من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه إسماعيل (٢)
واجتاز بحلب فسمع بها أبا الفضل الهاشمي، ولقي بها حنبل الرصافي مجتازًا إلى دمشق، وسمع في طريقه بحماة ..... وزاد شيوخه على المائة شيخ.
/ ب/ ثم توجّه إلى بلده، فأقام به مدة إلى أن أرسل خلفة بلديه الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني، وكان كثير الاعتقاد فيه، فاستدعاه إلى حلب فخرج من الموصل متوجهًا إلى حلب؛ فخرج العرب على القافلة فأخذوه فيما بين حرّان ورأس عين، وأخذوا كتبه وقماشه في الجملة، وسلم بنفسه.
ثم وصل إلى حلب وذلك سنة إثنتين وعشرين [وستمائة] فأنزلة شمس الدين لؤلؤ في داره ومال إليه بجملته، واعتمد عليه في أموره، ودام على ذلك مدّة.
ثم فوّض إليه قاضي القضاة أبو المحاسن المذكور آنفًا التدريس بالمدرسة النورية المعروفة بالنغري.
سئل عن مولده، فقال ولدت في يوم الأحد السادس عشر من المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وهو شيخ فاضل كيّس تام المروءة، كريم الصحبة، حسن الأخلاق، حرّ الطباع، يراعي حق أصدقائه ومعارفه، ويتعصب لهم باجتهاده، ويبالغ في قضاء حقوقهم، وإيصال الراحة إليهم؛ نعم الرجل هو دينًا وفضلًا وسكونًا وعقلًا وحلمًا وعلمًا.
أنشدني لنفسه بمدينة حلب يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر أ/ من سنة أربع وثلاثين وستمائة ما كتبه من الموصل إلى مدينة السلام في كتاب إلى بعض أصدقائه يداعبه ويطايبه:
بأيِّ لسان بعد بعدك أنطقلأبدي شكايات جناها التَّفرُّق
سهادٌ بجفن العين منِّي موكلٌوقلب لتذكار الأحبَّة يخفق
وشوقٌ إلى الزَّوراء يزداد كلَّماترنَّم قمريُّ وناح مطوَّق
وما شاقني حسر ولا رقَّة ولاصراة بها الماء الفرات مرقرق
ولا نهر عيسى والحريم ودجلةٌولا سفنها أمست تخبُّ وتعتق
ولكن لييلاتٌ تقضَّت بسادةٍبرؤيتهم شمل الهموم يفرَّق
فلا غرو أن تذرى الدُّموع ببعدهمومنهم حليف المكرمات الموفَّق
سلامٌ عليه كلَّما ذرَّ شارقٌوإن كان يلهيه الغزال المقرطق
إسماعيل بن أبي الفتح بن رزق الله بن الهائم السنجاريُّ.
أنشدني أبو الحسن علي بن الحسين بن دبابا الفقيه الحنفي، قال: أنشدني إسماعيل بن أبي الفتح السنجاري لنفسه:
/ ب/ سقى الله أرضًا بالعراق وإن خلتتهائمها من بعدكم ونجودها
سحائب يسحبن الذُّيول كأنَّهانجائب قد مالت عليها قتودها
إذا شارفت منها الشَّوارف بلدةًوقد مات مشربها وجفَّ صعيدها
بكين بها ورقٌ كأن هاج شجوهامن الورق في رأد الضُّحي
[وله يرثي أبا القاسم علي بن محمد بن علي بن مهاجر الموصلي، واستشهد على يدي التتار الملاعين– خذلهم الله تعالى– وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة:
أحقًا درى الناعي بما هو قائلهوما ثكلته عند ذاك ثواكله
نعى أسدًا يردي الخطوب قراعهوتسترحب الأرض الوقور زلازله
فواحسرتا لم تحظ نفسي بقربهولا علمت أن الحمام يعاجله
ويا طول حزني بعده وتلدُّديويا خيبتاه في الَّذي أنا فاعله
وحسبي حزنًا أن أرى الرَّبع موحشًا..... ..... جلا جله
فلله قلبٌ ما تغنَّت حمامةٌعلى إلفها إلا وهاجت بلا بله
لقد أودع المعروف..... ... ..... ..... جنادله
فيايستضحك الرَّوض برقه ... ويبكي تلاع الأرض بالقفز وابله
تحمل إلى قبر الشَّهيد تحيِّةًتطيب بها أسحاره وأصائله
فيا أيُّها النَّاعيه جهلًا بقدرهستبدي لك الأيَّام ما أنت فاعله
وقال معين الدِّين أثبته الرَّدىبسهم ردًى أصمى المعالي عاجله
فلو كان كفؤًا من أصيب بسهمهعذرت ولكن ليس بالكفء قاتله
مضى والعلا لم تستتمَّ رضاعهولم ترو من ماء الشَّباب مناهله
ولم تشفالسَّمهريِّ بكفَّه ... ولم ..... .....
....... ... ..... قد أظهر آياته
.. الأيام دونك والنَّوىوأنت بقلبي ساكنٌ
.. إلى سحائب ليس يقلع نوؤهأواخره من رحمةٍ وأوائله
ولا برح التُّرب الذي أنت جارهتزف ..... الرياض .....
وصابك من سروى أبيك وبرَّهسحائب يهديها إليك فواضله
هو الصَّاحب المولى الوزير محمَّدٌمكارمه معروفةٌ ونوافله
فلولا كمال الدِّينتطيب ... ..... ..... ..... غوائله
فلا راعنا فيه الزَّمان بفادحٍولا زال يعلو بالعلا من يطاوله]
إسماعيل بن عمر بن عبد العزيز بن هبه الله بن الحسن بن أحمد بن حمدون، أبو الفداء السنجاريُّ، المعروف بابن الخطيب.
كان لسلفه الخطابة بسنجار، وبيتهم مشهورٌ بالعلم والفضل.
وأبو الفداء قرأ شيئًا من الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة– ﵁– ورحل إلى مدينة السلام مادحًا الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور– خلّد الله دولته– وعاود منها إلى إربل؛ فلقيته بها في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وستمائة، وأنشدني قوله في أمير المؤمنين المستنصر بالله– عظم الله سلطانه-:
دار السَّلام وصلتها فاستبشريواستشعري حمد الصَّباح المسفر
/ أ/ وتفيَّئي برد الظِّلال وغادريحرَّ الهجير لمنجد ومغوِّر
هذي قصيَّات المنى بلِّغتهاوسلي إدامتها وسعيك فاشكري
يا ناق حلَّلت النُّسوع ولم تكدأو لم تحلَّ بالمحلَّ الأكبر
حرم النُّبوَّة والخلافة مركز الإسلام والدِّين الحنيف الأطهر
نادي أمير المؤمنين وموئلاللَّاجين من عافٍ ومن مستغفر
من طاعة الله طاعته ومنعصيانه كالشِّرك ضد مكفَّر
مستنصرٌ بالله لم تعدم إجابته بنصرة دعوة المستنصر
عرفت لبيعته الإمامة حقَّهافعلا بوطئته علاء المنبر
نسخت مكارمه المكارم كلَّهافكأنَّها من قبله لم تذكر
في الأرض أبحر عشرةٌ مشهورةٌوالأرض نعرفها بسبعة أبحر
مستحدثٌ في كلِّ يوم سؤددًامتحدِّثًا عن سؤددٍ في العنصر
ألقى له الإسلام فضل زمامهفاقتاده بيد المحقِّ المظهر
كالسَّيف في ذات الإله وإن غداكرمًا كميَّاد الأراك الأنظر
وأغرَّ بالمجد الغريب مظفَّرٌوسواه بالعاديِّ غير مظفَّر
كالغيث يجري نائلًا ومواهبًالم يعطها صوب السَّحاب الممطر
/ ب/ شرفت بنو العبَّاس منه بمشرفٍمن فوق اسمه العلاء مشمِّر
قوم هم شمُّ الجبال رجاحةًوخلائقًا كالماء غير مكدَّر
لهم فتوح المكرمات وفيهمنزلت مفاتح سورة المدَّثِّر
سمعًا أمير المؤمنين قصيدةًعذراء قد طالت مقال البحتري
بك فخرها والنَّاس لم يعرف بهمأحدًا سواك بمدحه لم يفخر
قامت بمدحك حسب طاقتها ومنيسطيع مدح مكارم لم تحصر
حزت المدى في الشُّكر حتَّى ما يرىيومًا لفضل نداك من لم يشكر
شرفت بنو العباس يوم العبَّاس يوم خلفتهمبمكارمٍ مشهورة لم تنكر
وفدت هباتك وفد كلِّ قبيلةٍوسرين نحو العاجز المتدٍّبر
لمَّا أرد إلَّا لملكك داعيًاومؤدِّيًا فضل المديح المثمر
إلَّا فماذا بالغٌ نظم أمرىٍءعن بعض شكرك والثَّناء مقصِّر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
نؤمِّل بعد البين أن نتجمَّعاوشحط النَّوى لم يبق فى القوس منزعا
وقد كنت أشكو البعد والدَّار لم تبنفقد صرت أشكو هجركم والنَّوى معا
/ أ/ نأيتم فلا جفني يلمُّ به الكرىحفاظًا ولا جنبي يلائم مضجعا
وكنت أرى أنِّي عصيٌّ على الهوىفكنت له من بانة الشِّعب أطوعا
تصاممت عن طير الفراق وإنَّماأضاءت بنا داعي الرَّحيل فأسمعا
وطارت بلبِّي يوم طارت ركابكمعلى إثرها تلك النَّواعب وقَّعا
فلا يتَّهمني الكاشحون بأنَّنيصبوت فقلبي يوم أزمعت أزمعا
إسماعيل بن عليِّ بن أحمد بن يوسف بن عمر الموصليُّ، أبو الفداء.
نزل مدينة إربل وتولّى بها عملًا وأقام بها مدّة طويلة في دولة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين– ﵀؛ شيخ طويل أبيض اللحية.
أخبرني أنه ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وتوفي بإربل يوم الأربعاء سادس عشر شعبان سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه:
يا أيُّها المولى الَّذي عجز الورىعن شرح ما يأتيه من إحسان
جلَّت جواهرك الشَّريفة أن تكنأعراضها جسمًا لذي جثمان
لكن لطفت فصرت معنًى قائمًابصفاته في صورة الإنسان
/ ب/ وأنشدني أيضًا قوله:
وقائلة لم لبست البياضوقد كنت تلبس ثوب الحداد
فقلت السواد مضى في البياضوهذا البياض لهذا السَّواد
وأنشدني لنفسه أيضًا:
محبتي آدم من فرط زلَّتهومن نجا باسنه نوحٌ من الغرق
وآل طأها ومن في فضله نزلتآي الكتاب وتأتي سورة الفلق
لأنتم في فؤاد قلَّ ما هدأتمنه الجوانح احراقًا من القلق
أحلى من الأمن في قلب المخوف ومنطيب الكري في جفون السَّاهر الأرق
ووجدت له من الشعر قوله:
أما آن لمرِّ الهجر يا مولاي أن يحلو
وما أوهنه الهجران أن يجبره الوصل
وما أرخصه الإعراض والتَّفريق أن يغلو
رعى الله أنأسًاساء فينا منهم العدل
عقدنا بيننا العهدولكنَّهم حلَّوا
إذا كان الجفا منهملأمر ماله أصل
/ أ/ فمن يرجو من بعديبأن يصفو له الخلُّ
فللَّه فتًى قالمقالًا صدَّه الهزل
ترى تجمعنا الدَّارترى يكنفنا الظلُّ
إسماعيل بن صديق إسماعيل أحمد بن خليفة بن سويدان بن عليِّ بن عطّاف بن قرقاش القرشي الدمشقيُّ، المعروف والده بالرامي.
كانت ولادته فى سنه ستّ وتسعين وخمسمائة بنابلس، وانتقل إلى دمشق وهو صغير السن. ثم قدم حلب وتعلق بخدمة الملك الظاهر ثم بعده لولده الملك العزيز ثم ولده الملك الناصر يوسف.
شاهدته بمدينة حلب يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ شاب جندي كيّس جميل، له رواء ومنظر حسن.
أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح الملك العزيز صاحب مدينة حلب:
ما آل يوسف حامد يثني كمايثني الثَّرى الصَّادي عن الغيث الرِّوى
وجهًا كشفت قناعه في مدحكمإذ صنتموه بجودكم عمَّن سوى
/ ب/ قسمًا ولست بشاعرٍ مسترفدأودى به طمع الهوى حتَّى هوي
ما للمدائح عنكم مندوحةٌلا غرو من فرج ..... صوى
ولأنتم الكهف الَّذي لذنا بهفأفاض نعمته وأدنى المنتوى
وأقام معقلنا وكان مزلزل الأركان مفصوم العرى واهي القوى
إنِّي صدفت عن المديح لغيركموعجمت عود مطامعي حتَّى ذوى
لكن علمت بأنَّ مدح محمًّدفرضٌ ومن ناجى الكليم بذي طوى
ملكٌ أراني المجد شخصًا والنُّهىروحًا لغايات المكارم قد حوى
فروى عليَّ جلاله آي العلاوهو الخليق بما رويت وما روى
فليعلم الفصحاء أنَّ مدائحيما ضلَّ شاعرها المجيد ولا غوى
أول قصيدة:
أخبار أوسمة الأجيرع فاللِّوىتنشي الغرام لمن روى ومن ارتوى
فإلى م تسأل عن ديار قطينةوالدَّاء من سبب تروم به الدَّوا
فاكتب فما ترك الأسى لى أدمعًاكلَّا ولا جلدًا ينازعه جوى
ولقد نويت على التصبِّر للهوىولصثرفه ولكلِّ عبدٍ ما نوى
يا راكبًا تهوي به شدنَّيةٌوجناء طاوية المصير على الطِّوى
/ أ/ ناء عن الأوطان قد قذفت بهأيدي النَّوى حتَّى استكان على التَّوى
ليلوذ معتصمًا بحبل محمَّد.... عرين علاه خفَّاق اللِّوا
لذ بالغياث بن الغياث محمَّد الملك العزيز وقد شكرت يد النَّوى
ملكٌ روى صوب الحيا عن كفِّهوأقرًّ بالتَّقصير عن رىِّ الرِّوى
وتلا سنى غرر الجياد جيادهطمعًا فقهقهر دون
ولقد طوى جور الزَّمان بهم فمانشرت من اليسر الكريمة ما أنطوى
إسماعيل بن محمود بن المكارم، أبو محمد النعّال الواعظ.
شاب فاضل خيّر لم يزل مواظبًا على الاشتغال بعلم الوعظ، والجلوس برباط منسوب إلى والده.
وهو أحد من أنعم عليه الإمام الظاهر بأمر الله– رضى الله عنه– وأذن له في الجلوس بباب بدر الشريف، وشهد عند قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرازق
فقبل شهادته، وأثبت تزكيته.
أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين– خلّد الله دولته-
ياصاحبيَّ بأعلام العذيب صفاشوقي إلى منهل بالأبرقين صفا
/ ب/ وحدِّثا أهل نعمان الأراك بمالقيته مذ غدًا قلبي بهم كلفا
وسائلا الرَّكب عن وجدي فإن وقفت.... وادي الحمى فقفا
لي جنَّةٌ إن سرى من نحو كاظمةٍبرقٌ يسير به الدَّاجي إذا خطفا
بدا وميضًا فأبدا لمعه حرقيوعاد خفيًا فأخفى الصَّبر حين خفا
هاجت لقلبي تذكار العهود وماء الوصل بالبان حتَّى صحت واأسفا
قل للحبيب الَّذي أفنى بهاجرةصبري فأضحى جفاءً منه حين جفا
كن كيف شئت فما لي اليوم ملتبسٌإلَّا بقاء إمام العصر لي وكفى
فهو الَّذي أنشر الأرمام نائلهبهاجر من غوادي برِّه وكفا
خليفةٌ جمَّل الدُّنيا وأنعش منفيها بظلٍّ على كلَّ العباد ضفا
لو عاش في الدَّهر يومًا حاتمٌ ورأىجدواه عادله بالفضل معترفا
له عوارف تسري بعضها ملأالأيَّام طيب ثناءٍ نشره ألفا
ما قال: لا في جواب السَّائلين لهبجود كفَّيه ألغى اللَّام والألفا
بل قوله نعمٌ تلفى بها نعمٌبفيضهنَّ على العافين قد عطفا
فديت في مشرق الدُّنيا ومغربهاعرف المديح لمعروف به عرفا
داوى بطيب أياديه ورأفتهمن كان أشفى لفقرٍ نازل فشفى
/ أ/ مولًى له قصبات السَّبق كاملةًلأنه كمَّل العلياء والشَّرفا
أضحى..... ... للُّطف مدَّرعا بالعطف متَّصفا
مؤسِّسًا للتُّقى أساس ذي ورعٍلكونه من بحار الوحي مغترفا
وقد حمى الدِّين والدُّنيا سطًا وندًى بخاطر عن مراضي الله ما صدفا
.. مواكبه الإملال حيث سرتلا زال شملهم بالنَّصر مؤتلفا
ودام للملك مولانا الخليفة مارقى الغصون حمام البان أو هتفا
أنشدني محمود بن عثمان، قال: أنشدني إسماعيل بن محمود بن مكارم البغدادي لنفسه:
روِّق الصِّرف قد تولَّى الظَّلاموأدرها فقد تغنَّى الحمام
والشَّحارير صوَّتت في البساتين أيبقى من بعد هذا منام
والمعيديُّ في المياه يناديكلُّ نومٍ على المحبِّ حرام
ونسيم الصَّباح بالطِّيب والمشموم والعرف سجسجٌ نمَّام
وصريع الشَّراب كالرَّمس ملقًيوالسُّقاة الأهداف والأعلام
مثل ما صاغ قبلنا نبعة المعتزِّ هذا المعنى فتمَّ النَّظام
وكأنَّ السُّقاة بين النَّدامىألفاتٌ بين السُّطور قيام
/ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه:
قم فاطرد النَّوم عن وسنان قطربلٍوقل له كم كرى أودى له السَّهر
فقام يبزل دنًّا كان غارمفاطلع الشَّمس والدَّيجور معتكر
أما ترى لازورد الأفق ملتمعًانوراً وعقد الثريَّا ظلَّ ينتثر
وكنت مرتقب المصباح يوقدهفضاء بالراح ما قد عطَّت الشَّجر
وأشبهت حاله الرَّاووق إذ مزجتكهالة التِّبر لاحت فوقها الدُّرر
كم قد خطرت على السَّاقي على خطرٍفي زمرةٍ غيِّبوا عنهم وقد حضروا
وقال أيضًا:
هذه الدَّار كأسها الحلو من جودها راجحٍ وليس يشف
أسرت إن سرت مرت أمرتأنصفت إن صفت وهيهات يصفو
خلِّها خلِّها فمن شأنها الغدر وفى أطيب التَّواصل يجفو
وقال أيضًا:
لو قطعت العراق من سفح قافقاطعًا للحزون والأحقاف
واضعًاعلى الأرض في السِّير ووجهي
لم أجد كلفة المسافة من شوقي إليكم وذلكم غير خافي
إسماعيل بن يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أبي زيد بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عليٍّ- ويلقب باغرّ- بن عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالبٍ, أبو زيد بن أبي جعفرٍ الحسنيُّ البصريُّ.
كان والده نقيب البصرة.
وأبو زيد كان خبيرًا بأيام العرب وأشعارها ومعرفة اللغة والأدب, وقول الشعر, كريم النفس, تام المروءة شجاعًا في نفسه من بيت العلم والشرف والنقابة والأمالي, وأشعاره لم يقع لي منها شيء إلّا ما أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفرج الواسطي, قال: أنشدني أبو زيد لنفسه من قصيدة يقول منها:
إذا ولي الأعمال كلَّ... غشومٍ ظلوم لم يزل متحرِّما
ويظهر نسكًا للأنام وإنَّماسجيَّته أن يستبيح المحرَّما
وكم قد بني من مسجد في خرابةٍليجعل مال الله نهبًا مقسَّما
فقف بإزاء التَّاج من أرض بابلٍوناد بصوت معربٍ غير أعجما
ألا يا ولاة الأمر حتَّام أنتمتكونون عن مال الخليفة نوَّما
إسماعيل بن يرنقش بن عبدالله ب/ أبو الفداء, السنجاريُّ العماديُّ.
مولي عماد الدين أبي الحارث بن زنكي بن مودود بن زنكي- صاحب سنجار-.
حدثني الصاحب أبو البركات, قال: رأيت أبا الفداء هذا بالموصل وكان جنديًا
لطيفًا حسن الصورة, دمث الأخلاق, ذا جود وسخاء وأدب وفضل من أحسن الناس شبابًا, وأكملهم جمالًا وظرفًا. توفي وهو شاب بالموصل سنة نيّف وستمائة.
ثم قال: وأنشدني من شعره أبو القاسم أبو بكر بن إسماعيل التلعفري, قال: أنشدني أبو الفداء لنفسه يعّزي الملك الأشرف أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب في أخ له من أمّه اسمه يوسف:
دموع المعالي والمكارم ذرَّفوربع العلا قاعٌ لفقدك صفصف
غدا الجود والمعروف في اللَّحد ثاويًاغداة ثوى في ذلك اللَّحد يوسف
فتًى خطفت كفُّ المنيَّة روحهوقد كان لللأرواح بالبيض يخطف
سقته ليالي الدَّهر كأس حمامهاوكان يسقِّي الموت في الرَّوع يعرف
فيا حسرتا لو ينفع المرء حسرةٌويا أسفا لو كان يجدي التَّأسُّف
وكانت على الأرزاء نفسي قويَّةًولكنَّها عن حمل ذا الرُّزء تضعف
وختمها بقوله:
/ أ/ جزاءً بما أسلفتني من عوارفوكلُّ امرئٍ يجزى بما كان يسلف
إسماعيل بن إبراهيم بن المأمون بن محمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد بن العباس بن يوسف, أبو المجد الأنصاريُّ الواعظ الدمشقيَّ.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي, قال: ورد أبو المجد إربل فامتدح الملك المعظم أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵀ بقصيدة, لنفسه في أوائل سنة خمس عشرة وستمائة:
قم نغتنم فرصًا من اللَّذاتبالرَّاح نجلوها على الرَّاحات
صهباء تشرق في الزُّجاج كأنَّهابرقٌ تألُّقه من الآيات
أو مثل شمسٍ أشرقت بحبابهادرُّ تنضَّد في ذرى الكاسات
من كفِّ أهيف كالهلال إذا بداحلو الشَّمائل فاتن الحركات
يسبي القلوب قوامه وكلامهطلق المحيَّا فاتن الحركات
رشاٌ يعاطينا الكؤوس بمجلسفيه اصطحاب العود والنَّايات
يرنو فأحسب بابلًا بلحاظهأو مشرفيًّا ماضي الشَّفرات
أهوى مضاربه واعشق خدَّهوأودُّ أبصره مع السَّاعات
وأهيم من شوقٍ إلى تقبيلهشوقًا يزيد بحلمه حسراتي
/ ب/ وأرى النَّعيم به عذابي دائمًاوتلذُّ لي بصدوده زفراتي
الياس بن جامع بن عليِّ بن أبي طالب العبديُّ، أبو الفضل الإربليُّ.
الفقيه الشافعيُّ العدل. كان أحد عدول إربل المعتبرين. وكان ووالده يلقب أيّنا.
حدثني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي- رحمه الله تعالى- وهو مما ذكره في تاريخ إربل، قال: كان أبو الفضل يبلغ إلى أبي طالب من غير زيادة في النسبة، فقال لي يومًا: بلغني أن أبا طالب- يعني جدّه- كان نحويًا، فقلت لعله العبدي أحد أئمة إربل المذكور بها.
تفقه بإربل ثم رحل إلى بغداد طلبًا للفقه، فأقام بها زمانًا طويلًا، وكتب الكثير من حديثها بيده، وسمع من رجال الحديث خلقًا كثيرًا، وروى عنهم.
سمع شهدة بنت أحمد الأبري، والأسعد بن بلدرك الجبريلي، وأبا إسحاق
إبراهيم بن علي بن الفراء السلمي، وأبا الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، والشريف أبا الفتوح المبارك بن محد بن سلم الهاشمي أ/ وأبا هاشم عيسى بن أحمد الدوشابي، وأبا العّز محمد بن محمد [بن مواهب بن الخرساني، وأبي الحسن علي بن محمد بن بكروس، وأبي الكلام] جعفر بن عقيل، وأبا الفتح عبيد الله بن عبيد الله بن شاتيل، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمان القزاز وخلق كثير.
وكان وافر الهمّة كثير الكتابة والتحصيل. سافر إلى مدينة السلام طالبًا للحديث النبوي في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة, وأقام بها مدة يتفقه بمدرستها النّظامية على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ وعاد إلى بلده، وخرّج التخاريج، وجمع مجموعات جمّة، وحدّث هناك بأكثر سماعاته، وتفرّد بكتابة الشروط.
وسمع منه جماعة من الإربليين والواردين إلى إربل، وأفاد الناس، وانتفع به عالم لا يحصى. وكان صدوقًا ثقة مأمونًا.
وكانت ولادته- مما قرئ بخطّ يده-: مولدي في وقت الغروب من ليلة الأحد سابع وعشرين شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بإربل. وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم الإثنين خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة، ودفن بظاهرها في شرقيها قريبًا من مقبرة أحمد الزرزاري الزاهد.
ألقى بإربل تفسير الإمام أبي إسحاق الثعلبي على جماعة با .......؛ وله تواليف عدّة ب/ منها اكتاب "تفسير القرآن الكريم"، وكتاب كبير في الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول؛ وغير ذلك.
وقال الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات، أنشدني لنفسه:
قالوا الكمال يزيديٌّ فقلت لهملا تأمنوه وكونوا منه في حذر
أضحى بسوء اعتقادٍ فى الوصيِّ وفيأبنائه النُّجباء السَّادة الزُّهر
أعمى الفؤاد وأعمي العين فهو إذنعلى القياسين أعمى القلب والبصر
وقال أيضًا، وهو مما نقل من خطه:
أممرض قلبي ما لهجرك آخرومسهر طرفي هل خيالك زائر
ومستعذب التَّعذيب جورًا بصدِّهأما لك في شرع المحبَّة زاجر
هنيئًا لك القلب الَّذي قد وقفتهعلى ذكر أيَّامي وأنت مسامر
فلا فادح الحزن المبرِّح خاطريلبعدك حتَّى يجمع الشَّمل قادر
فإن متُّ فالتَّسليم منِّي عليكميعاودكم ما كبر الله ذاكر
وحدّثني يوسف بن ضوء بن علي الإربلي، قال: وعدت الياس بن جامع بجزء من تفسير الثعلبي أ/ أن آتيه به إذا انقضى في ذلك الوقت عيد النصارى، فانقضى العيد بأيام، وكتب إلي يقتضني الجزء:
مهذَّب الدِّين يا ذا الفضل والحسبوالعلم والشَّرف السَّامي مع النَّسب
عيد النَّصارى انقضى والدَّين حلَّ بهلا صبر لا صبر لي عن سيِّد الكتب
فانعم به كأياديك الَّتي سبقتفالمنُّ بالكتب فوق المنِّ بالذَّهب
تم الجزء الأول من هذا الكتاب
والحمد لله أولًا وآخرًا وصلّى الله على محمد وآله
ويتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله
ذكر ولده الياس بن الياس بن جامع بن علي الإربلي
﷽
وبه الثقة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع