من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
محمد بن حسن الكواكبي
عنوان كتاب العلى، يكتب آخراً ويقرأ اولاً.
له يفرض الشكر ويحتم، وبه يبدأ الذكر ويختم.
فلهذه ختمت به باب أولى الفتوة والبسالة، كما ختمت بمحمد ﷺ باب النبوة والرسالة.
فإنه من خلص نحلته، القائم بتأييد ملته.
ومن تقدمه بالنسبة إليه، كلهم في الفقه عيالٌ عليه.
فهم مقدمات لشكل الفضل الأول، وهي النتيجة التي عليها في القياس المعول.
فقد يتأخر الهاطل عن الرعد، والنائل عن الوعد.
ومراتب الأعداد، تترقى بتأخير رقمها وتزداد.
وتجيءُ فَذْلَكةُ الحسابِ أخيرةًلتكون جامعةَ العديد الأوْفرِ
ولا غرو فالكبير تتقدمه المواكب، والشمس بطلوعها تغيب الكواكب.
فهو النير الأعظم، وعصماء عقد النفاسة المنظم.
مزاياه تستغرق الألفاظ من النثير والنظيم، والذي قسم الحظوظ بين الناس حباه بالخلق العظيم.
وقد متعه الله بحوالسه وأعضائه، وأمته بني الدنيا بإيناسه وإغضائه.
فاقتعد الرتبة التي أرته إلى الفلك صاعدا، وصحب الهمة التي صيرته يتناول الكواكب قاعداً.
وأنا إذا أردت وصفه الذي بهر، وبدا كالصبح إذا اشتهر.
قلت في شأنه الباهر، ومحله الزاهي الزاهر:
ليت الكواكبَ تدْنُو لي فأنْظمِهَاعقودَ مدحٍ فلا أرضَى له كَلَمِي
وله من النظم الذي أبدعه فكره، واكسب صحائف الأيام فخر الأبد ذكره ما يسمو إلى الأسماع سمو حباب الماء، ويعمل في القلوب عمل الأفعال في الأسماء.
فمنه قوله مضمناَ بيتي المرسي:
حتَّى م في ليلِ الهمومِ زِنادَ فكرِك تقْتدِحْ
قلبٌ تحرَّق بالأسَىودموعُ عيْنٍ تنْسفِحْ
ارْفُق بنفسِك واعْتصِمْبحِمَى المهيْمِنِ تنْشرحْ
اضْرَعْ له إن ضاق عنك خِناقُ حالِك تنْفسِحْ
ما أَمَّ ساحةَ جُودِهذُو مِحْنةٍ إلا منحْ
أو جاءَه ذو المُعْضِلاتِ بمُغْلَق إلا فتَحْ
فدعِ السِّوَى وانْهَجْ على النَّهجِ القويمِ المُتَّضِحْ
واسمعْ مقالةَ ناصحٍإن كنتَ ممَّن ينْتصِحْ
ما تمَّ إلا ما يُريد فدَعْ مُرادَك واطَّرِحْ
واتْرُكَ وَساوسَك التيشغلتْ فؤادَك تسْترَح
وله في الغزل:
وَرْقاءُ من عهد الحبيب تُتَرْجمُلِيَهْنِك إلفٌ بالغُوَيرِ مَخيِّمُ
لئِن تندُ بي إلْفاً وما شَطَّ حيُّهفإني على شَطِّ المَزارِ مُتيَّمُ
وهَبْ سَجْعك اللموزون باللحن معرِبٌفدمعِيَ أوْفَى صامتٍ يتكلمُ
لكِ مثلٌ في العَنْدَلِيب وسَجْعِهولي بالفَراشِ الشِّبْه والفَرْقُ يُعْلَمُ
وله:
يا أيها البدرُ المُنيرُ إذا بدَاوإذا رَنَا يا أيُّهذا الرِّيمُ
ومعلِّم الغصنِ الرَّطِيب تمايُلاًرق النسيمُ لها فصار يَهيمُ
كم ذا تُمَوِّه عن صَبابةِ عاشقٍصَبٍّ على طولِ الصدودِ مقيمُ
فارْحَمْ ضَنا جسدِي وحسَن تَصَبُّرِيوارْعَ الجميلَ فما الجمالُ يدومُ
وله في ألكن:
فلا تعجبوا من لُكْنةٍ في لسانِهفمن حُلْوِ فِيه لا يفارقُه الشُّهدُ
وهذا المعنى أصله بالتركية، وكنت عربته قبل أن رأيت تعريبه.
وبيتي هو:
ما لُكنةٌ فيه تِشينُ وإنماتأبَى الحروفُ فِراق شُهْدِ لسانِهِ
ثم رأيت في ديوان الشهاب ما زاد عليه، وهو قوله:
بالله حدِّث عن تلَجْلُجِ نُطْقِهسُكْراً وأتْحِفْني بعذْبِ بَيانِهِ
الضِيقِ فِيه ليس يخرُج لفظُهأم لا يُريد فِراق عَذْبِ لسانِهِ
ومما يستعذب هنا قول ابن تميم:
عابُوا التَّلَجْلُجَ في لسانِ مُعذِّبيفأجبْتُهم للصَّبِّ فيه بَيانُ
إن الذي يُنْشِي الحديثَ لسانُهولسانُه من ريقِه سَكْرانُ
ولهذا الأصل الطيب المغرس، فرعٌ لم يزل ولا يزال تتعرف فيه المعالي وتتفرس.
وهو أحمد القائم مقام أبيه في رتبته، والمفرع لأفانين البلاغة من سامي هضبته.
زاده الله تعالى فضلاً ونبلاً، وضاعف له الثناء بعداً كما ضاعفه قبلاً.
وذلك إن كان بقي مزيدٌ بعد التمام، على أنه لم يبق إلا الاستدامة كما قال أبو تمام:
نعمةُ اللهِ فيه لا أسألُ اللّهَ إليه نُعْمَى سوى أن تدوما
ولو أنِّي سألتُ كنتُ كمنيسألُه وهْو قائمٌ أن يقُومَا
الجزء الثالث
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع