من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
أحمد بن محمد المعروف بابن المنلا
شارح مغنى اللبيب عالم الشهباء ومصنفها، ومقرط العلياء ومشنفها.
بتآليف وشح بيراعة براعتها صدور المهارق، وأتى فيها من معجزات البلاغة بالخوارق.
حاز بها في تلك الحلبة غاية الظهور، وفاز بقصب السبق فيما بين ذلك الجمهور.
وله عقود كلام لو تجسم لفظها لما رصعت إلا على التيجان، وتنزهت عن أن ترى أفرادها مواضع اللؤلؤ والمرجان.
تشتمل من رود القوافي، وخود الغزليات الصوافي.
على غرر كقطع الرياض غب القطر، وفقر أحسن من الغنى بعد الفقر.
فما يتبين في معاني بلاغته انحلال معاقد، ولا تلين قناة براعته لغمز ناقد.
فمن كلامه الدائر بين الرواة، المرتصف دراً أصدافه الأفواه.
هذه اقطعة من موشح أطلعها منيرة، وبعث بها الأشجان لنار الوجد المثيرة.
وقد عارض به موشح ابن سهل الذي يقول في مطلعه:
هل درَى ظبيُ الحِمَى أن قد حَمىقلبَ صَبٍّ حلَّه عن مَكْنَسِ
وهو من الموشح الموزون، الذي يتسلى به قلب المحزون:
رُبَّ رِيمٍ رام قلبي فرمَىفيه سهماً جاء عن غير قِسِي
من رى ظَبْياً أرانا أسْهُمامن لحاظٍ كعيونِ النَّرجِسِ
يا نديمِي قُم صَفا وقتُ الهنافامْلَ لي الكأسَ وعجِّل بالطِّلَا
وأدِرْها خمرةً تُولِي المُنَىفزَمان الأُنْسِ بالبشرِ حُلاَ
والحَيَا قد ألْبَس الروضَ الثَّنَاوعلى الدَّوْحِ من الزَّهْرِ حُلاَ
وحكتْ بالأنْجُم الأرضَ السماإذ غدَت بالزُّهْرِ منها تكْتَسِى
وحَبا الأغصانَ طَرْزاً مُعْلَماحين ماماسَ بأبْهَى مَلبَسِ
دور
ما ترى يا صاحِ أغصانَ الرُّبىمائِلات القَدِّ من خمر السحابْ
رنَّحتْها سُحْرةً أيْدِي الصَّبافصَبا القلبُ إليها باكْتئابْ
ومن الزَّهْر لها أغْلى قِبَاومن الدَّوْح لها عالِي القِبابْ
نَقَّطتْها السُّحبُ دُرّاً مثلماكستِ الروضَ بثوْبٍ سُنْدُسِي
وشذا عَرْف نسيمٍ هَيْنَماوكذا يفعُل ذاكي النَّفَسِ
دور
ما لِلاحٍ مُذْ لحَى طاب الهوىفي حبيبٍ وجهُه يحْكِي القمَرْ
لَذَّ لِي في حبِّه مُرُّ النوىوارْتكابُ الهَوْلِ يوماً إن خطَرْ
ما على مَن نجمُه فيه هوَىحبن ما صَدَّ دَلالا ونفَرْ
أحوريُّ اللحْظِ معسولُ اللَّمَىفاحِمُ الشعرِ شهيُّ اللَّعَسِ
ثَغْرُه ابدى لنا برقَ الحمىوأثِيثُ الشعرِ ثوبَ الغَلَسِ
دور
يالَه بدراً حَمى عنِّي الكرَىقدُّه والطَّرْفُ عَضْبٌ وأسَلْ
في دُجَى شعرٍ له بدرٌ سرَىوبشمسِ الوجه ليلٌ قد نَزَلْ
خَنِثٌ في جَفْنِه أُسْدُ الشَّرَىوعلى أعْطافِه لِينٌ ودَلّ
ساحرُ المُقْلةِ معشوقُ الدُّمَىقمرُ الأُفْق وظَبْيُ المَكْنَسِ
ذُو لِحاظٍ كم أراقتْ من دِماًوهي تُفْدَى بالجَوارِي الكُنَّسِ
ومن بدائعه قوله:
نازَع الخدَّ عِذارٌ دائرٌفوق خالٍ مِسْكُه ثَمَّ عبِقْ
قائلاً للْخال هذا خادمِيودليل أنه لَوْنِي سرَقْ
فانْتَضى الطرفُ له سيفَ القضاثم نادَى كما الذي أبْدَى القلقِ
أيها النُّعمانُ في مذهبِكمحجةُ الخارجِ بالمِلك أحَقْ
وقوله:
وأسمرٍ من بني الأتْراكِ ذي غَنَجٍيهُزُّ قدّاً كغُصن الْبان في هَيَفِ
كأنه حين يعْلُو سُورَ قلعتِهوينْثنى شَرفاً منه على الشَّرَفِ
غصنُ الصِّبا مزهِراًقد رنَّحتْه صَباعليه بدرٌ بدا من دَارَةِ الشَّرَف
ومن تضامينه العجيبة، قوله في شخص عابه بانحسار شعر رأسه:
يَعِيبني أن شعرَ الرأسِ مُنْحسِرٌمنه فتىً قد عَرَى من حُلَّة الأدبِ
وليس ذلك إلا من ضِراِم هوىًسرَى إلى الرأس منه ساطِعُ اللهبِ
أقْصِر فدَيْتُك ذا داءٌ بمَبْعَرِهوالعيبُ في الرأسِ دون العيبِ في الذَّنَبِ
وله في شريف يعرف بالمشهدي يدعي الشعر:
المَشْهَدِيُّ لِسانُهقد فّلَّ كلَّ مُهَنَّدِ
إن رام إنْشادَ القَرِيضِ فقُل له يا سيدِي
يشير إلى قول القائل في ابن الشجري العلوي:
يا سيِّدي والذي يُعِيذك مننظْم القريضِ يصْدَا به الفكرُ
ما فيك من جَدِّك النبيِّ سوىأنك لا ينْبغي لك الشعرُ
وفي كتاب الكناية والتعريض للثعالبي: يقولون في فلان فضيلتان من فضائل النبي ﷺ: إحداهما أنه أمي، والثانية أنه لا يقول الشعر، وهاتان الخصلتان من فضائل رسول الله ﷺ وليستا من غيره بفضيلة.
وإذا كان الرجل متشاعراً غير شاعر، قالوا: فلانٌ نبيٌ في الشعر. يعهني أنه لا ينبغي له ذلك، وعلى هذا بنى مخلد الموصلي قوله:
يا نَِبَّي الله في الشعرِ وعيسى بنَ مريَمْ
أنتَ من أشْعرِ خلْقِ الله مالمْ تتكلَّمْ
وله:
قالوا حبيبُك أمسى لا تكلِّمهولا تميلُ لرُؤْيا وجهِه النَّضِرِ
فقلتُ أمرٌ دعاني نحو جَفْوتِهوالحبُّ للقلبِ لا للِّفظِ والنَّظَرِ
وله:
ادَّعَو أن خَصْره في انْتحالفلذا بان قَدُّه المَمْشوقُ
وأقاموا الدليلَ رِدْفاً ثقيلاًقلتُ مهلاً دليلُكمْ مَطْروقُ
وممن منشآته قوله من رسالة: يقبل الأرض معترفاً برق العبودية قرباً وبعداً، ومقراً بأن فراق تلك الحضرة الزاكية لم يبق له على مقاومة التصبر جهداً.
ارتكب مجاز التصبر ليفوز بحقيقة الاصطبار، واستعار لقلبه جناح الشوق فهو هو يود لو أنه نحوكم قد طار.
عجل عليه البين بدنو حينه، وسبك في بودقة خدوده خالص إبريز دمعة عينه.
وقطر بتصعيد أنفاسه لجين دموعه، ونفى بتأوهه وأنينه طير هجوعه.
بين أيادي من حلاه الله بأشرف المناقب، ورفع رتبته العلية على أعلى المراتب.
ونصب له لواء المجد، وخفض له جناح السعد.
المجزوم بأنه أوحد العصر والأوان، والمحكوم بقصر الفضل عليه من غير احتياج إلى حجة وبرهان.
من فتح لأبناء دهره أبواب التحقيق، وفاق أقرانه بحسن التنقيح والتدقيق.
وحل من مشكلات العلوم ما أعجز كل نحرير، وأبرز غواضم الدقائق على أطراف الثمام بأحسن تقرير.
فهو المسند إليه في باب العلم، والمشار إليه بأنه إمام الحلم.
وله من رسالة أخرى: انفتح له في فضل تصريف الأيام أبواب المزيد، وتسلطت عل أصوله أيدي العلل فعاين العذاب الشديد.
فحاله رق له أولو التمييز، ومتى ارتفعت زفراته بعامل التجني من يوسف الملاحة نادى أيها العزيز.
تناوب في إهلاكه ماضي طرفه وسمهري قده فقرأت باب تنازع العاملين، وتمادى موصول جفاه فأرسل سحاب الناظرين.
وأوقع الفؤاد في عروض الأسقام، وآذن بتقطيع الأوصال بسيوف الغرام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع