من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حسن بن زين الدين الشهيد
ركن محدٍ ركين، مكانه في ذروة الرياسة مكين.
رسا في في بحبوحة البسالة ورسسخ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ.
وهو من قومٍ تنوس ذوائبهم على هام الجبال، وتستمد الشموس من سناهم فلذا ترخى عند المغيب الحبال.
تقطع إليهم الوعور فتلفى بشوقهم صعيدا، وتستبعد لغيرهم السماوة ولا يرى السماء بقصدهم بعيدا.
وأبوه زين الدين ممن كان له صيتٌ يفلق الصخر، وتقدم فيما بينهم ينفلق عنه فجر الفخر.
إلا أن الأيام غالته بطوارقها، ونازلته برواعدها وبوارقها.
على جهد في قتله جهيد، حتى ألقى السمع وهو شهيد.
فخلفه ابنه حسن، ومن حديث فضله صحيحٌ حسن.
فقام مقام الوبل في البلد المحل، وكان أندى من الصبا وأشهى من جنى النحل.
يبتدر ويروى، وينقع بزلال أدبه ويروى.
ويمتع بأحاسن الأخبار، ويقطع منها جانب الاعتبار.
مع فكرةٍ ماؤه يسيح، وطبعٍ بستانه فسيح.
وله مؤلفات حسن فيها كل الإحسان، أجلها منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان.
وأما شعره فلبنان منبت زهرة الفواح، ونسيمه الطلق راوي حديث نفحته للأرواح. وقد أثبت منها ما يردد محاسنه الدهر ويرويها، وينشر فضائله على كواهل الأدب ويطويها.
فمنه قوله:
فؤادِي ظاعنٌ إثْرَ النِّياقِوجسمي قاطنٌ أرضَ العراقِ
ومن عجَبِ الزمانِ حياةُ شخصٍترحَّل بعضُه والبعض باقِ
وحلَّ السُّقْمُ في بدني وأمْسَىله ليلُ النَّوَى ليلَ المَحاقِ
وصَبْرِي راحلٌ عمَّا قليلٍلشدة لَوْعتي ولَظَى اشْتياقِي
وفَرْطُ الوَجْدِ أصبح بي خليقاًولمَّا يْنوِ في الدنيا فِراقِي
وتعبثُ نارُه في الرُّوح حسناًفيوشك أن تُبِّلغَها التراقِي
وأظْمأني النَّوى واراق دمعيولا أُرْوَى ولا دمعي بِراقِ
وقيَّدني على حالٍ شديدٍفما حِرْزُ الرُّقَي منه بِوَاقِ
أبَى اللهُ المهيمنُ أن ترانيعيونُ الخلق محلولَ الوَثاقِ
أبِيتُ مَدى الزمانِ لنارِ وَجْدِيعلى جمرٍ يزيد به احْتراقِي
وما عيشُ امْرِئٍ في بحرِ غَمٍّيُضاهِي كربُه كَرْبَ السِّياقِ
يوَدُّ من الزمان صفاءَ يومٍيلُوذُ بظله مّما يُلاقِي
سقتْنِي نائباتُ الدهرِ كأساًمَرِيراً من أباريقِ الفِراقِ
ولم يخطُرْ ببالِي قبلَ هذالفَرْطِ الجهل أن الدهرَ ساقِ
وفاض الكأسُ بعد البَيْنِ حتىلَعَمْرِي قد جرَتْ منه سَواقِ
فليس لِداء ما ألْقَى دواءٌيُؤمَّل نفُعه إلَّا التَّلاقِي
وقوله: وهو من أبدع ما هزَّ به الشوق، بعصا السوق.
يتشوق إلى محله، ويندب بعد ترحله عنه ومرتحله:
طولُ اغْترابِي بفَرْط الشوقِ أضْنانِيوالبَيْنُ في غَمَراتِ الوَجْدِ ألْقانِي
يا بارِقاً من نواحِي الحيِّ عارَضنِيإليك عنِّي فقد هَيَّجْتَ أشْجانِي
فما رأيُتك في الآفاقِ مُعترِضاًإلا وذكَّرْتني أهلى وأوْطانِي
ولا سمعتُ شَجا الورْقاءِ نائحةًفي الأيك إلا وشبَّتْ منه نيرانِي
كم ليلةٍ من ليالِ البَيْنِ بِتُّ بهاأرْعَى النجومَ بطَرْفِي وهْي تَرْعانِي
كأن أيْدِي خُطوبِ الدهر منذ نأَوْاعن ناظرِي كحَّلَتْ بالسُّهْدِ أجْفانِي
ويا نسيماً سرَى من حَيِّهم سحراًفي طَيِّه نَشْرُ ذاك الرَّنْدِ والْبانِ
أحْيَيْت مَيْتاً بأرْضِ الشام مُهجَتُهوي العراق له تَخْيِيلُ جُثمانِي
وكم حييتُ وكم قد مِتُّ من شَجَنٍٍما ذاك أوَّلُ إحياءٍ ولا الثاني
يالائمِي كم بهذا الَّلوْمِ تُزعِجنيدَعْني فلَوْمُك قد واللهِ أغْرانِي
لا يسكُن الوجدُ مادام الشَّبابُ ولاتصْفُو المشاربُ ليِ إلَّا بلُبْنانِ
في رَبْعِ أُنْسِى الذي حلَّ الشبابُ بهتَمائِمِي وبه صَحْبي وخِلانِي
كم قد عهدتُ بهاتيك المعاهدِ مِنإخْوانِ صِدْقٍ لَعَمْري أيُّ إخوانِ
وكم نقضَّتْ لنا بالحيِّ آونةٌعلى الَمسرَّة في كَرْمٍ وبُستانِ
لم أدْرِ حالَ النَّوَى حتى علِقْتُ بهفغَمْرتي من وقُوعِي قبل عِرْفانِ
حتَّى مَ دهري على ذَا الْهَوْنِ تُمسكنيهلا جنَحتَ لتسْريحٍ بإحْسانِ
أقسمتُ لولا رجاءُ القرْبِ يُسعِفنيفكلَّما مُتُّ بالأشواق أحْيانِي
لكدتُ أقْضِي بها نحْبِي ولا عجبٌكم أهَلك الوجدُ من شِيبٍ وشُبّانِ
يا جِيرةَ الحيِّ قلبي بعدَ بُعدِكمُفي حَيْرةٍ بين أوْصاب وأحْزانِ
يمضي الزمانُ عليه وهو ملتزِمٌبحبِّكمْ لم يُدنِّسْه بسُلوانِ
باقٍ على العهدِ راعٍ للذِّمامِ فمايُسوم عهدَكمُ يوماً بنِسيانِ
فإن بَراني سَقامِي أو نأَى رَشَدِيفلاعِجُ الشوقِ أوْهانِي وألْهانِي
وإن بكتْ مقلتي بعد الفِراقِ دَماًفمن تذكرِكم يا خيرَ جِيرانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع