌ كُنَّ أمثالاً وأشْباهَا
ثلاثةٌ أنت أنْدها وأغزرُهاجُوداً وأعذبُها طعماً وأضْفاهَا
حَويْتَ من دُرَرِ العلْياءِ ما حَوَيالكنَّ دُرَّك أعْلاها وأغْلاهَا
يا أعْظُما وَطِئتْ هامَ السُّها شرَفاًسَقاكِ من دِيَمِ الوَسْمِىّ أسْماهَا
ويا ضريحاً علَا فوق السِّماكِ عُلاًعليْك من صلَواتِ الله أزْكاهَا
فيك انْطَوى من شموسِ الفضلِ أضْوَءُهاومن مَعالمِ دينِ الله أسْناهَا
ومِن شوامِخِ أطْوادِ الفتوَّةِ أرْساها وأرفعُها قدراً وأبْهاهَا
فاسْحَبْ على الفَلَكِ الأعْلى ذيولَ عُلاًفقد حوَيْتَ من العَلْياءِ عَلْياهَا
عليك مِنّا صلاةُ اللهِ ما صدَحتْعلى غصونِ أرَاكِ الدَّوْحِ وَرْقاهَا
ومن مقطعاته قوله:
لعينيْك فضلٌ كثيرٌ علىَّوذاك لأنِّيَ يا قاتليِ
تعلَّمتُ من سحرِها فعقدتُلسان الرَّقيبِ مع العاذلِ
وكتب من قزوين إلى والده، وهو بالهراة:
بقَزْويَن جسمِي وروحي ثوَتْبأرضِ الهَراةِ وسُكانِهَا
فهذا تغرَّب عن أهْلِهوتلك أقامتْ بأوْطانِهَا
وله:
إن هذا الموتَ يكرَهُهكلُّ من يمشِي على الغَبْرَا
وبعْين العقل لو نظروالرأَوْه الراحةَ الكبرَى
اقتفى في هذا أثر ابن الرومي، في مدح الموت، حيث قال:
قد قلتُ إذ مدحوا الحياةَ وأسْرفوافي الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرَفُ
منها أمانُ لِقائِه بلقائِهوفِراقُ كلِّ مُعاندٍ لا ينْصِفُ
ومن رباعياته، ما كتبه لبعض أحبابه، وهو في المشهد الأقدس الرضوي:
يا رِيحُ إذا أتَيْت أرضَ الجمْعِأعنِي طُوساً فقُل لأهلِ الرَّبْع
ما حَلَّ برَوْضةٍ بهائِيُّكمُإلَّا وسقَى رياضَها بالدَّمْعِ
وكتب إلى بعض أحبابه بالنجف الأشرف:
يا رِيحُ إذا أتيتَ أرضَ النَّجَفِفالْثمِ عَنِّي تُرابَها ثم قِفِ
واذْكُر خبَرِي لدى عُريب نزلواوادِيَه وقُصَّ قصَّتي وانْصرفِ
وله:
يا عاذلُ كم تطيلُ في إتْعابيدَعْ لَوْمَك وانصرفْ كفانِي ما بِي
لا لَوْمَ إذا هِمْتُ من الشوقِ علىقلبٍ ما ذاق فُرقةَ الأحْبابِ
وله:
يا بدرَ دُجىً بوَصْلِه أحْيانِيإذْ زار وكمْ بهجْره أفْنانِي
باللهِ عليك عِّجَلنْ سفْكَ دمىلا طاقة لي بليْلِة الهجرانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع