من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر
في غرائب نبهاء مصر، لا زالت محروسةً عن طوارق كل همٍ وأصر.
وهي أم الدنيا الولود، وكوكبها السعد الأكبر فلذا قوى بها طالع المولود.
تبرجت تبرج العقيلة دون ساتر، فأوقفت الناظر دون محاسنها وهو باهتٌ حائر.
فإن كان الهرمان نهدين في صدرها، فإن الخليج والعهد به منطقة في خصرها.
كل قطرٍ يشتاقها فهو يتمنى لو صدق فيها الخبر العيان، وكم هواءٍ صار لها رمالاً فهو إذا مر خط في رمل الكثبان.
وناهيك ببلدةٍ فضلها الله ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها.
وأسعد مطالع أنوائها، فاهتزت وربت مساقط أندائها.
إن بارت تجارةٌ فإليها تجلب، أو عزت نفيسةٌ فمنها تطلب.
فلذا ترغب النفوس في جوارها، وتنفسح الآراء بين أنجادها وأغوارها.
وقد جمعت ما ولد سام وحام، واشتد بها الالتحام والازدحام.
واحتوت الآن على جل أبناء يافث، من كل صنديد في عقد الملمات نافث.
فهي كرسي الأمراء والأعيان، وقرارة السادات الذين يكل عن حصر معاليهم نطاق البيان.
وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبثة عن أصالة الحلوم.
إلى الأبنية المحاذية للأفلاك، والمراقي التي كاد أهلها يسمعون تسبيح الأملاك.
وفيها المقاصر والقصور، والمقاعد التي عليها الحسن مقصور.
ومن محاسنها الزاهرة المناهج، البرك التي استوعبت رونق المباهج.
وخصوصاً إذا وفاها النيل حقها، ورأيت المناظر حولها وقد أحكمت نسقها.
فهناك تقول: ما أبهجها، ويقول القائل: ماأحقها.
انْظُر إلى بِرَكٍ في مصرٍ اتَّسَقَتْبها المناظرُ كالأهْداب للْبَصَرِ
كأنما هي والأبْصارُ تَرْمُقُهاكواكبٌ قد أدارُوها على القَمَرِ
وبالجملة فهي بالنيل تجر على البلاد الذيل والردن، ولها بذلك المزية التي ما نالها مدينةٌ من المدن.
وأحسن محاسنه عشياته المذهبات، التي لم تزل لأحزان القلوب مذهبات.
فمن رآه مال طرباً من غير مميل، وعرف سر قوله: ومما يزدهيني ضحك البدر في وجه النيل.
إلى غير ذلك من المعاهد والغيطان، والفرج التي تنسي الغريب الأوطان.
ومن عرف مقادير الأشيا، ونازل الأطلال والأحيا، عرف أن هذه البلدة واحدة بسيط الأرض، وحساب خيراتها الدارة لا ينفد إلى يوم الحساب والعرض.
وقد خرج منها واحدٌ بعد واحد، شهرة فضله كالشمس لا تنكر ولا تجحد.
فكأنه النير الأظهر، أو الجامع الأزهر.
خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة.
فمنهم: شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي أول من عددت، وأجل من أعددت.
أقول فيه لا مبالغاً، ولست لأداء بعض حقه بالغا: لأن تطاول السماء وتفرع، وتشبر البسيطة وتذرع، وتزاحم أفلاك الكواكب بالمناكب، ويتعرض لإحصاء القطرات الهوامل، بالأنامل، ويدرك جوهر الشمس، باللمس، وتعارض زخرة البحر، بالنحر، أسهل من أن تحصى صفاته، أو أن تقرع لفكرٍ صفاته.
وهو الذي سار ذكره في العالم وانتشر، وخرج في إحاطته بالعلوم عن حد البشر.
وناهيك بمن لم يخل زماناً من فائدة، ولا مكاناً من عائدة.
وقد طال عمره، وما خمد جمره.
فهو كلما أسن، شحذ مرهف طبعه وسن.
مع سلامة نفسه في كل حالاته، وتوفر أمانيه من أسباب التحصيل وآلاته.
وقد جمع من الكتب ما لا يدخل في ديوان حاسب، مع الاستعداد الذاتي الذي يأبى أن يكون باكتساب كاسب.
فسرد آيات الفضائل وتلاها، وعن اقتناص شوارد الفنون ما تلاها.
وسلمت مباحث فضله عن المعارضة والجدل، وكان الثناء له وحده فإن ذكر غيره فكالرابع المعهود في البدل.
وصنف التصانيف التي تشهد بكل فضل، وحسبك منها عناية القاضي فإنها خيرٌ من شاهدي عدل.
وأما الأدب فقد امتزج بلحمه ودمه، وكان به وجوده بعد أن أشرف على عدمه.
فهو بدونه كالجسد بلا روح، واللفظ دون مشروح.
أو كالروض لا يجاد، والعاتق بلا نجاد.
فإذا شمر في البلاغة ساعده، نضا عن ساقه لخدمته ابن ساعدة.
فأما منشآته فلا يتصور عن الإتقان خروجها، وأما أشعاره فقد حرست بالشهب بروجها.
فإن ألم بها ماردٌ فاسترق، أتبعه طارقٌ فاحترق.
وآثاره كما عرفت طويلة الذيل، تعرف مقدارها شواهد الليل.
صقلتها تلك الفكرة المطيعة، وهي وإن كانت كثيرةً فصديقةٌ للطبيعة.
فهو في الإنشا فعل الأفاعيل، وأهمل الصادين: إبراهيم، وإسماعيل.
وهما إماما الصناعة، وهماما البراعة واليراعة.
بهما فخر من نطق بالضاد، وبسببهما حسدت الحروف الصاد.
وله كتاب الريحانة الذي ذيلت عليه، واقتبست نور الهدى بتوجه رغبتي إليه.
وما أنا بالنسبة لما أبدعه، ولما جئت به مما كان الأحرى بي أن لا أدعه، إلا كمن جارى الحصان بالأتان، وواجه الغزالة بالذبالة، وقارع الحسام بالعصا، وبارى الدر بالحصا.
ذاك لا يستحسنه الإدراك، حتى تصاد الشهب بالشباك، وتتقدم الفكة على السماك.
ولقد وصف كتابه بما أغناني عن وصفه، وهذه حالي معه إذا أردت التطرية أتيت ببدائع رصفه: فهذه ذخائر من خبايا الزوايا، فيما في الرجال من البقايا تنفس الدهر به عن نفحةٍ عنبرية، وهبت بها أنفاسٌ نديةٌ ندية، تنفس الروض في الأسحار، بأفواه العبير عن ثغور النور والأزهار.
من كل شذرةٍ تهزأ بقلائد العقيان، وكل زهرةٍ لها من السطور أفنان.
وكل فريدة يقر لها بالنفاسة الجميع، وكل منقبةٍ إذا وعى ذكرها السامع وعبق قيل:
أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
ومما اقتضاني أن أثبته في وصفه، ما قاله البرهان الباعوني الشامي، في حق لسان الدين بن الخطيب والتنويه بقدره السامي، وقد رأى كتابه الريحانة، وهو به أشبه، وما أظن تقاربهما خفي أو اشتبه: صاحب كتاب الريحانة، آيةٌ من آيات الله سبحانه.
لوجه أدبه طلاقة، وللسانه ذلاقة، وللقلوب به علاقة، وفي خطه غلاقة.
قلت: وأي غلاقه يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته.
فليتأمل الناظر إليه، والمقبل عليه، ما فيه من الجواهر، والنجوم الزواهر، بل الآيات البواهر.
وليسبح الله تعجباً من قدرته جل وعلا، ومذاهبه التي عذب ماؤها النمير وحلا.
وليقل عند تأمل دره النظيم، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". انتهى.
وله ديوان شعر وقفت عليه بخطه، فأثبته بخطي، ولم يمكني على ما في من الملال التجافي عنه والتخطي.
ويكفيك من شعرٍ لو سمعه النابغة ما نبغ، أو ابن صفوان لم يبلغ من صفاء وقته ما بلغ.
ولو جاراه الجعدي لاعترف بالخرس، أو الأسدي لانصرف عن صفة الفرس.
وأنا الآن قد قصرت النظر على آثاره، من نظامه ونثاره، وحسبي ذلك من منحة الحظ وإيثاره.
فما على من بلغ من التملي بآدابه أربا، أن ينبت جسمه بعد أن يصير تراباً أدبا.
وأسأل الله أن يجعله ممن فاز بالنجاة، ويهيىء له من خزائن فيوضاته رحمته المرتجاة.
وهنا أورد من نثره العالي ما جمع الحسن أجمع، وأتبعه من شعره الغالي بما لم تر أجود منه ولا تسمع.
فمن فصوله القصار، قوله: إن ساعداً زينته بسوار المنائح، يمرى لك ضروع الثناء والمدائح.
ولك وارف ظلال، تقيل فيها الآمال.
بها الألسن تقر، والأعين والقلوب تقر.
كم موقد نارٍ بها احترق، ومحسن سبح اللجج فيها غرق.
قال لي خليع: قبيحٌ مؤاجر، أحسن من مليحٍ خلف الستائر.
شتان بين درهم النقد، ودينار الوعد.
شجاعة الملوك صبرٌ وثبات، وشجاعة الجند إقدام وثبات.
الكيس يفتح الكيس.
في إغماض العين وإغماد اللسان عقاب العقلا، وبلسان السوط والسيف عقاب السفها.
لكل قلبٍ هوى، كما أن لكل داءٍ دوا.
فما اعتلال نسيم الصبا، إلا الحب زهور الربى.
إذا خلت قلوب الأكياس، خلت من السرور قلوب الأكياس.
لو هم الفلك الدوار برفعة ماجدٍ في الأبد، ما قدم الثور في منازله على الأسد.
من باع الجزع بالاصطبار، فله على الزمن الخيار.
ما سمي الزمن زمناً؛ إلا لأنه يقول لك اقعد.
هدايا الأنام تجارة، وقبولها منهم خسارة.
المعروف والصنيعة، عند الحر وديعة.
ربما كان أمر من الدا، روائح العقاقير وشرب الدوا، وطول جلوس العواد الثقلا.
قومٌ بلا روح في الصور والملابس، كالصور المنقوشة في الكنائس.
قد يحتجب الحر لقلة اليسار، كما احتجب البدر عند السرار.
إذا كان أعدى عدوك بين جنبيك، فصبرك عليه إحدى شجاعتيك.
اللبيب أدبه، فضته وذهبه.
إذا كانت الأراجيف ملاقيح الفتن، فانطلاق الألسن نتاج المحن.
لو كان هذا الوجود أصلاً ما ولد العدم، ومن يشابه أبه فما ظلم.
الحر لا يجازي كل من أسا، والأسد لا يفترس النسا.
الدنيا بإقبالها، والدولة بأقيالها.
ما كل وقتٍ يسعف بما تحب، فإذا أردت لبون فاحتلب.
بين القواد والرقباء لاح بعض إحسان، فعرفت أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان.
من أبطأ رجاؤه، أسرع عناؤه.
ومن الخلف داؤه، فالترك دواؤه.
وكتب مقرظاً على كتاب مدين القوصوني في الطب، الذي سماه قاموس الأطباء: ما طرزت حلل الثنا، ورنقت رياض البراعة بثمراتٍ غضة الجنا، إلا لتكون لباساً لأبكار المحامد، ومرعاً لأفكار شاكرٍ وحامد.
فالحمد لمولى الحمد على ما أنعم من اللغات والبيان، وأحسن تبلقينها لأطفال الأرواح في مكاتب الأبدان.
وألهمها استخراج در المعاني من أصداف الحروف، لتنظم منها في الصدور، وتعلق في الآذان أبهى عقودٍ وشنوف.
وأزكى صلاةٍ وسلامٍ على أفصح من نطق بالضاد، فروى من عين فصاحته كل صاد.
وشفى بطلب هدايته مريض كل قلب، وهدى بمفردات حكمته كل ذي جهل مركب.
وعلى آله وأصحابه مدائن العلم والحكم، ورؤساء أطباء الأبدان والأديان من سائر الأمم.
لاسيما الأربعة الذين ترياقهم العتيق، وفاروقهم حافظ صحة مزاج الدين بكل ماضي الشفرتين رقيق.
ما دامت الدنيا دار الشفا، وصح مزاج الدهر من الأمراض واشتفى.
هذا، وإن أخي شقيق الروح وقرة العين، وصفوة الحياة ومن كفاية محبته علي فرض عين، لما أتحفني في قدومي للقاهرة بكتابه قاموس الأطباء وجدته الدرة الفاخرة، والروضة التي تفتحت فيها عيون أنواره الزاهية الزاهرة.
ظناً منه أني شعيب مدينته، وما أنا إلا سلمان بيته، بل اشعب موائد كرمه ومنته.
فإذا هو بردٌ محبر، وروضٌ وعقد كله جوهر.
وكتابٌ جميعه مفردات، ولغةٌ لو رآها الجوهري قال: هيهات العقيق هيهات.
أو الخليل بعينه، فداه بعينه.
أو جار الله لقال هذا هو الفائق، أو ابن البيطار ود لو طابقه مطابقة النعل بالنعل لما فيه من الدقائق.
أو صاحب القاموس لقال: هذا المجد، الذي ارتضع در العربية ما بين تهامة ونجد.
فلله در مصنفه فقد أرانا في الرجال بقايا، وفي الزوايا خبايا.
وأنار فكره ظلمة الجهل وقد وقد، وروى ظمآن الفكر فيما ورد ورد، وحقق ما قيل: من دق الباب ولج ومن جد وجد.
وقد قلت فيه ارتجالاً:
دهرٌ يجودُ بمثْلِهِأنْعِم به دَهْراً وَفِي
رَوَّى بكأسِ عَلومِهوخِتامُه مِسْكٌ وفِي
وكتب إلى بعض إخوانه وقد توعك:
كفاك الله ما تخْشَى وغَطّىعليك بظلِّ نِعْمتِه الظلِيلِ
أعز الله أنصار فياض الكرم والحسب، وحمى بعزته معالم العلوم والأدب.
وأبقاه محروساً من هجوم الخطوب، محفوظاً بسور منيع من إحاطة القلوب.
وأصوات حرس الدعاء مرفوعة، وسدته بحجاب الصنائع ممنوعة.
والدهر وإن كان ذا غير، ومن تفكر اعتبر، فكيف يتسلط عليه بآلامه، وهو لا يتسلط على آيادي إكرامه.
فإن هم به ونعمته متتابعة عليه، صدق قولهم: اتق شر من أحسنت إليه.
أتُهْدِي له الأيامُ سُقْماً وإنمامَساعِيه في أعْناقِهِنَّ قَلائِدُ
على أنه إن اعتل فقد اعتل المجد والكمال، وإن مرض فقد مرضت الأماني والآمال، بل القلوب والأرواح، فإذا دعونا له دعونا لأنفسنا بالصلاح.
ورب مريضٍ لا يعاد، وإن كان لا يحرم الأجر مريض الفؤاد.
ولا أقول كما قيل:
يا ليت عِلَّتُه بي غيرَ أنَّ لهأجْرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مَأْجُورِ
ولا كما قيل:
وَفَيْناك لو نُعْطَى الهوَى فيك والمُنَىلكانتْ بك الشَّكوى وكان لك الأجْرُ
وقد سمعتُ بفَصْدِه للْبَاسَلِيق، وأنه قد بكى دماً عرقه العريق.
فهاك اعْتلالُك يبْكِي دَماًوتَضْحكُ في جِسْمِك العافيَهْ
وكان قيل: عرق الصحة له في كل منبت شعرةٍ عينٌ باكية، تبكي بمدامع العرق على فراق العافية.
وإن ببكاء عرق الصحة أضحك الله ثغور مسرته، كما ضحكت تباشير الهنا بصحته.
وهنأ الله الوجود، بسلامة الكرم والجود.
فلا زال كوكب سعده طالعاً في سماء الإقبال، فإن لكل زمانٍ غرةٌ وهلال.
ومن فصلٍ له كتبه لبعض المغاربة يداعبه، وكان يقول بالظباء: مذهب مولاي تقديم الذكور على الإناث، وتطليق حور الجنان بالثلاث؛ لأن الرجل خيرٌ من المرأة بالاتفاق، فلذا تخلف عن الخلاق، وتقدم حيث الشقاق.
كما قلت له أولاً:
أديبٌ مَالَ عن حُبِّ الغَوانِيوبالأحْداثِ أصبح ذا اكْتراثِ
وقال اخْتارَ ذا أهلُ المَعانِيفغلَّبَتِ الذُّكورَ على الإناثِ
وما سواه على خلاف القياس، ولا يخلو مثله عن لبسٍ والتباس.
ومما خالف أهل المعاني، قول الأديب الأصفهاني:
وأيْرانِ تحت لِحافٍ خَطَرْ
والتغليب بابٌ واسع الموارد فلينظر الأديب في موارده، وليتسع في مصائده وأوابده.
وكتب إليه الأديب يوسف المغربي، سؤالاً أدبياً، وهو: أيها الأخ الشفيق الشقيق، والرفيق الرقيق.
والإمام الهمام، الهادي لسائله الأفهام، إذا اختلت في مهامه الأوهام.
إنني أشكل علي قول أبي منصور الثعالبي، في اليتيمة: اتفق لي في أيام الصبا معنىً بديع، حسبت أني لم أسبق إليه، وهو:
قلبِيَ وَجْداً مُشْتعِلْوبالهمُومِ مُشْتغِلْ
وقد كَسَتْنِي في الهَوىمَلبِسَ الصَّبِّ الغَزِلْ
إنْسانةٌ فتَّانةٌبدرُ الدُّجَى منها خَجِلْ
إذا زَنَتْ عيْنِي بهافبالدُّموعِ تغْتَسِلْ
هل استعارته لنظر الحبيب الزنا، مما يعد في الأدب معنىً حسنا، أو هو مما تجاوز الحد، فاستحق بالزنا الحد؟ فكتبت إليه مجيباً: أيها الأخ، قرة العين، وبدر هالة المجلس الذي هو لها زين.
إنه من المعاني القبيحة، المورثة للفضيحة.
وقد سبقه إليه ابن هندو في قوله:
يقولون لي ما بالُ عَيْنِك مُذ رأتْمَحاسِنَ هذا الظَّبْيِ أدْمُعُها هُطْلُ
فقلتُ زَنَتْ عيني بطَلْعةِ وجهِهفكان لها مِن صَوْبِ أدْمُعِها غُسْلُ
وهو معنىً قبيح، واستعارةٌ بشعة، ألا يرى ما قيل في الذم:
أيها المُنْكِحُ بالعَيْنِ جَوارِي الأصْدقاءِ
وقول صر در، في قصيدته المشهورة وإن كان معنىً آخر:
يا عينُ مِثْلُ قَذاكِ رُؤْيةُ مَعْشَرٍعارٌ على دُنْياهُمُ والدِّينِ
نَجَسُ العُيونِ فمُذ رأتْهُمْ مُقْلتِيطَهَّرْتُها فَنَزَحْتُ ماءَ عُيُونِي
وكيف يتأتى لهؤلاء ما قالوه، بعد قول يزيد بن معاوية في شعره المشهور:
وكيف ترى ليلَى بعَينٍ تَرى بهاسِواهَا وما طَهَّرْتَها بالمَدامِعِ
أُجِلّك يا ليلَى عن العَين إِنماأراكِ بقلبٍ خاشعٍ لك خاضِعِ
ومنه أخذ العفيف التلمساني قوله:
قالوا أتبكي من بِقَلْبِك دَارُهُجَهِل العَواذِلُ دارُه بِجَمِيعِي
لم أبْكِه لكنْ لِرُؤْيةِ وَجهِهطَهَّرْتُ أجفانِي بفَيْضِ دُموعِي
وقال ابن رشيق، في كتابه البدائع: قال أبو علي الفارسي: ليس العجب من توارد الثعالبي مع ابن هندو، وإنما العجب من قوله: لم أقدر أني سبقت إليه، وأبو الطيب يقول في الحمى:
إذا ما فارَقَتْنِي غَسَّلتْنِيكأنا عاكِفانِ على حَرامِ
وهل هذا إلا ذاك بعينه، وأبو الطيب أحسن لفظاً، وأصح معنىً؛ لذكره ذكراً وأنثى يقع الزنا بينهما، خلاف ما ذكراه.
وفي نقله تقرير تركناه، خوف الملل والسآمة.
وهذا ما سنح للخاطر، والسلام.
قلت: ومن النقد على الثعالبي في هذه الأبيات أيضاً قوله: إنسانة؛ فإنها عاميةٌ مولدة، وإن أورده صاحب القاموس وتشكك فيه، والإنسان يقال للذكر والأنثى، كذا قاله الشهاب في حاشية التفسير.
وأما رجلة فقد ورد في شعر العرب، قال الشاعر:
كلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتبِطاًغيرَ جيرانِي بني جَبَلَهْ
خَرَّقُوا جَيْبَ فَتاتهملم يُبالُوا حُرْمة الرَّجُلَهْ
كذا في الكامل.
وكتب إلى هذا المغربي يستدعيه:
ولما نَزَلْنَا منْزِلاً طلَّه النَّدَىأنِيقاً وبُستاناً من النَّوْرِ حَالِيَا
أَجَدّ لنا طِيبُ المَكانِ وحُسْنهُمُنىً فتمَنَّيْنا فكنتَ الأمانِيَا
فيا غاية الأماني، وسلوة الحزين العاني.
قد دعانا الربيع بلسان النسيم، وصاحت القماري هلموا إلى النعيم المقيم.
وعيون الأزهار شاخصةٌ إلى الطريق، وقلوب الأغصان واقفةٌ لانتظار الرفيق الرقيق.
فبالله عليك إلا جعلت يومنا بك عيداً، وجددت لنا وللجديدين بك سروراً جديداً.
وكتب على قول الشاعر، في وصف حمام:
للهِ يومٌ بحَمّامٍ نَعِمْتُ بهِوالماءُ من حَوْضِه ما بَيْننا جَارِ
كأنَّه فوق مِسْقَاةِ الرُّخَامِ ضُحىًماءٌ يسيِلُ على أثْوابِ قَصَّارِ
بأن قائله عيب فيه، حتى قال بعضهم:
وشاعرٍ أُوقِد الطَّبْعُ الذَّكِيُّ لهفكاد يحْرِقه مِن فَرْطِ لأَلاَءِ
أقام يُعْمِلُ أيَّاماً رَوِيَّتَهوشَبَّهَ الماءَ بعد الجَهْدِ بالْماءِ
ثم قال: وقد يوجه بأن هذا الشاعر شبه الرخام في الحمام بشقة قصار بيضاء، جرى عليها الماء، ولم يرد تشبيه الماء، ولكن ما ذكر في الطرفين جاء بارداً، فأشار الشاعر إلى برودته بما ذكر.
قلت: وقوله: شبه الماء إلخ قد تلاعبت به الشعراء، وتظرفوا فيه، ونقلوه إلى معانٍ لطيفة، فمنهم الشهاب الحجازي، حيث قال:
أقول شَبِّهْ لنا جِيدَ الرَّشَا تَرَفاًيا مُعْمِلَ الفِكْرِ في نظمٍ وإنْشاءِ
فظَلَّ يُعْمِل أيَّاماً قَرِيحَتَهُوشَبَّهَ الماءَ بعد الجهْدِ بالماءِ
ومنهم الصلاح الصفدي، حيث قال:
أقول شَبِّهْ لنا كأساً إذا مَزَجَ السَّاقِي طِلاهَا اهْتَدَى في لَيْلِهِ السَّارِي
فظَلَّ يُجْهِدُ أيَّاماً قَرِيحَتَهُوشَبَّهَ النارَ بعد الجَهْدِ بالنَّارِ
وله:
أتى الحبيبُ بوَجْهٍِ جَلَّ خالقُهُلَمَّا بَراه بلُطْفٍ فِتْنةَ الرَّائِي
فَلاح شَخْصُ عَذُولِي فوقَ وَجْنَتِهِفقلتُ شَبِّهْهُ لي في فَرْطِ لأْلاَءِ
فظَلَّ يُجْهِد أيَّاماً قَرِيحَتَهُوفَسَّر الماءَ بعد الجَهْدِ بالْماءِ
ومن نوادره ما ذكره في آخر كتابه الخبايا، قال: واتفق في عهدنا، أن قاضياً في بلاد الروم أخطأ في ثبوت شهر رمضان والعيد، خطأ ما مثله من مثله ببعيد.
فضج الناس واستغاثوا من حياته بمماته، ولم يسترح أحدٌ في ذلك الوقت غير الملائكة الكاتبين لحسناته.
إذ كسر طوق الهلال من جيد الدهر، ونقص من شهرٍ ما زاد في شهر.
وسرق العيد، واختلس برده الجديد.
كأن العيدَ أموالُ اليتَامى
فقتل جبين الهلال من غير غرة، وسلخ ذلك الشهر سلخاً بلعن من غره.
فلما اسودت الشمس كمداً بالكسوف، وتوارى القمر خلف مجنها خوف الحتوف، قال العيد: الله أكبر، على من طغى وتجبر.
وجاء شوال باكيا، ورفع رقعةً للمليك شاكيا:
قِصَّتي قد أتتْ إماماً هُمامَاتشْتكي الظُّلْمَ حين صرتُ مُضامَا
رُقعةٌ في يدِ المَلِيك طَواهَاليَراها المليكُ في العزِّ دَامَا
أنا شَوَّالُك الفقيرُ الذي قدخُصَّ بالعِيدِ والصَّلاةِ دَوَامَا
بعد شهرِ الصيامِ قد زُرْتُ قوماًجائعاً أبْتغِي بهم إكْرامَا
ولِيَ العِيدُ حُلَّةٌ وهِلالِيلِيَ طَوقٌ من فوق جِيدٍ تَسامَى
رمضانُ اعْتدَى عليَّ وأمْسَىغاضِباً ذاك لا يخافُ مَلامَا
أخْتشِي ذَبْحَةً بنَصْلِ هِلالٍثم سَلْخاً له وتَرْكِي المُقامَا
لا تُضَيِّع حَقِّي بشاهدِ زُورٍهو أعْمَى بَصِيرةٍ أو تَعامَى
جَبْهةَ الشَّاهِدِ اكْوِهَا فهْو وَسْمٌلِكَذُوبٍ عن زُورِهِ ما تَحامَى
إن كَيَّ الخُسوفِ للشمسِ ظُلْمٌوكذا الدهرُ لم يزَلْ ظَلاَّمَا
وكتب لرئيسٍ كان يمزح باليد: سيدي إن كان فيه دعابة؛ فراية مجده لم تر إلا في يمين عرابة.
وإن فرط منه للمحافظة باللطام، فلطمه لطمة ابن جدعان ويفتقر لطم كفٍ يفيض بالإحسان والإنعام.
ابن جدعان، هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، سيد قريش في الجاهلية، وفي داره حلف الفضول المشهور في السير.
وكان قد أسرف في جوده لما كبر فأخذت بنو تيم على يده، ومنعوه أن يعطي من ماله شيئاً، فكان يقول لمن أتاه: ادن مني. فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب القصاص مني أو يرضيك رهطي.
فترضيه بنو تيم بما يريد، وفي ذلك يقول عبد الله بن قيس الرقيات:
والذي إن أشار نحْوَك لَطْماًتَبِع اللَّطْمَ نائِلٌ وعَطاءُ
ونحو هذا ما يحكى عن بعض الأسخياء من الأمراء، أنه أفرط في الجود، فحجر عليه أهله، ومنعوه من أن يعطى شيئاً، فأنفذ إليه بعض الشعراء قصيدةً، فكتب إليه أن اذهب إلى القاضي، وادع علي بعشرين ألف درهم من جهة قرض، فأعترف لك، فإذا حبست وصلتك الدراهم من أهلي، فإنهم لا يدعوني أنام في الحبس.
ففعل ذلك، وأخذ الدراهم منهم.
ومن شعره المنتخب من ديوانه قوله من مقصورته النبوية، التي مطلعها:
أيا شقيقَ الرَّوْضِ حَيَّاه الْحَيَافاحْمَرَّ وردُ خَدِّه من الْحَيَا
لأنتَ تِرْبُ الغُصْنِ نَشْوانَ إذاأدارت السُّحْبُ له خَمْرَ النَّدَى
وامْتلأتْ كاسُ الشَّقِيقِ سُحْرَةًفاحْمَرَّ من خَجْلَتِه خَدُّ الطِّلاَ
منها ف الغزل:
شِفاءٌ وَجْدِي لَثْمُ خالِ خَدِّهوالْحَبَّةُ السَّوْداءُ للدَّاءِ شِفَا
يتْركُنِي تَرْكَ الظلِيمِ ظَلْمُهوهذه شِيمةُ آرامِ الْفَلاَ
تعلَّمتْ منه الليالي غَدْرَهافأنْجَزتْ باليأْسِ مِيعادَ الرَّجَا
ومن وصف السحاب في الروض:
غَمائمٌ لُعْسُ الشِّفاهِ ابْتسَمتْعن ثَغْرِ بارِقٍ إذا الثَّغْرُ بَكَا
تفُكُّ مِن مَحْلٍ وجَدْبٍ أسْرَهُوتنْثُرُ الدُّرَّ على هامِ الرُّبَى
يسُوقها الرعدُ بصوتٍ مُذْهَبٍمن بَرْقِه وهْي بَطِيَّاتُ الخُطَا
ومن وصف المهمه:
لا يَلِجُ الطَّيْفُ إليه فَرَقاًوفيه ليستْ تهتدي كُدْرُ القَطَا
بالتُّرْسِ تسْرِي الشمسُ فوق أُفْقِهِوالصُّبْحُ يلْقاه بعَضْبٍ مُنْتضَى
ومن وصف المجرة:
مَجَرَّةٌ في شَفَقٍ كأنهاوالزهرُ فيها ذاتُ مَنْظرٍ زَهَا
نَهْرٌ به كَفُّ الشَّمالِ نثَرتْوَرْداً ونَسْرِيناً جَنِيّاً قُطِفَا
منها:
على أغَرِّ أدْهَمٍ قد طلَعتْمِن وجهِه في ظُلْمةِ الليل ذُكَا
غُرَّتُه من تحت هُدْبِ شَعْرِهِطُرَّةُ صُبْحٍ تحت أذْيالِ الدُّجَا
من قول ابن نباتة في الغزل:
قلتُ وقد أبْدَى جَبِيناً واضحاًوفوقه لَيْلَ دَلالٍ قد دَجَا
أفْدِي الذي جَبِينُه وشَعْرُهُطُرَّةُ صُبْحٍ تحت أذْيالِ الدُّجَى
أدْهَمَ قيِّدِ كُلِّ وَحْشٍ شارِدٍقبَّلَه الليلُ فكُلُّه لَمَى
معنىً متداول، قال المتنبي:
نَيْلُ المُنَى وحُكْمُ نَفْسِ المُرْسِلِ
وعُقْلَةُ الظَّبْيِ وحَتْفُ المُثْقَلِ
كأنه من عِلْمِه بالمَقْتَلِ
عَلَّمه بُقْراطث فَصْدَ الأكْحَلِ
وقد ألم المتنبي فيه بقول الطائي:
كَواعِبُ أتْرابٌ لِغَيْداءَ أصْبحتْوليس لها في الحُسْنِ شِكْلٌ ولا تِرْبُ
لها مَنْطِقٌ قَيْدُ النَّواظِرِ لم يزَلْيرُوحُ ويَغْدُو في خَفَارتِه الحُبُّ
وأول من استأثر هذا المعنى امرؤا القيس في قوله:
وقد أغْتدِي والطيرُ في وُكُناتِهابمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ
منها:
نجائِبُ قد طفِقَتْ أخْفافُهافي الرَّملِ تُبْدِي لي ضمائرَ الثَّرَى
منها في المديح:
قد سترَ الجمالُ حُسْنَ وَجْهِهِصَوْناً لأبْكارِ العُقول والنُّهَى
من قول الرستمي:
بُدورٌ زَهَتْهُنَّ المَحاسِنُ أن يُرَىلَهُنَّ نِقابٌ فالوُجوهُ سَوافِرُ
والرستمي أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة:
ولما تنازَعْنَا الحديثَ وأسْفَرَتْوُجوهٌ زَهاهَا الحُسْنُ أن تَتَقنَّعَا
وهذا أحد التواجيه لبيت المعري:
ويا أَسِيرةَ حِجْلَيْها أرى سَفَهاًحَمْلَ الحُلِيِّ بمَن أعْيَى على النَّظَرِ
فوقَف الحُسْنُ عليه حائِراًمُتيَّماً وَلْهانَ في ذاك الْبَهَا
تَهْوَى الصَّبَا شَمائلَ اللُّطْفِ بهفلا تُداوِي سُقْمَها أيْدِي الأُسَا
إلاّ إذا ما لَمَستْ ضَرِيحَهفكم سَقامٍ من تُرابِه اشْتفَى
سَرَى إلى السَّبْعِ الطِّباقِ جسمُهفي صُحْبةِ الرُّوحِ الأمينِ ورَقَى
إن قطَع الأفْلاكَ سُرْعَةً فلابُعْدَ فإن ذاتَه شمسُ الضُّحَى
حَوافِرُ البُراقِ مِن آثارِهاقد ظهرَتْ فيه أهِلَّةُ السَّمَا
يُغْنِي عن المدحِ رَفِيعُ قَدْرِهِفيُمْدَح المدحُ به وما دَرَى
كلُّ لِباسٍ للمديح قاصِرٌعنه يُحَلَّ رَحْلُه دون المَدَى
سال لُعابُ الشمسِ ممَّا تشْتهِيلَذِيذَ هاتِيك المَعاني إذْ حَلاَ
وقد استعمل ابن سناء الملك هذا، في قوله يهجو الشمس:
أنتِ عَجُوزٌ لِمْ تَبَهْرَجْتِ لِيوقد بَدا منك لُعابٌ يَسِيلْ
فصاحةٌ ما الشِّعر منها بالغٌببَحْرِه قطرةَ وَصْفِ ذِي صَفَا
لذلك قد قَطَّعَه الناسُ وقددارتْ به دَوائرُ القومِ الأُلَى
وما أحسن قوله في وصف المقصورة:
بين يَدَيْها ابنُ دُرَيدٍ حاجِبٌوألِفاتُ شِعْرِه مِثْلُ الْعَصَا
ذَيْلُ الدُّجَى بِعَرْفِها مُمَسَّكٌمُضَمِّخٌ خَلُوقُها بُرْدَ الضُحَى
ومن همزيته النبوية، التي أولها:
ما سُلَيْمَى ما هندُ ما أسْماءُأنتَ مَعنىً وكلُّها أسْماءُ
وهْو حِزْبِي ووِرْدُ كُلِّ لسانٍولَكم أخْصَبَتْ به الشَّهْباءُ
ذاك حِزْبُ البحر الذي لا يُلاقِيمن يُدِمْ ذِكْرَه عَناً وبَلاءُ
منها:
وجَدُوه دُرّاً يَتِيماً تَرَبَّىلم يُدْنِّسْهُ عُنْصُرٌ وهَبَاءُ
الهباء: الأجزاء التي تؤلف منها العناصر، كما في الفتوحات.
ذاك كَيْلا يكونَ مَنٌّ عَلَيْهِلأُصولٍ له إليْها اعْتِزاءُ
في حديث الراهب بحيرى، لما سأل أبا طالب: ما هذا منك؟ قال: ابني.
قال: هذا لا ينبغي أن يكون أبوه حياً.
فيه إشارةٌ إلى أن اليتم كمالٌ في حقه، وقد بين بأن الحكمة فيه أن لا يجب عليه طاعةٌ لغير الله، ولا يكون عليه ولايةٌ ولا منةٌ لغيره، ولا يتوجه عليه حقٌّ لمخلوق، ولا نسب لقطيعةٍ ولا عقوق.
كذا في شرح تائية السبكي، لابن الهيتمي.
منها:
خُلُقٌ للصَّبَا شَقِيقٌ فمِنْهانَصْرُه والعِدَى لَها النَّكْباءُ
مُذْ أظَلَّ الزَّمانَ منه وُجودٌحسَدتْه الأزْمانُ والآناءُ
وعليه إذا غارَ من عينِ شَمْسٍظَلَّلتْه سَحابةٌ وَطْفاءُ
وبه زَهْرةُ الحياةِ رَبِيعٌمُذ أظلَّت مَوْلُودَه الخَضْراءُ
وغدَتْ أرضُه سماءً بفَخْرٍفهْي خَضْراءُ ثُمَّ لا غَبْراءُ
وله الأرضُ مَسْجِدٌ فجميعُمَن عليها له به الاقْتِداءُ
وسُطورُ الصلاةِ حُجَّةِ دِينٍوبخَتْمِ النُّبُوَّةِ الإمْضاءُ
وبه شُرَّفَتْ فكانت طَهُوراًوتساوَى البُلْدانُ والصَّحْراءُ
منها:
وله الضَّبُّ ناطِقٌ باعْترافٍومن السَّعْدِ تنْطِقُ العَجْماءُ
مع ذَأ سَفَّه النِّفاقُ أُناساًما لِضَبٍ من حِقْدِهم نافِقاءُ
ليس فيهم سِوَى أَعِنَّةِ خَيْلٍوقَنَا الخَطِّ في الوغَى سُفَهاءُ
ومِراضُ القلوب قد قَصَدْتهمسُمْرُهُ حين حَمَّتِ الهَيْجاءُ
ما سَقاهم إلاّ كُئوسَ المَنايَاربَّ داءٍ له المماتُ دَواءُ
هم ثِفالٌ إذا رَحَى الحرب دارتْوبنادِيهمُ همُ الأرْجاءُ
تُغْمَدُ البِيضُ في طُلاهمْ بفَتْكٍمُضَرٌ لُقِّبَتْ به الْحَمراءُ
هذا من الأسرار العجيبة في اللغة العربية، وهو الإشارة إلى حال اللفظ أو جهة وصفه، كقول ابن الرومي:
غارتْ عليهنَّ الثُّدِيُّهناك مِن مسِّ الغَلائِلْ
وإذا لبِسْنَ خَلاخِلاًكَذَّبْن أسماءَ الخلاخِلْ
وقال الشريف الرضي:
وغَيَّر ألْوانَ الْقَنَا طولُ طَعْنهمْفبالحُمْرِ تُدْعَى اليومَ لا بالْقنَا السُّمْرِ
وقال:
سُمِّيتِ الغَبْراءُ في عَهْدِهمْحَمْراءَ من طُولِ قِطارِ الدَّمِ
وقال الغزي:
حيثُ القناةُ تُرَى قَناةً كاسْمِهامن نَضْحِ عَيْنِ الطَّعْنَة الرَّشَّاشِ
وقال ابن حازم:
جعلُوا الْقَنا أقْلامَهم وطُرُوسَهمْمُهَجَ العِدَى ومِدَادهنَّ دِماءَهَا
وأظُنَّ أن الأقْدَمِين لِذا رَأَوْاأن يجعلوا خَطِّيَّةً أسْماءَهَا
وقال المتنبي في الدنيا:
شِيَمُ الْغانياتِ فيها فما أدْرِيلِذا أنَّث اسمها النَّاسُ أوْ لاَ
وقال الشاب الظريف:
أدُورُ لتَقْبِيلِ الثَّنايَا ولم أزَلْأجُودُ بنَفْسِي للنَّدامَى وأنْفاسِي
وأكْسُوا أكُفَّ الشُّهْبِ ثَوْباً مُذَهَّباًفمِن أجْلِ هذا لَقّبُونِيَ بالْكاسِ
وقال الخفاجي:
ما السِرُّ سِرٌّ إذا أظْهَرْتَه لِفَتىًسِواكَ والسِّرُّ لِلإخْفاءِ قد صُنِعَا
منها تتمة:
قد مَحاهمُ وطهَّر الأرْضَ منهاومع السَّيْلِ لا يَقَرُّ الغُثاءُ
وبُطونُ الطَّيرِ أمْسَتْ قُبوراًلِلْعدى إذ تُمزَّق الأشْلاءُ
ما سمِعْنا بالقبْرِ سار اشْتياقاًلِيُوارِي سَوْآتِ مَن قد أسَاءُوا
رُبَّ من كان زِئْبَقاً فَرَّاراًصار عَبْداً لِرِقِّه اسْتعساءُ
لم يَقِلْ والظِّلالُ صارتْ مِهاداًفَوْقَه الآلُ بُرْدَةٌ سِيَراءُ
منها:
هو نُورٌ فما لَه قَطُّ ظِلٌّلاَحَ لولا بُرودُه والرِّداءُ
إن نَفَى ظُلْمةً عَياءُ جَمالٍفبِظِلٍ له يَعِزُّ البقاءُ
صِينَ عن أن يُجَرَّ في التُّرْبِ ذَيْلٌمِن ظِلالٍ له كما الأفْياءُ
فَرَشَ الناسُ ظِلَّهم واحْتَذَوْهُعندما قام للنّهارِ اسْتِواءُ
كيف يبْدُو ظِلٌّ لِشَمْسٍ تَعالَتْواسْتوَى الإسْتواءُ والإرْتقاءُ
أتُراه يُصانُ عَن حَرِّ جَوٍإذْ أظَلَّتْه سُحْبُه والْعَماءُ
أمْ عليه تَغارُ مِن عَيْنِ شَمْسٍمُدَّ مِن دونها عليه الْغِطاءُ
لم تَرَ العَيْنُ مِثْلَه فلهذايَنْمَحِي ظِلُّه إذا الناسُ فَاءُوا
لَبِسَ الظِّلُّ مِن نَواهُ حِداداًفظِلالُ الورَى لِذَا سَوْداءُ
من هذا يعلم قدرته على الكلام وتصرفه، وبالجملة فلم أر أحداً مثله أطاعته ألفاظ الكلام وأحرفه.
وقد استعمل الظل في معنىً غير ما نظمه هنا من رباعية له:
ما جُرَّ لِظلِّ أحْمَدَ أذْيالُفي الأرضِ كَرامةً كما قد قَالُوا
هَذا عَجَبٌ ويا لَه مِن عَجَبٍوالناسُ بِظلِّه جميعاً قالُوا
لَيْلةٌ أنْجَبتْ وقد حَمَلْتهوبهذا ما أنْجَبتْ سَوْداءُ
جَنَّةٌ كلُّ بُقْعةٍ حَلَّ فيهاليس فيها لَغْوٌ ولا شَحْناءُ
وأهالِي الجنانِ ليس ينامُون لذا كان نَوْمُه الإغْفاءُ
يَقِظُ القلبِ فالجفونُ هُجودٌومَحارِيبُ حاجِبَيْه قُباءُ
فُوهُ لم ينْفَتِحْ بغير سَدادٍلا تَمَطٍ له ولا ثَوْباءُ
الثوباء: التثاؤب.
قال ابن حجر في شرح الهمزية: جاء أن النبي ﷺ حفظ من التثاؤب، بل جاء أن كل نبيٍ كذلك.
وذكر المترجم، في شرحه على الشفاء، عند قوله: ومن دلائل نبوته أن الذباب كان لا يقع على ما ظهر من جسده الشريف، ولا يقع على ثيابه، ما ملخصه: وهذا مما قاله ابن سبع أيضاً، إلا أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا.
وهذا مما أكرمه الله تعالى به؛ لأنه طهره من جميع الأقذار.
وقد نظم هذا في رباعية، وهي:
مِن أكْرَم مُرْسَل عظيم جَلاَّلم تَدْنُ ذُبابةٌ إذا ما حَلاَّ
هذا عَجَبٌ ولم يذُقْ ذو نَظَرٍفي الموجُوداتِ مِن حُلاه أحْلَى
قال: وتظرف بعض الأعاجم ومراده به الملا جامي فقال: محمد رسول الله ليس فيه حرفٌ منقوط؛ لأن النقط يشبه الذباب، فصين اسمه ونعته عن النقط.
ونظمه فقال:
لقد ذُبَّ الذُّبابُ فليس يَعْلُورسولَ اللهِ محموداً مُحَمَّدْ
ونَقْطُ الحَرْفِ يُشْبِهُه بشكْلٍلذاك الخطُّ عنه قد تجَرَّدْ
صَمَّمُوا آراءَهم على الفَتْك فيهِفتَوارَتْ لخَوْفِه الآراءُ
ورأَوا نَفْيَه لِحَيٍ سِواهُمْولكم أثْبَتَ المِراءَ انتِفاءُ
لم يُصِبْ نَصْبُهم مَكائدَ شَرٍوتَساوَى التَّحْذِيرُ والإغْراءُ
نَبْحُ كلبٍ بلَيْلةِ التِّمِّ بَدْراًلم يُفِدْه إلاَّ الْعَنَا والعُواءُ
منها:
ولِغَيْظٍ على سُراقةَ عَضَّتْسُوقَ نَهْدٍ من تحتِه الدَّهْناءُ
وعلى أمِّ مَعْبَدٍ نَالَ حتىبعُلاهَا تحدَّث الأحْياءُ
ورَفِيعَ العِمادِ أصْبَح لمَّاأنْ حَوَى قَدْرَه الرَّفيعَ الْجَفاءُ
وبيُمْنٍ منه له الشَّاةُ دَرَّتْوهْي للهِ دَرُّها عَجْفاءُ
وطَعامٌ لجابرٍ إذْ أتاهوبخَفْضِ الإضافةِ النَّعْماءُ
كطعامِ الجِنانِ من غيرِ قَطْعٍلجميعِ الأنامِ فيه اكْتفاءُ
وله في وصف تلك الذات، التي وصفها أشهى اللذات، من قصيدة طويلة:
تملَّك حَبَّاتِ القلوبِ لأجل ذادَعاهُ حَبِيباً كلُّ صَبٍ مُتَيَّمِ
ويوسُف لم يظْفَرْ بمَسْحةِ حُسْنِهعلى أنه رَبُّ الجمالِ المُكرَّمِ
يقال: عليه مسحةٌ من كذا، أي أثر. قال:
على وَجْهِ مَيٍ مَسْحةٌ مِن مَلاحةٍ
وفي الحديث: " عليه مسحةٌ من ملكٍ "، وهي تعبيرٌ بليغ، وهو خاصٌ بالمدح.
فأين النِّساءُ القاطِعاتُ أَكُفَّهاوشَقُّ ابن مُزْنٍ صَدْرَه شَقَّ مُغْرَمِ
ودُرٌّ يَتِيمٌ لم يُهَذِّبْه كافِلٌوآدابُه ليست إلى الناس تَنْتمِي
يقول أنا الأمِّيُّ في اللَّوحِ ناظِرٌوفي مَكْتَبِ الأرْواحِ رَبِّي مُعَلِّمِي
منها:
إذا لاح في مَوْضُونَةِ السَّرْدِ خِلْتَهُخِضَمّاً تَرَدَّى بالغَدِير المُنَسَّم
أأعْداءُه خُشْبٌ مُسَنَّدةٌ ولمتَحِنَّ حَنِينَ الجِذْعَ حين التَّألُّمِ
أم الصَّخْرُ إنَّ الصَّخْرَ سَلَّم إذْ بَداوما سَلَّمتْ تسْليمَ أخْرسَ أعْجَمِ
منها:
فسَلْ يوم بَدْر حين لاحَتْ نُجومُهوشمسٌ بغَيْرِ النَّقْع لم تتثَلَّمِ
بكُلِّ كَمِيٍ كان في بَطْنِ أُمِّهتعلَّم أن يُغْذَى ويُرْوَى من الدَّمِ
لم أسمع في هذا المعنى أبدع من قول أبي بكر الإشبيلي المعروف بالأبيض، في تهنئة بمولود:
أصاخَتِ الخيلُ آذاناً لِصَرْختِهِواهْتَزَّ كلُّ هِزَبْرِ عندما عَطَسَا
تعشَّقَ الدِّرْعَ مُذْ شُدَّتْ لَفائفُهُوأبْغَضَ المهْدَ لمّا أبْصَرَ الْفَرَسَا
تعلّمَ الرَّكْضَ أيَّامَ المخاضِ بِهِفما امْتطَى الخَيْلَ إلاّ وهْو قد فَرُسَا
وله من أخرى مستهلها:
يا ليْتنِي ثانٍ لِحادٍ حَداكْورابعُ الكَهْفِ لِكَهْفٍ حَواكْ
وليت نَوْءَ الطَّرْفِ في رَوْضةٍأنتَ بها رَغْماً لِنَوْءِ السِّماكِ
أسْقِي بها مَثْواكَ يا مُنْيتِيهل تُسْكَبُ العَبَراتُ إلا هُناكْ
يا ابْنَ الذبِيحَيْن وقد فُدِّيَاليت جميعَ الخلْقِ كانوا فِدَاكْ
فما اسْتحقّ العَنْبَرُ الرّطبُ أنيُحرَق إلا حين حاكى ثَراكْ
ليت وُجوهاً لأعادِيكَ لوأمْسَتْ نِعالاً حَاجِباها شِرضاكْ
لم تَحْكِكَ السُّحْبُ ولا البَحْرُ فيجُودٍ ولا فاز بما في لُهاكْ
فالبَرْقُ لم يَلْمعْ ولكنَّهيضْحَكُ من وَابِلِ غَيْثٍ حَكاكْ
وله:
أيُغْلَبُ من له الأَمْلاكُ جُنْدٌورَبُّ العَرْشِ قد أمْسَى مُعِينَا
وقَبْلَ جُيوشِه هُزِمَتْ قلوبٌبرُعْبٍ خِلْتَه سَبَق المَنُونَا
ولو ثَبَتُوا لَفَرَّ الْهامُ منهمْوأرْوَاحٌ لهم كانتْ كَمِينَا
وله:
لِرَسُولِ الإلهِ أعْلَى مَقامٍليس يَدْرِي به جميعُ الْكَلامِ
وله هِمَّةٌ وعَزْمٌ رفيعٌجَلَّ عن أن يُرْتَضَى بمِلْكِ الحُطامِ
فلذا لم يكُنْ له مِيراثٌغيرَ شَرْعٍ وغيرَ عِلْمٍ سَامِي
لو تكون الدُّنْيا له مِيراثاًمِثْلَ ما كان في جميعِ الأنامِ
ما حَواهَا الصِّدِّيقُ في عَصَباتٍوذَوِي الفَرْضِ من أُلِي الأرْحامِ
وهْو حَيٌّ في قَبْرِه ورسولٌلم يُوَرِّثْ حَيّاً ذَوُو الأحْلامِ
فَدَكٌ قد قضَتْ عليْنا بهذاوحديثُ العَبَّاسِ والأعْلامِ
فادْرِ هذا فإنه جَوْهَرٌ قدحَفِظتْه خَزائنُ الأفْهامِ
لا يَغُرَّنَّك الذي قال قومٌحين ضَلُّوا في مَهْمَهِ الأوْهامِ
ومن أخرى:
فالجِذْعُ حَنَّ وأنَّ مِن جَزَعٍلِفِراقِ طه بَعْدَما خَطَبَا
وغَدا غِراساً في الجِنانِ لهثَمَرٌ يَطِيبُ بِمَنْهَلٍ عَذُبَا
والمُشرِكون قَسَتْ قلوبُهُمفطَغَوْا ولم يُصْغُوا لخيرٍ نَبَا
فغَدَوْا وهم خُشُبٌ مُسَنَّدةٌستَراهمُ لِجَهَنَّمٍ حَطَبَا
وله:
لِوَالِدَيْ طه مَقامٌ عَلاَفي جَنَّةِ الخُلْدِ ودارِ الثَّوَابْ
وقَطْرةٌ من فَضَلاتٍ لهفي الجَوْفِ تُنْجِي مِن ألِيمٍ العقابْ
فكيف أرْحامٌ له قد غَدَتْحامِلةً تَصْلَى بنارِ العذابْ
وله:
رُواةُ حَدِيثِ المصطفَى قد دعَا لهمْبنَضْرةِ وَجْهٍ في المَسَرَّةِ لا تُحَدّ
وإنِّيَ قِدْماً خادمٌ لحديثِهِيَرَاعِي بمِحرابٍ الطُّرُوسْ له سَجَدْ
فحَاشاهُ أن يَرْضَى بذِلَّةِ عَبْدِهِويهْدِمَ بُنْياناً عليه قد اعْتَمَدْ
إليه اسْتِنادِي في جميعِ مَقاصِدِيوما خاب مَن كان الرسولُ له سَنَدْ
وله في قصة عامرٍ مع النبي ﷺ وأربد:
يا خُلَّبَ الْبَرْقِ الذيكالنَّصْلِ قد قطَع العَلائِقْ
وَافَيْتَ أرْبَدَ بالرَّدَىللهِ دَرُّك أيّ بَارِقْ
ما ذاك أوَّلَ شائِمٍلِلْبَرْقِ أرْدَتْهُ الصَّواعِقْ
وله:
بِمَسِّ أقْدامِ النَّبِيِّ قد حَوَتْطَيْبَةُ فخراً حَلَّ في أرْجائِهَا
أَخَالُها مذ فَنِيَتْ بحُبِّهِصَانَتْه لِلْغَيْرةِ في أحْشائِهَا
وله مضمناً:
وقالوا حَلَتْ بئرٌ بِرِيقِ مُحمَّدٍوكم عاد صَخْرٌ بعد ما مَسَّه رَطْبَا
ولو نال ماءُ البحرِ من فِيهِ قَطْرةًلأصْبَحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِه عَذْبَا
لمجنون ليلى:
ولو تفلَتْ في البحرِ والبحرُ مالحٌلأصبحَ ماءُ البحرِ مِن رِيقِها عَذْبَا
وله:
ما زَلْزَلَةٌ لها سقوطُ الإِيوانْإذْ حان قُدُومُ فَخْرِ نوعِ الإنْسانْ
إلاّ لِمَسَرَّةٍ تَهُزُّ الأكْوانْإذْ بَشَّرها به اخْتِلاجُ الأعْيانْ
وله:
طه كَمُلَتْ صِفاتُه والخلُقُمُذْ زُيِّن في الوجودِ له النَّسَقُ
بحرٌ عَذُبَتْ مَوارِدُ الشُّرْبِ بهلولاه لَما اسْتُخْرِج منه العَلَقُ
وله:
نِيرانُ فارسَ انْطَفَتْ لمّا بَدَتْبُشْرَى النُّبُوَّةِ ساطِعاً بُرْهانُهَا
سجَدتْ لِنِيرانِ المَجُوسِ عِصابةٌسجَدتْ لأنْوارِ الهُدَى نِيرانُهَا
وله:
لَعَمْرُكَ جَبْهَةُ خيرِ الورَىجِراحَتُها آيةٌ للبشَرْ
أرانا لها اللهُ حتى نَرَىبها كيف كان انْشِقاقُ القَمَرْ
وله:
قَصَرْتُ مَدائِحِي والقَصْرُ مِنِّيعلى طه وما لِلْقَصْرِ مَدُّ
إذا كان الثَّناءُ له جميلاًهو الْحَمْدُ الذي في العُرْفِ حَدُّوا
ولم يُرَ منه أجْمَلُ طَرْف عَيْنٍفليس بِلائِقٍ لِسِوَاه حَمْدُ
وله:
خَلِيليَّ مُرَّا بِي على طَيْبَةَ التيبها مَضْجَعُ المُختارِ طه المُقَرَّبُ
يفُوق ذَكِيَّ المِسْكِ عَرْفُ تُرابِهافمِن شَمْسِه نادأك صَلِّ عَلَى النَّبِي
ألَمْ تَرَ أنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقاًوَجَدْتُ بها طِيباً وإن لم تَطَيَّبِ
وله:
لَعَمْرُكَ ما قلبُ النَّبِيِّ غَفَا ولاَعيونٌ له في ظُلْمةِ الليلِ رَاقِدَهْ
تَهجَّدتِ الأجْفانُ في ظُلْمةِ الدُّجىفبانتْ بِمحْرابِ الحَواجِبِ ساجِدَهْ
وله في وصف الصحابة مضمناً:
يُكبِّرُون إذا خاضُوا بُحُورَ رَدىًوما لَهُمْ عن حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ
حياض: جمع حوض، وحياض الموت: المنية، استعارة منه، والتهليل: الانهزام والتكذيب، قال:
أمْضَى وأعْنَى في اللِّقاءِ لَقِيتَهُوأقَلُّ تَهْلِيلاً إذا ما أُحْجِمَا
ومن لطائف المتأخرين:
هَلُمَّ لوَصْلِ حَمَّامٍ بديعٍيفُوق رُخامُه زَهْرَ الرِّياضِ
لِبُعْدِك ماؤُه ما طاب قَلْباًوأمْسَى من فِراقِك في الْحِياضِ
ومن تفاريق قصائده قوله:
على النَّهْرِ دِرْعٌ من نَسِيمٍ حَبابُهُله حَلَقٌ لمَّا رَمى وَبْلُه نَبْلاَ
تكِلُّ سيوفُ الهندِ في لَحْظِ مُنْيَتِيفتعْذُب والتَّعْذِيبُ في السيفِ إن كَلاَّ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع