تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

سبطه زين الدين بن محمد

هو السبط، ذو البنان السبط، حازم الرأي في الحل والربط.

مجده نسق الحديث مع القديم، وحلاه تسوغ بها المدامة إذا تكررها النديم إلى ذاتٍ كاملةٍ مكملةٍ ونفسٍ بفعل الجميل مجملة.

ملازم كنٍ وعُزلة، متعاطٍ سهل العيش وجزله.

ثم سمت همته إلى أن طار عن أهله، وخرج يتتبَّع عجائب القطار على مهله.

يرتاد غير أرضه أرضا، ليقضى من أمر الرحلة سنة وفرضا.

حتى كان البيت الحرام آخر مطافه، انتقل إلى عفو الله وخفى ألطافه.

وقد رأيت له شعراً يتجلى في أبراد الإجادة، ويتحلى بالكلمات بالصقيلة المستجادة.

فأثبت منها ما ترقص بسماعه معاطف وذوائب، وتمسى قلوب العشاق من نار غرامه، وهي ذوائب.

فمن ذلك قوله، يشكو طول نواه، ويندب أوقاته بمحل ثواه:

سئمتْ لفَرْط تنُّقلِي البَيْداءُوشكتْ لعِظْم ترحُّلي الأنْضاءُ
ما إن أُرى في الدهرِ غير مُوَدِّعخِلًّا وتوديعُ الخليل عَناءُ
أبْلَى النَّوى جلَدِي وأوْقد في الحشَانِيرانَ وجدٍ مالها إطفاءُ
فقدتْ لطُول البَيْن عيني ماءَهافبكاؤُها بدل الدموع دماءُ
فارقتُ أوطاني وأهلَ مودَّتيوحبائباً غِيداً لهنَّ وفاءُ
من كلِّ مائسةِ القَوامِ إذا بدتْلجمالِ بهْجتها تغارُ ذُكاءُ
ما أسْفرتْ والليلُ مُرْخٍٍ سِتْرهإلا تهتَّكُ دونها الظلماءُ
ترْمِى القلوبَ بأسهُمٍ تُصْمِى ومالجِراحهنَّ سوى الوِصالِ دواءُ
شمسٌ تَغارُ لها الشموسُ مُضيئةًولها قلوبُ العاشقين سَماءُ
هيفاءُ تختلس العقولَ إذا رنَتْفكأنما لَحَظاتُها الصَّهْباءُ
ومَعاشرٍ ما شاَنَ صدقَ وفائهمْنقضُ العهودِ ولا الودادَ مِراءُ
ما كنتُ أحسبُ قبل يوم فِراقهمْأن سوف يُقْضَى بعد ذاك بقاءُ
فسقَى رُبَي وادي دمشق وجادَهامن هاطِل المزْنِ المُلِثِّ حَياءُ
فيها أُهَيْلُ مودَّتي وبتُرْبهالجَليلِ وجدي والسَّقامِ شِفاءُ
ورعى ليالِينا التي في ظِلِّهاسلَفتْ ومُقْلةُ دهْرنا عَمْياءُ
أترى الزمان يعود لي بإيابهاويباح لي بعد البعاد لقاء
فإلى متى يا دهْر تصدَعُ بالنَّوَىأعْشارَ قلبٍ ما لهُنَّ قواءُ
وتسُومني فيك المُقامَ بذلَّةٍولِهمَّتي عمَّا تسُوم إباءُ
فأجابني لولا التَّغرب ما ارتقىرتبَ العلا من قبلك الآباءُ
فاصبرْ على مُرِّ الخطوب فإنمامِن دون كلِّ مسرَّةٍ ضَرَّاءُ
واترُكْ تذكُّرَك الشآمَ فإنمادون الشآمِ وأهلِها بَيْداءُ

وقوله من قصيدة في المدح، مستهلها:

شامَ بَرْقاً لاح بالأبْرَقِ وَهْنَافصبَا شوقا إلى الجِزْعِ وحَنَّا
وجرى ذكْرُ أُثَيْلاتِ النَّقَافشكا من لاعِجِ الشوقِ وأنَّا
دَنِفٌ قد عاقه صَرْفُ الرَّدَىوخُطوبُ الدهرِ عمَّا يتمَنَّى
شَفَّه الشوقُ إلى بَانِ اللِّوَىفغدا مُنْهمِلَ الدمع مُعَنَّى
أسلمتْهُ للرَّدَى أيْدِي الأسَىعندما أحْسنَ بالأيام ظَنَّا
طالما أمَّلَ إلمْاَم الكرَىطمَعا في زَوْرِة الطَّيْفِ وأنَّي
كلَّما جَنَّ الدجى حَنَّ إلىزمنِ الوصلِ فأبْدَى ما أجَنَّا
وإذا هبَّ نسيمٌ من رُبَىحاجِرٍ أهْدَى له سُقْما وحُزْنَا
يا عربيا بالحِمَى لولاكمُماصَبا قلبي إلى رَبْعٍ ومَغْنَى
كان لي صَبرٌ فأوْهاه النَّوىبعدَكم يا جِيرةَ الحيِّ وأفْنَى
قاتَلَ اللهُ النَّوى كم قرَّحتْكبِداً من ألمِ الشوق وجَفْنَا
كدَّرتْ مَورِدَ لَذَّاتي وماتركتْ لي من جميل الصبرِ رُكْنَا
قطعت أفلاذ قلبي والحشاوكستني من جليل السقم وَهْنَا
فإلى كم أشْتكي جَوْرَ الهوىوأُقاسِي من هوى ليلى ولُبْنَى
قد صَحَا قلبيَ من سُكْرِ الهوىبعد ما أزْعجه السكرُ وعَنَّى
ونَهانِي عن هوى الغِيدِ النُّهىَوحَباني الشَّيبُ إحساناً وحُسْناً
وتفرَّغْتُ إلى مَدحِ فتىًسُنَّةَ المعروفِ والأفْضالِ سَنَّا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.