من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه القاسم
القاسم بن القاسم بن عمر بن منصورٍ، أبو محمدٍ الواسطيُّ.
كان مولده بواسط العراق سنة خمسين وخمسمائة في ذي الحجة، ومات بحلب في يوم الخميس رابع ربيع الأوّل سنة ستٍّ وعشرين وستمائة بظاهرها، ودفن قبليها في بستان كان له بمقام إبراهيم- ﵇.
كان أديبًا نحويًا لغويًا فاضلًا أريبًا، مصنفًا له تصانيف في الأدب حسان، ومعرفة بهذا الشأن. قرأ النحو بواسط وبغداد على أبي الخير مصدق بن شبيب بن الحسين الواسطي، ودرس اللغة على الرئيس عميد الرؤساء أبي منصور بن أيوب الحلي، وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر الباقلاني بواسط، ثم على الشيخ علي بن هيّاب الجماجمي.
وسمع كثيرًا من كتب اللغة والنحو والحديث على جماعة يطول شرحهم منهم:
أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختار المندائي، ب/ وأبو الحسن علي بن
أحمد بن الحسين بن المبارك بن نغوبا، وسمع عليه المقامات عن أبي محمد الحريري.
وانتقل أبو محمد من بغداد إلى حلب سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فأقام بها يقرئ العلوم ويفيد أهلها: نحوًا، ولغة، وضروب علوم الأدب. وصنّف بها تصانيف عدّة منها: كتاب "شرح اللُّمع" لأبي الفتح بن جني، وكتاب "شرح التصريف الملوكي" لابن جني، وكتاب "فعلت وأفعلت" بمعنى على حروف المعجم، وكتاب في اللغة لم يتمه، وكتاب «شرح المقامات» على حروف المعجم ترتيب كتاب العزيزي، وكتاب «شرح المقامات» آخر على ترتيب آخر، وكتاب «الخطب»، وكتاب رسالة أخذ فيها على الراشد أبي محمد عبد الرحمن بن النابلسي الشاعر في قصيدة نظمها في الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- ﵁ وأشعار في فنون مختلفة.
ذكره الصاحب الوزير أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم في تاريخ النحويين أ/ من تصنيفه، وظلم فضله وبخسه حقَّه؛ ثم قال: أولًا كان من أهل واسط. وكان كيّالًا بها، ولقي أدباء أهلها وأخذ عنهم طرفًا قريبًا من النحو، وقال شعرًا هو أجود من شعر النحاة، وقصد به الناس وارتزق منه أكثر أوقاته، وانتقل إلى حلب وأقام بمدرسة الحلاويين، يرتزق على طلب فقه أبي حنيفة. ثم قرّر له على إقراء العربية رزقٌ في جامعها فأقرأ جماعة ما فيهم من جاد ولا ساد. وكان نحوه عجيبًا في نزارته، واعجابه به يسقط منه فيما يحترز منه الأطفال المبتدئون.
ثم أورد له خبرًا قضية جرت له أعرضت عنها. وكان كثير الإعجاب بنفسه، يرى أنّه لم يوف حقّه فلا يزال شاكيًا متأوّهًا متعنتًا على القضاء والقدر. وكان مع هذا مذموم الطريقة والاستهتار بشرب الخمر، واتخاذ علوج ليسوا بحسان الخلق. يتحشر في محاشر ردية من محلل الفسوق، ويخالط جماعة على ذلك- نعوذ بالله من النظر إليهم-.
وفي آخر أمره سافر إلى الجهة الشمالية يروم تصدراُ وارتزاقًا من بيت قليج أرسلان، ب/ فلم يقدر له على ذلك، وعاد إلى حلب متلافيًا العيشة، الذي كان قديمًا فلم تحصل له فسألني النظر في حاله مع عتب كان يبلغني عنه فصرفته في باب
الخان السلطاني يرتزق برزق، فلم يزل قانعًا به إلى أن توفي، ولقد كان له شيء كما قيل وهبه لغلامين له- نعوذ بالله من النظر إليهما-.
وصنَّف شرحًا لديوان المتنبي، غاية أمره أنَّه اختاره من شرح الواحدي وأضاف إليه من مصنف ابن وكيع في سرقات المتنبي.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن فضلون الفقيه العقري، قال: انشدني أبو محمد لنفسه:
لا ترد من خيار دهرك خيرًافبعيدٌ من السَّراب الشَّراب
رونقٌ كالحباب يعلو على الكأس ولكن فوق الحباب الحباب
عذبت في اللِّقاء ألسنة القوم ولكن تحت العذاب العذاب
وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي- ﵁ قال: أنشدني أبو محمد القاسم بن القاسم الواسطي باربل سنة ثمان وتسعين أ/ وخمسمائة يتشوّق وسطّا:
ولمَّا تداعى بالفراق عشيَّةًغراب النَّوى من واسطٍ ودعاني
ولم يقض من توديعكم لي حسرةٌوإن كنت مالي بالفراق يدان
تمنيَّت خفَّاق النَّسيم لعلَّةيعلِّل قلبًا دائم الخفقان
فلا عيش لي أو تجمع الَّدار بينناويسمح لي بالقرب منك زماني
سلام كنشر الرَّوض رقَّ نسيمهعلى أربعٍ تزهو بكم ومغاني
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
فدتك العلا إنَّ وعد الكريم دينٌ وطالبه كالغريم
وحاجة مثلي من المكرماتوما للمكارم غير الكريم
وقوله:
ومالي إلى العلياء ذنبٌ عملتهولا أنا عن كسب المحامد باعد
ولكنَّني لمَّا نهضت إلى العلابأسبابها لم يجد في الجدِّ قاعد
وأنشدني القاضي الإمام الصدر السعيد كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة بحلب- حرس الله مدته- قال: أنشدني الشيخ العالم أبو محمد القاسم بن القاسم الواسطي ب/ في شهر شعبان سنة سبع وستمائة لنفسه بحلب يمدح السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي- ﵀:
وقفنا على حكم الهوى نعلن الشَّكوىبألفاظ دمعٍ تفضح السِّرَّ والنَّجوى
وكانت لنا دعوى من الصَّبر قبلهاولكن دموع العين أبطلت الدَّعوى
وقد كنت قبل البين جلدًا تهزنيتباريح شوقٍ سرها في الحشا يطوى
وأحمل ثقل الوجد والرَّبع آهلٌولكن إذا ما الرَّبع أقوى فلا أقوى
ولي وقفةٌ بين الحمول تقسَّمتفؤادي أقسام النَّوى بينهم تنوى
ذويت بها واهتزَّ غصني وربمايعود اهتزاز الغصن من بعدها يذوى
وما ساعة التَّوديع إلَّا بغيضةٌولكنَّها تهوى لتقبيل من يهوى
وفي الحلَّة الحمراء ظبيٌ كناسهفؤادي فلا يبرين يرعى ولا حزوى
تخيره روضًا أريضًا وموردًانميرًا فما تغشاه ريَّا ولا أروى
له فتكاتٌ بالحجى بابليَّةٌأحاديثها عن جفنه فى الورى تروى
نوافث في الألباب سحرًا ونشوةًإذا خطرت في خاطر أنشأت بلوى
/ أ/ فلا تنكروا خمرًا حوته لحاظهمن الأشنب المعسول والمبسم الأحوى
وما ضعف جسمي من ضعاف جفونهولكنَّها تقوى فتسطو أنا الأقوى
ولم أر خمرًا قبلها في كؤوسهاتخامر ألباب الرِّجال فتستهوى
كأنَّ غياث الدِّين غازي بن يوسفٍأسرَّ إليها من خلائقه نجوى
دع الشَّمس واستطلع شموس صفاتهتجد عند تمييز النُّهى أنَّها أضوا
فمستحسن الأعطاف يغني عن الغنىومستعذب الألفاظ يسلي عن السَّلوى
أخو الرُّشد يستغوى لمجدٍ وسؤودويا رشد من بالمجد والسُّؤدد استغوى
لقد ساد حتَّى لم يجد طالبًا علًّاوجاد إلى أن لم يدع طالبًا جدوى
وبرَّز في فقه المعالي بعلمهفمن عنده في مشكلات العلا الفتوى
رمى مقتل الآمال بالمال فانتدىنداه وقد أصمى الرَّمايا وما أشوى
ندّى فاق في الآفاق حتَّى لوانَّهسحابٌ أرانا الحرث في موضع الإروا
وما ضرَّنا ان تبخل السُّحب دونهومن سحب كفَّيه لنا أكرم المثوى
شكونا فأعدانا على الدَّهر نصرهوعدنا فلا دعوى علينا ولا عدوى
بجأشٍ تضيق الأرض عن جيش عزمهإذا ماد لا يرضى لأركانه رضوى
يخفُّ إلى داعي الطَّعان كأنَّهعقابٌ رأت صيدًا وأفلتها المهوى
/ ب/ فيستخرج الأرواح عامل رمحهويلوي ديون الثأر للباسل الألوى
ويبسط من فوق البسيطة قبضةًنفوس عدًا كانت بأنفاسها تروى
ويسقي القنا قاني النَّجيع كأنَّمايرى العار أن يروى السِّنان ولا تروى
وما صدرت من ريِّها عن صدورهمثعالبها إلَّا عوى الذِّئب واستعوى
فللمجد ما أبنى وللمال ما أفنىوللحمد ما أقنى وللشكر ما أحوى
مناقب مستقصى على المجد ما انثنىعن السَّعي حتَّى جاوز الغاية القصوى
لها أثرٌ في المأثرات كأنَّهامواسم في وجه الزَّمان بها تكوى
فلولا معانٍ فيه للمد أوضحتمعاني القوافي ما عرفنا لها فحوى
ولولا المغاني الغانيات بمدحهعفا منزل التَّقوى وربع الهدى أقوى
فلا برحت أيَّامنا بدوامهمهيمنةً للملك والدِّين والتَّقوى
ومن موشحاته:
أيُّ عنبريَّه .. في غلائل الغلس من زبر جديه .. تنبه النَّفس
جادها الغمامفانتشى لها الزَّهر
[وابتدا الكمامأعينًا بها سهر]
وشدا الحمامحين صفَّق النَّهر
وارتدت عشيَّه .. كملابس العروس حللًا سندسيَّه .. ما دنت من الدَّنس
/ أ/ فاملأ الكؤوسافضةً من الذَّهب
واجلها عروساتوِّجت من الشُّهب
تطلع الشُّموسافي سنّى من اللَّهب
فلها مزيَّه .. في الدُّجى على القبس بحلّى شهيَّه .. كمحاسن اللعس
مخبرٌ سناهاعن تطاير الشّرر
فازمن جناهامن قلائد الدُّرر
فإذا تناهىفي الخلائق الغرر
قلت ظاهريَّهأظهرت لملتمس من علًا أبيَّه ... ما تغال بالخلس
أخرى:
في زهرةٍ وطيببستاني ... من أوجه الملاح
أجلو على القضيبريحاني ... والورد والأقاح
ما روضة الرَّبيعفي حلَّة الكمال
تزهو على ربيعٍمرَّت به الشَّمال
في الحسن كالبديعبالحسن والجمال
ناهيك من حبيبنشوان ... بالدَّلِّ وهو صاح
/ ب/ إن قلت وآلهيبيحيَّاتي ... من ريقهٍ براح
كم بت والكؤوستجلى من الدِّنان
كأنَّها عروسزفَّت من الجنان
تبدو لنا الشُّموسمنها على البنان
لم أخش من رقيبينهاني ... الهوى إلى الصَّباح
مع شادنٍ ربيبفتَّان ... زندي له وشاح
خيل الصَّبا بركضيتجري مع الغواه
في سنَّتي وفرضيلا أبتغي سواه
وحجَّتي لعرضيما تنقل الرُّواه
عن عالمٍ لبيبأفتاني ... إنَّ الهوى مباح
والرَّشف من شنيبريَّان ... ما فيه من جناح
أخرى:
سلت لنا الغزلانصوارم الأجفان ... من العيون
واهتَّزت الأغصانوارتجَّت الكثبان ... تحت الغصون
فكيف للصبِّوأيمّا قلب ... يرجو الخلاص
/ أ/ من أعين السِّربوأسهم الحبِّ ... ولا مناص
وحاكم الحبِّعن شرعه ينبي ... أن لا قصاص
نصر الهوى خذلانليناصر الشجعان ... فتستكين
للنَّاظر الوسنانوالويل للإنسان ... من الجفون
هاروتها نفثافي عقد الصَّبر ... ما يأتلي
وزاده خبثاما فيه من خبر ... بالمقتل
يرثي ولا يرثىبالتِّيه والكبر ... ويبتلي
ما أقتل الإنسانقتاله فتَّان ... للعاشقين
كأنَّما العينانحبائل الشَّيطان ... إلى المنون
فالأحور الأحور .. بطرفه السَّاجيإذا رنا
يستضعف الأقوى .. في ليله الدَّاجيعلى الضَّنى
يا ويح من يهوىفي يأسه راجى ... وبالمنى
يسول عن السُّلوانويهجر الهجران ... عسى يهون
صاحي الجوى سكرانتبدي له الأشجان ... حرَّ الأنين
أسرفت في الغدريا منية النَّفس ... والمنتهى
/ ب/ وطلعة البدرونزهة الإنس ... والملتهى
وبيضة الخدروروضة الأنس ... والمشتهى
وقيل لي بستانأزهاره ألوان ... للنَّاظرين
النَّرجس الرَّيَّانوالورد والرَّيحان ... والياسمين
حديقة فيهامن خدِّك التَّفاح ... ما يقطف
والنار يطفيهامن الرُّضاب الراح ... والقرقف
وكيف يخفيهاومسكها فيَّاح ... إذ يرشف
والدُّرُّ والمرجانمن حبب الأسنان ... عقد ثمين
على قضيب البانبصدره ... رمَّان .. في كلِّ حين
يكفيك من وجديوفرط وسواسي ... ما تعلم
وهان ما عنديمن حرِّ أنفاسي ... لو أسلم
والفتك ما يجديفي قلبك القاسي ... والمسلم
يخشى من الرَّحمنوسطوة السُّلطان ... في الظَّالمين
/ أ/ المطعم المطعانوالمنجد المعوان ... عليّ المعين
أخرى: -
ما تفعل السِّهامما تفعل الحدق ... تصمي القلوب رشقا ... والجلد ما انخرق
لي شادن ربيبفي جفنه وطف
أردافه كثيبوالخصر مختطف
وعطفه الرَّطيبإن مال وانعطف
راقت لنا المداممن كأسه النفق ... وخلت منه شرقا ... في كفِّه شفق
في وجهه المفدَّىآس وجلَّنار
وزان منه خدَّاماء به ونار
صبح إذا تبدَّىيعلو له منار
بدر له تمامفي فرعه غسق ... نظما به فنسقى ... من ثغره النَّسق
قد أمرض المعنَّىالحاظه المراض
وفي السَّواد معنىيزهن به البياض
والقدُّ إن تثنَّىأو كان في الرِّاض
/ ب/ غنَّى به الحمامواكتن في الورق ... يا حسن ذاك خلقا ... سبحان من خلق
يا من به يلوذحاذر من الرَّدى
فسهمه نفوذما يقبل الفدا
ينضو لمن يعوذسيفًا مجرَّدا
في خدِّه الحسامللفتك ممتشق ... يزداد منه عشقا ... للقتل إن رمق
وقال أيضًا:
أيُّ عيون هنَّهأمضى من الأسنَّه
ترشقنا بأسهملا تتَّقى بجنَّه
فتستبيح مهجًافي الحجب مستكنَّه
ضعائف قد جعلتقتل النُّفوس سنَّه
ليت الغواني لعبتأيدي الهوى بهنَّه
فغيَّرت ورد الخدود بها رهنَّه
فكم جنت من زفرةموصولة بأنَّه
جنة حسن رتعتًالحاظنًا فيهنَّه
/ أ/ فأورثتً قلوبنانار لظى مكتنَّه
فمن رأى نار جحيم نشأت عن جنَّه
وقال أيضًا:
أقول لمعشر حمدوا الفاوذابت من حقودهم الصُّدور
تعبِّس في وجوههم المعاليإذا ابتسمت لغيرهم الثُّغور
وموتي في الحياة بغير دفنجسومهم لأنفسهم قبور
يغطُّون الصَّباح بكلِّ كفٍّلها دون العلا باع قصير
ويبدون الطَّلاقة من وجوهكما برقت لرائيها الصُّخور
سعى للمجد سعي النَّمل يعلوعلى الدُّولاب وهو به يدور
فكان صعودهم فيه نزولاكما لنشاطهم فيه فتور
طلابكم العلا زور بعيدلأنَّ الأكرم القاضي وزير
وقال أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو عبد الله الحافظ:
ديباج وجهك بالعذار مطرَّزبرزت محاسنه وأنت مبرِّز
وبدت على غصن الصبا لك روضةوالغصن ينبت في الرِّض ويغرز
/ ب/ وجنت على وجنات خدِّك حمرةخجل الشَّقيق بها وحار القرمز
لو كنت مدَّعيًا نبوَّة يوسفلقضى القياس بأنَّ حسنك معجز
[أو كان عطفك مثل عطفك ليِّنًاما كان منك تمنُّع وتعزُّز]
وله في إبن النابلسي الشاعر، ويلقب مدلويه:
لا تعجبنَّ لمدلويــه بدا من الخلق البغيض
وتكسَّرت أسنانهبالعضِّ في جعس القريض
وتقطَّعت أنفاسهعرضًا بتقطيع العروض
وله فيه أيضًا يهجوه:
يا من تأمَّل مدلويه وشكَّ فيما يسقمه
أنظر إلى بخر بفيه وما أظنك تفهمه
لا تحسبن بأنَّهنفس يغيِّره فمه
لكنَّما أنفاسهنتنت بشعر ينظمه
وأنشدني الصاحب مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن القفطي –أدام الله سعادته- أ/ قال: أنشدني القاسم بن القاسم الواسطي لنفسه:
حقُّ دود القزِّ يبنيفوقه ثمَّ يموت
بعدما سدَّى وقد ثار يسدِّي العنكبوت
وقال من قصيدة:
زهر الحسن غير زهر الرِّياضمنه للغصن حمرة في بياض
قد حمة ورده ونرجسه الغضَّ سيوف من الجفون مواضي
فإذا ما اجتنيت باللَّحظ فاحذرما جنت حصَّة العيون المراض
فلها في القلوب فتكة باغرويت عنه فتكة البرَّاض
وإذا ما رمت سهامًا من الهدب رمين السِّهام بالأغراض
واغتنم بهجة الزَّمان وقابلشمس أيَّامه الطِّوال العراض
بشموس الكؤوس تحت نجومفي طلوع من أفقها وانقضاض
واجل من جوهر الدِّنان عروسًالطفت عن جواهر الأعراض
كلَّما أبرزت أرتك لها وجه انبساط يعطيك وجه انقباض
فعلى الأفق للغمام ملاءطرَّزتها البروق بالإيماض
/ ب/ وكأنَّ الرُّعود أرزام نوقفصلت دونها بنات المخاض
أو صهيل الجياد للملك الظَّاهر تسري بالجحفل النَّهاض
وقال أيضًا؛ وأنشدنيها المولى القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بمحروسة حلب –أيده الله تعالى-:
فوا أسفا مات الكرام وعطِّلتشرائع سنَّت للعلا والمكارم
ولم يبق من رسم النَّدى وطلولهسوى ذكر من عهده المتقادم
سأندبه ما عشت جهدي وإن أمتأقمت بأشعاري صفوف المآتم
وله قصيدة يمدح بها:
جد الصِّبا في أباطيل الهوى لعبوراحة اللَّهو في حكم النُّهى تعب
وأقرب النَّاس من مجد يؤثِّلهمن أبعدته مرامي العزم والطَّلب
ةقارها كظلام اللَّيل حاملةأهلَّة طلعت من بينها الشُّهب
منقضَّة من سماء النَّقع في أفقشيطانه بغمام الدِّرع محتجب
وأسودَّ وجه الضُّحى ممَّا أثار بهوأشرق الأبيضان الوجه والنَّسب
/ أ/ في موقف يسلب الأرواح سالبهاحيث المواضي قواض والقنا سلب
لا يرهب المرء ما لم تبد سطوتهلولا السِّنان استوى الخطِّي والقضب
إنَّ النُّهوض إلى العلياء مكرمةلها التذاذان: مشهود ومرتقب
والملك صنفان: محصول وملتمسوالمجد نوعان: موروث ومكتسب
والنَّاس ضدَّان: مرزوق ومحترمتحت الخمول ومغصوب ومغتصب
والطَّاهر النَّفس لا ترضيه مرتبةفي الأرض إلاَّ إذا انحطَّت له الرُّتب
والفضل كسب فمن يقعد له نسبينهض به الأفضلان: العلم والحسب
لله درُّ المساعي ما استدرُّ بهاخلف السِّيادة إلاَّ أمكن الحلب
وحبذا همَّة في العزم ما انتدبتلمبهم الخطب إلاَّ زلَّت الحجب
وموطنا يستفاد العزُّ منه كماأفادت العزَّ من سلطانها حلب
ومنها يقول:
مؤيد الرَّأي والرَّايات قد ألفتذوائب القوم من راياته العذب
إن نازلوه وقد حق النِّزال فمنأنصاره الخاذلان: الجبن والرُّعب
أو كاتبوه فخيل من كتائبهتجيب لا المخبران: الرُّسل والكتب
مغاور يذهب الأعمار ذابلهفي غارة الحرب والأموال تنتهب
/ ب/ في جحفل قابلوا شمس النَّهار علىمثل البحار بمثل الموج تضطرب
حتَّى كأنَّ شعاع الشَّمس بينهمفوق الدُّروع على غدرانها لهب
ما أنكر الهام من أسيافه ظبةوإنمَّا أنكرت أسيافه القرب
ما يدفع الخطب إلاَّ كل مندفعفي مدحه الأفصحان: الشِّعر والخطب
ومن إذا ما انتمى في يوم مفتخرأطاعه العاصيان العجم والعرب
وله من قصيدة أولها يمدح بها كمال الدين بن العديم:
أفي البان إن بان الخليط مخبِّرعسى ما انطوى من عهد لمياء ينشر
عسى حركات في اعتدال سكونهاأحاديث يرويها النَّسيم المعطَّر
يودُّ ظلام اللَّيل وهو ممسَّكلذاذتها والصُّبح وهو مزعفر
أحاديث لو أنَّ النُّجوم تمنَّعتبأسرارها لم تدر كيف تسيَّر
يموت بها داء الهوى وهو قاتلويحيا بها ميت الجوى وهو مقبر
فيا لنسيم صحّتي في اعتلالهوصحوي إذا ما مرَّ بي وهو مسكر
كأنَّ به مشمولة بابلَّية .. صفت وهي من غصن الشَّمائل تعصر
إذا نشأت مالت بكِّفك نشوةكما مال مهزوز من البام يمطر
وقال يمدح الوزير أ/ القاضي الأكرم أبا الحسن علي بن يوسف القفطي، ويلتمس منه أن يرتبه في خدمة:
يا سيِّدي قد رميت من زمنيبحادث ضاق عنه محتملي
وأنت في رتبه إذا نظرتإلىَّ صًار الزَّمان من قلبي
والنَّظم والنَّثر قد أجدتهمافيك فلا تترك الإجادة لي
فداك قوم إذا وقفت بهمرأيتني واقفًا على ظلل
تشغل أموالهم مساعيهمفهم عن المكرمات في شغل
تحمي حماها أعراضهم فإذاماتت حماها سور من البخل
معاول الذَّم فيه عاملةإعمالهم في مغاير الحيل
نعلك تاج إذا رفعتهملرأس حاف منهم ومنتعل
فاسمع حديثي فلي مغازلةتبثُّ شكواي موضع الغزل
قد كنت في راحة مكمَّلةأحيي المعال بميِّت الأمل
أرفل في عزَّة القناعة فيذيل على النَّائبات منسدل
فعندما طالت البطالة ليوصار لي حاجة إلى العمل
فقال ناس نبِّه لها عمراًفقلت: حسبي رأي الوزير علي
/ ب/ قد بتُّ من وعده على ثقةأمنت في حليها من العطل
فالأكرم ابن الكرام لو سبقتوعوده بالشَّباب لم يحل
يفرُّ من وعده المطال كماتفرُّ آراؤه من الزَّلل
أخلاقه حلوة المذاق فلوشبَّهتها ما ارتضيت بالعسل
بمنطق لو سرت فصاحتهفي اللُّكن لا ستعصمت من الخطل
تمجُّ أقلامه إذا كتبتماء المنى من أسنًّة الأسل
وإن سطت في ملمّة نسيتصفين منها ووقعة الجمل
تنظم درّاً على الطُّوس كماينظم درّ الحلي في الحلل
مبيِّن علمه لسائلهمسائلاً أشكلت على الأول
لكل علم في بابه علميهدي إلى قلبه من القبل
أيُّ جمال ما فيه أجملهعلى وجوه التَّفصيل والجمل
جلَّ الذَّي أظهرت بدائعهمنه معاني الرِّجال في رجل
القاسم بن الحسين بن أحمد أ/ الخوارزميُّ النحويُّ الملقَّب صدر الأفاضل.
كان بارعًا في علم العربية والآداب، مشاراً إليه في معرفة النحو والإعراب، ذا قريحة حاذقة، ونحيزة صادقة. أخذ النحو عن أبي الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزيّ، وعليه يعتمد في علمه.
وكان مشغوفًا بكتب الإمام أبي القاسم الزمخشري، كثير الميل إليها، والتحفظ منها. وله تصانيف كثيرة منها "التجميز في شرح المفصل" في نحو ثلاثة أجلاد، وكتاب "السبيكة" في شرحه أيضًا وسط، وشرحه أيضًا شرحًا صغيراً، وكتاب "شرح سقط الزند"، وكتاب "شرح الأنموذج" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب "التوضيح في شرح المقامات" وكتاب "بهجة الشرع في شرح ألفاظ الفقه" وكتاب "شرح المفرد والمؤلّف"، وكتاب "حلوة الرياحين في المحاضرات"، وكتاب "عجائب النحو"، وكتاب "السّر والإعراب" ب/ وكتاب "شرح الأنبية"، وكتاب "الزوايا والخبايا في النحو"، وكتاب "بدائع الملح"، وكتاب "شرح اليمين" للعقبي. وإلى غير ذلك من المصنفات، وشعر كثير ليس بالرائق المستحين، يظهر فيه التعجرف والركالة.
وكانت ولادته في الليلة التاسعة من شعبان سنة خمسين وخمسمائة، وقتل ثاني عشر ربيع الأول سنه سبع عشرة وستمائة. قلته التتر بخوارزم –رحمه الله تعالى-.
أنشدني المؤيد بن محمدالخوارزميُّ، قال: أنشدنا أبو محمد لنفسه في
الشيخ فخر الدين أبي الفضل الرازي –﵀:
قد نسنا قد نسيناحكمة الشَّيخ ابن سينا
بإمام الرَّي صرنامذ زمان مؤيسينا
إنَّنا بعنا حصاةًواشترنياً طور سينا
وقال أيضاً:
يا زمرة الشُّعراء دعوة ناصحلا تأملوا عند الكرام سماحا
إنَّ الكرام بأسرهم قد أغلقواًباب السَّماح وضيَّعوا المفتاحا
/ أ/ وله قد سأله قاضي القضاة بخوارزم، أن ينظم له أبياتًا يكتبها على جدران دار له بناها:
من كان يفخر بالبنيان والشُّرففليس فخر بغير المجد والشَّرف
ما قيمة الدَّار لولا فضل ساكنهاوأيُّ وزن بدون الدُّر للصدف
إن كان يعجبني خشب مسنَّدةفلست أكرم نجل من بني خلف
قد صح لي باتِّفاق النَّاس كلِّهمرواية العدل والإنصاف عن سلفي
إنِّي لمن معشر كانت معايشهمبالقصد أمَّا عطاياهم فبالسَّرف
قوم متى طلعت ليلاً مآثرهمرأيت بدر الدُّجى في زيِّ منخسف
بدولة الملك الميمون طائرهأنَّى توجَّهت فالإقبال مكتنفي
وقال أيضًا:
أيا سائلي عن كنه علياه إنَّهلأعطي ما لم يعطه الثَّقلان
فمن يره في منزل فكأنَّمارأى كلَّ إنسان وكلّ مكان
وله في شيخ الإسلام الرشتاني، ورشتان من قرى مرغينان:
/ ب/ فديت إمامًا صيغ من عزَّة النَّفسأنامله والسُّحب نوعان من جنس
أشدُّ ارتياحًا نحو طلعة معتفمن المفلس الحاوي المدين إلى الفلس
وأفقه في تدريسه من محمَّدوأجود من كعب وأخطب من قسَّ
مناقب لو أنَّ الحرابىَّ مرةبصرن بها استنكفنً عن خدمة الشَّمس
ويغدو على طرف من الشقر كلَّمارأته إماء الحيِّ وافته للقبس
على سابح من خلفه الوهم طالعوأهون شيء عنده درك الأمس
فتًى سار منه خلفه وهو فاغمولا فغمة المسك الخرائد للعرس
له الصَّفو من ودِّي وإخوته الألىغدوا من سهام الرِّبع للدين حكالتُّرس
لفتيان صدق ما اقتنوا طول عمرهمسوى البحث والإفتاء والوعظ والدَّرس
لأربعة شادوا العلا بعد شيخهمفقد بني الإسلام منهم على خمس
بنور إلهيٍّ عليهم وزهدهموعلمهم أضحوا ملائكة الإنس
فعاشوا لترشيح الهدى ويراعهمبصائبة الأحكام يقطر في الطِّرس
قال أيضًا:
أيجمل منِّي نحو ذيَّالك الرَّشاسلامًا لصدغيه وحالي مشوَّشا
وإنِّ لوجدي أستضيء لدى الحمىبشعلة أنفاسي إذا اللَّيل أغطشا
/ أ/ ويرحمني العذَّال حتَّى يقول ليأموقد ناربين جنبيك أم حشا
وهل يرد الجرعاء منِّي تحيَّةعلى طرفيهاً رونق العهد قد مشى
وإنِّي قد كتَّمت سرِّي وإنَّمابرغمي صوب المدمعين به فشا
كما أنَّ صدر الشَّرق أخفى سخاءهولكنَّه بشر الجبين به وشى
متى جحدت نعماه أنهض جودهشهوداً من الإحسان لا تقبل الرِّشا
وإن هزَّة الإطراء ثم تبجسَّتأياديه لم تشكر له فقد انتشا
أيلحقه الوهم القطوف إذا سعىلإدراك غايات العلا متكمِّشا
لك المنهل المكسيُّ مازال نقعهيعلَّل صلاَّ في يمينك أرقشا
فيلفظ في منسابه ولعابهحتوفًا وأرزاقًا على حسب ما تشا
وقال أيضًا:
سرى ناشداً أنسي قضيبًا من الآسفناولني الصَّهباء والشَّهد في كاس
وأرشدني وهنًا لتقبيل خالهوميض ثناياه وشعلة أنفاسي
ولو لم يكن يلقى على حرِّ خدِّهمن الطُّرَّة السَّوداء ظلمة أنفاسي
إذاً لأضاء اللَّيل حتَّى انجلت لناهواجس تخفيهنَّ أفئدة النَّاس
وقال أيضًا:
/ ب/ سناجبينك مهما لاح في الظُّلمبتنا نطالع منه فسحة الكرم
إن يزرع النَّاس في أخلاقهم كرمًافالبدر من جودك الطنان بالدِّيم
تبدو على أشقر خضر حوافرهبحراً تلاطم أمواجًا على ضرم
تشمُّ عندك صيد العجم لخلخةًمن الرُّغا بآناف من القمم
كادت لحبِّك تأتي وهي ساعيةعلى الرُّؤوس بدون الرَّأس والقدم
من ظنَّ غير نظام الملك ذا كرمنادى به لؤمة "استسمنت ذا ورم"
أفديك ذا منظر بالبشر ملتحفعن صبحي اليمن والإقبال مبتسم
يد الجلال وشت في لوح بهجته"النَّاس من خولي والدَّهر من خدمي"
فلو أناف على هام السُّها وطنيلما لوت نحوه أجيادها هممي
على النِّداء وقفت أيَّامه وعلىنشر المحامد منه السن الأمم
ما جئت أخدمه إلاَّ وقد سحقتيدا تلطُّفه عطراً من الشِّيم
رفَّ النِّدا نحوه عطراً مخدَّرةلولاه زفَّت إلى كفء من العدم
يريه شعري نجوم اللَّيل طالعةوالنَّيرين معًا في مشرق الحلم
لا زال مثل هلال العيد حضرتهفي الحسن واليمن والإقبال والنِّعم
وعاش للملك يحميه وينصرهفالملك من دونه لحم على وضم
/ أ/ ودام كاليم للعافين ملتطمًابنانه وهو مرشوف بكلِّ فم
القاسم بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو المعالي بن أبي الحسين المدائنيُّ، القاضي الكاتب.
درس فقه الإمام الشافعي –﵁ ببغداد والموصل، نظر في علوم الحكمة، وأتقن منها طرفًا جيداً، ولقي المشايخ واجتهد في طلب العلم، وتميّز وناظر حتى فاق أبناء زمانه، وقرأ الأصول وتكلم في المسائل الخلافية. وله شعر حسن.
وتقلّد القضاء بالمدائن في أيام أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد- ﵁ ثم قدم بغداد من المدائن، فولاَّه الإمام المستنصر بالله –﵀ كتابة الإنشاء بالديوان العزيز –مجدّه الله تعالى.
وكنت أتمنى لقياه إلى أن وردت مدينة السلام في سنة تسع وثلاثين وستمائة، فلقيته بها بجامع القصر الشريف سلخ جمادى الأولى يوم الجمعة في العام المذكور، فوجدته من أطيب الناس مفاكهة، وأحسنهم محاضرة، وأكثرهم ب/ بشراً، وأجملهم خطابًا؛ يجمع أدبًا ولطفًا ونبلا وفضلاً وكيسًا. وذكر أنَّه ولد في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة؛ وصنّف كتابًا سمّاه "الحاكم في اصطلاح العراقيين
والخراسانيين في معرفة الجدل والمناظرة".
أنشدني أبو المعالي من شعره، ونقلته من خط يده:
اسعد بدير سعيد أيُّها السَّاقيوامزج وخذ وأعطني من غير اشفاق
من خندريس كأنِّي حين أشربهاملسوع همٍّ تحسَّى كأس درياق
نار ولكنَّها للماء عاشقةتزداد من وصله ضوءاً بإشراق
شجَّت فألبست السَّاقي بصبغتهاثوبًا وألبسنيه ذلك السَّاقي
تجري الكؤوس ولا تجري محاثةمع الَّذي زاد في همِّي وأشواقي
لم أقض في عمري الماضي هوى حلبيا ليت شعري فهل أقضيه في الباقي
وذي قوام تثنَّى في غلائلهمثل القضيب تثنَّى بين أوراق
نظمت من غزلي في حسن صورتهعقداً تقوم به الدُّنيا على ساق
يا عقرب الصُّدغ في الخدِّ الأسيل أمالمن لسبت شفاء منك أوراقي
ونقلت من خطّه قوله:: أ/ يمدح تاج الدين محمد بن الحسين الأرموي بحلب وأنشدنيه:
لو كان ينفع عاشقًا تذكارهلخبت من القلب المعنَّى ناره
زمن الحمى لا جاد غير حماك ليدمع ولا بلَّ الثَّرى مدراره
أين الشُّموس المشرقات لدى الضُّحىحسنًا وهن من الدُّجى أقماره
النَّاسيات نفوسهنَّ وإنَّماأودى بهنَّ من الشَّباب خماره
لا غرو أن حنَّ الغريب صبابةوتزايدت لفراقه أوطاره
متقسَّم الأحشاء لا أوطانههذي البلاد ولا الدِّيار دياره
ومهفهف كالغصن تعطفه الصَّباوسنان أسكر طرفه خمَّاره
يا مسعدي علامة في حبِّهجهلاً وفي إسعاده إقصاره
لو لم أجد عذراً صحيحًا في الهوىلو في بعذري في هواه عذاره
وجه لو احظنا مجوس زمانهسجدت له لمَّا أضاءت ناره
وقوام غصن ما تعرَّض عاشقإلاَّ رأى أنَّ الصُّدود شعاره
عرفت لواحظك المريضة مقتليوقتيل لحظك ليس يطلب ثاره
فكأنَّ تاج الدِّين أودع عندهاحمل الغيوب فإنَّها أسراره
/ ب/ يا ابن الحسين لقد بنيت لفارسمجداً ينيف على النُّجوم نجاره
ونقلت من خطه أيضًا، وهو ما قاله بالموصل بدير ميخائيل، وأنشدنيه في التاريخ المذكور:
كلُّ الورى فيك حسَّادي وعذَّالييا فاقد المثل ما العشَّاق أمثالي
بكاي وقف عليكم بعد فرقتكملا للوقوف على ربع وأطلال
رضا العواذل سخطي في هواك وفيوفاقهم خلف أغراضي وآمالي
يا ساكني دير ميخائيل لي قمرلكنَّه بشر في شكل تمثال
قريب دار بعيد في مطالبهغريب حسن وألحان وأقوال
سكرت من صوته لمَّا أشار بهما لست أسكر من صهباء جريال
ما رمت إمساك نفسي عند رؤيتهإلاَّ تغيرت من حال إلى حال
يا ليلتي بفناء الدَّير لست كميقول: يا ليلتي بالشِّيخ والضَّال
قد صرت أنشد بيتًا صار لي مثلاًلولا وصالك لم يخطر على بالي:
لو اشتريت بعمري ساعة سلفتمن عيشتي معكم ما كان بالغالي
وقال أيضًا وأنشدنيه:
/ أ/ أردد لثامك حتَّى يستر اللَّعسوقف ليبعد عن أعطافك الميس
إنِّي أغار على حسن حبيت بهإصابة العين إنَّ العين تختلس
يا غاضب الخشف أوصافًا مكملةًلم يبق للخشف إلاَّ السُّوق والخنس
وفاضح البدر إنَّ البدر مقتبسمن الَّتي هي من خدَّيك تقتبس
معدَّل الخلق لا طول ولا قصرمكمَّل الخلق لا هين ولا شرس
يصحُّني حبُّه طوراً ويمرضنيفكم أبل من البلوى وأنتكس
حموه عن كلِّ ما يشفى الغليل بهحتَّى على طيفه من شكله حرس
قد كنت أبصر صبحًا في محبَّتهفعاد وهو بعيني كلُّه غلس
مالي وللحب يلهي القلب عن مدحأوصافها فصح أضدادها خرس
كيف الذُّهول وتاج الدِّين هير فتىخير المديح لخير النَّاس يلتمس
حبر تفيض له نفس بهمَّتهالم يبق للشُّر لا روح ولا نفس
نور تلقَّته نفس منك طاهرةلولاه لم يبد فينا ذلك القبس
شاركت في الرُّوح عيسى ما استبَّد بهاكلاكما في البرايا روحه قدس
حكمت في العالم العلويِّ عن نظرصاف من الشَّك ما في فكره دنس
فلو رأى منك جالينوس معجزةًما قال في الكلِّ إنَّ الأمر ملتبس
/ ب/ وكاد يؤمن من بقراط الحكيم بمايلقى إليه ولا يرتاب برقلس
وحومة مزجت شكًّا جوانبهافما درى الحبر فيها كيف ينغمس
أعيى الخواطر فيها حادث جللواستعبد النُّطق في أرجائها الخرس
حتَّى إذا جاء تاج الدِّين فرَّجهاتغضي البيادق مهما عدًّت الفرس
وقال أيضًا وأنشدنيه:
مرحبًا بالخيال إذا زار وهناوشفى لوعة المحبِّ المعنَّى
وقضى حاجةً فسرَّ وسرَّىهمم القلب عن لبانات لبنى
كلَّما قلت: قد تسلَّيت عنهعادني طيفه وعنَّ فعنَّى
شادن لو بدا يفاخر بدراًأخجل البدر بالملاحة حسنا
وإذا ما انثنى رأيت كثيبًاتحت بند القبا يحمل غصنا
ترك الرُّمح والحسام وأبدىسيف لحظ وهزَّ بالقدِّ لدنا
ليلة الدَّير حيث تسمع لحنًاحسن النَّظم ما يقارب لحنا
سعدت ليلة رأيت بها الشَّمــس وجنح الظَّلام ينجاب عنَّا
بين صرعسى محاجر وعيونبات يحييهم إذا ما تغنَّى
أيَّها الشَّمس من يقل فيك معنّىلم يصب فيك أنت كلُّك معنى
/ أ/ قد تمنَّت جوارح النَّاس طرّاًأنَّها صيِّرت لأجلك أذنا
وقال أيضًا وأنشدنيه:
لحظات طرفك أم شفار مهنَّدهزمت جيوش تصبُّري وتجلُّدي
ما رنَّقت عيناك من سنة الكرىإلاَّ لشقوى عاشق لم يرقد
عجبًا لطرفي لا يزال يعوم فيماء الملاحة وهو كالعطش الصَّدي
ولنور وجهك وهو قد هتك الدُّجىبضيائه إذ ضلَّ فيه المهتدي
يا قاسم العشَّاق من متقلقلسكن الفناء وساكن مستسعد
ته كيف شئت فحسن وجهك قد غدامتودِّداً فينا بغير تودُّد
أهوى النَّحافة والشُّحوب لأنَّنيأجد النَّحافة من صفات محمَّد
كالغصن في حقف إذا جرت الصَّبا ............. تأطُّر وتأوُّد
وكأنَّ خطَّ عذاره في خدهِّسبج أذيب على صفيحةً عسجد
وقال أيضًا وأنشدنيه:
اللَّوم فيك لجاجه من عاشقوافى يخادعني بلفظ العاذل
ما كنت مجهولاً لديه فلم أقل:أمط اللِّثام عن العذار السَّائل
وقال، وأنشدنيه:
/ ب/ بيت من الشِّعر في تشبيه وجنتهلمَّا أحاط بها سطر من الشَّعر
كالظِّل في النُّور أو كالشَّمس عارضهاخطٌّ من الغيم أو كالمحو في القمر
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من البشيط]
قالوا: على خدَّه خال، فقلت لهم:تخفى الحقائق في عقل المجانين
تكوين مقلته صاد وحاجبهنون المنال وهذا نقطة النُّون
وقال أيضًا وأنشدنيه:
يا هجري لمَّا رأى شغفي بهما كان حقُّ متيّّم أن يهجرا
إنَّ الَّذي خلق الغرام هو الَّذيخلق السُّلو فلا يغرُّك ما ترى
وقال أيضًا وأنشدنيه:
لو يعلمون كما علمت لما لحوافي حبِّه ولأقصروا إقصارا
هلاَّ أحدِّثكم بسرّ لطيفةدقَّت إلى أن فاتت الأبصارا
حادت صقال خدوده أصداغهفتمثَّلت للنَّاظرن عذارا
القاسم بن محمد بن سعيد بن النداء، أبو محمد الجزريُّ
من بيت كبير بالجزيرة/ أ/ العمرّية.
قلَّدة الأمير معز الدين محمود بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر –صابحها- وزارته، ففارقه وقصد حضرة الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين موسى بن أبي بكر، وانضمّ إليه، وحظي عنده.
وكان قد قرأ فقها وأدبًا، وحفظ شيئًا من الأشعار وله يد في الكتابة والإنشاء وعمل الشعر.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري، قال: أنشدني القاسم بن محمد لنفسه:
إقدح زناد اللَّهو بالقدَّاحوأضف إليه لطائف الأرواح
هذا الرَّبيع ووجه من أحببتهفاشرب على الرَّيحان صفو الرَّاح
القاسم بن أحمد بن زيد بن محمّد بن محمّد زيد بن أحمد بن محمّد بن محمد بن عبد الله بن عليِّ بن عبد الله بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، أبو الحسين بن أبي جعفر العلويُّ الحسينيُّ الموصليُّ.
أخبرني أنّه ولد في صفر سنة تسعين وخمسمائة بالموصل.
وهو من أبناء النقباء ب/ الأشراف، حفظ القرآن المجيد، وقال شعراً صالحًا أنشدني لنفسه يمدح مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام خليفة الله في العالمين المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور- صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين-:
حطُّوا الرِّجال فهذا منتهى الطَّلبوها هنا معدن التَّمجيد والحسب
أرض غدت كعبة القصَّاد ما قصدتإلاَّ وأعقبت الإفضال عن كثب
سمت بخير إمام ليس لي وزرسواه كلاً ولا في غيره أربي
ومن يكن بإمام العصر معتصمًالم يخش حادثة الأيَّام والنُّوب
آليت لم تثنني عن قصدهولم أغب برقم المدح في الكتب
ما أمَّه من مخفِّ المال ذو ضرعإلاَّ وأوقر بالإعزاز والنَّشب
ولا هززنا له عزمًا لمعضلةإلاَّ ونفَّس عنَّا أعظم الكرب
ولا رجونا به ما عزَّ مطلبهإلاَّ بلغنا الَّذي نرجو ولم نخب
وإن تغرَّب عن أهل وعن وطنباغي معاليه أمسى غير مغترب
أشهى إليه من الأصوات قاطبةصوت الوفود إذا أمُّوه للطلب
صبٌّ إلى المكرمات الغرِّ وهي لهترب وصبٌّ إلى ترب من العجب
/ أ/ قرَّت به العين فالدُّنيا به حسنتوالدِّين فهو متين الرُّكن والطُّنب
من دوحة المصطفى المختار منبتهأكرم بذلك من أصل ومن شعب
لن تُّقبل الصَّلوات الخمس إن عريتمن ذكره وهو فيها أوكد السَّبب
فلتشمخ الأرض ولتفخر بأخمصهعلى السَّماء وما فيها من الشُّهب
وخصَّه الله إجلالاً بمرتبهدانت له عظماء العجم والعرب
فقام فينا بما جاء الرَّسول بهكأنَّ عنَّا نبيُّ الله لم يغب
في محكم الذكر قد جاءت مناقبهما جهد مادحه بالشِّعر الخطب
وإنَّه قد تردَّى كلَّ مكرمةلم يستطعها ذوو الإفضال والأدب
لا عاصم اليوم من بأس الإمام فماًتغني المعاقل واللاَّجي إلى العرب
وهكذا للَّذي يعصي أوامرهما إن يؤول بغير الويل والحرب
فلو أراد النُّجوم الزُّهر أدركهاولم نطق هربًا منه من الرَذهب
ولو رأته ملوك الأرض لاستبقتإلى السُّجود له من شدَّة الرُّعب
يا من علا قدره فوق السِّماك ومنحاز الفخار ويا ابن السَّادة النُّجب
لم أرض غيرك ملاجوّ أؤملهولم أجد غير ما أوليت أليق لي
رفعت قدري بعطف منك يا أمل الرَّاجي وقد كان قبل اليوم في صبب
/ ب/ فما ولائي مصروفًا ومنحرفًاإلى سواك ولا قلبي بمنقلب
أما الغنى فهو في دار السَّلام وفيظلِّ الإمام العظيم الشُّأن ذي الحسب
أصبت في حسن ظنِّي في عواطفهلكنَّني مثله في الخلق لم أصب
يا مفلق البيد بالإدلاج مجتهداًلكي يفوز بغرٍّ غير محتجب
يمِّم أبا جعفر المنصور تلق فتًىملء الصُّدور كريم الأصل والنَّسب
معظَّمًا منح التَّبجيل والشَّرف الجمُّ النَّبيل وأعطى أرفع الرُّتب
وهو الرَّؤوف يقضي العمرتين تقىًوبين عدل وبرٍّمنه منسكب
المقتني الحمد والموفي بنائلهعلى البحار ومن أربى على السحب
ووسَّع الرِّزق إحسان يكرِّرهفالضِّيق عنَّي ناء غير مقترب
أعطى وواصل حتَّى قلَّ ذو أملوزاد فوق الَّذي في نفس محتسب
من الثنَّاء ومنه نائل علقتيداي منه بحبل غير منقضب
فالشُّكر منِّي لما أولاه من نعمشكر يخلِّد أو يفني يد الحقب
ما جحفل لجب ضاق الفضاء بهكثُّ الجوانب في أمن من العطب
يسري فيظفر بالأشياء يقصر عنإدراكها كلُّ ذيّ عزِّ وذي شغب
أغنى بعزمته عن كلِّ ذي شطبماضي المضارب والخطِّيِّ واليلب
يومًا بأمنع منه للنَّزيل إذاقلَّ المحامي وخاف الذُّل كلُّ أبي
فاسلم لنا في سرور لا يعادلهالدَّهر في أيامك القشب
مخولاً مدحً من لم ينو عنك ونىوسوف يحمد ما يلقاه من نصب
وقال أيضًا يمدحه –صلوات الله عليه- حين سلطن المولى الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، مرزبان العراق شهريار الشام أبا الفضائل المستنصري، غرس أمير المؤمنين –خلد الله دولته-:
خذوا عن رواة العشق حالي وما ألقىفعندهم علم بمن يدَّعي العشقا
وقصَّا على من همت فيه قضيَّتيعساه يرى عطفًا على دنف ملقى
بعيدة عهد بالرُّقاد جفونهفلو شاء طيفًا ما أطاق لها طبقا
كراحة مولانا الإمام ومن غدتخزَّائنه تتلو تسأله رفقا
هو المرتجى في سورة الدَّهر والَّذيمناقبه المدَّاح علَّمت النُّطقا
وما جهد ما يأتي المجيد بوصفهوقد جاءت الآيات وصفًا له حقَّا
/ ب/ فلو أنَّه شاء افتخار أبلوغ ماحوى الشُّهب والأفلاك أدركه خرقا
فقل إن تقل ما يستحيل لغيرهمن المكرمات الغرِّ لن تعدم الصِّدقا
إذا ما احتبى يومًا لكسب محامدكفى النَّاس برّاً طبَّق الغرب والشَّرقا
وإن هو لم يحبس سحائب كفِّهرأيت الورى من فيض أنعمها غرقى
غدا ذخر بدر الدَّين ذي الرُّتبة الَّتيتسنَّم أعلى رتبة أنجما ترقى
فتى جلَّ عن وصف ومدح جميلةوسدَّ على من يرتجى غيره طرقا
نؤلمِّله طوراً لكشف ملمَّةتنوب وطوراً نستدرُّ به الرِّزقا
وإن يك أمضى العزم يوم كريهةرأيت الموالي الصَّيد تنظره زرقا
فترهب في الحرب العوان رعودهإذا هزَّ فجراً أو إذا ركب البرقا
سعيد إذا ما دَّبر الملك رأيهلطيف إذا ساهلته طيِّب الملقى
مليك الورى فافخر بحلَّتك الَّتيبها أنهج الله النَّواحي والأفقا
فإنَّك فتَّ سبقا إلى العلاوأكرم بمن فات الورى للعلا سبقا
فأنت يمين للإمام إذا سطالك الله من مستنصريٍّ علا الخلقا
فأولادكم ملكًا تأسَّس ركنهوأوضح في ثغر المعادي لكن فتقا
فدم ما حدا حاد إليك وما شدتعلى فنن قمريَّة ودعت ورقا
/ أ/ فقدت عزائي واصطباري لفقدهفآهًا لمسلوب العزاء فقيده
فلو أنَّني كنت استطعت فديتهبروحي ومالي والورى وجدوده
وقال:
وذي قلب حديد ليس يقوىعلى هجرانه القلب الجليد
وقام بكًأسه فظللت ساهولا أدرى لأنهم ورودي
اللخمر الَّتي في الكأس أو ماًبفيه أو لخمر في الخدود
وله في الشيب:
وطارق شيب أتى تالداًفجار على الأسود التَّالد
فنغَّض عيشي تلافيهماإلى أن رثى رحمةً حاسدي
ولمَّا شكوت الَّذي حلًّ بيمن الشَّاكيين إلى عائدي
فلام وعنَّفني ثم قالوفي قوله الحقُّ للنَّاقد
أتشكو وأنت الَّذي قد جمعــت ضرائر في منزل واحد
وقال:
لا تعجبنَّ لساقطإن نازل منزلة رفيعة
أعلى الكواكب منزلاًزحل ورتبته وضيعه
/ ب/ وقال:
صبرت ومن يرزق حميد اصطبارهعلى حادثات الدَّهر فهو سعيد
تصبَّر فإنَّ الصَّبر يعقب راحةوليس الَّذي ترجوه منه بعيد
وله في الشيب:
لم يشب مفرقي لطول زمان العمر لكن لصرف دهر عنيد
شيَّبتي الخظوب فاعجب لأن صار بياضًا إثر الخطوب السُّود
وقوله:
بكيت .. اببضاضًا رأيتهبفودي ومن أهوى سوادا بخدِّه
ومن عجب والدَّهر يبدي عجائبًامن الشَّيء أبكيه وأبكى لضدَّه
وله يصف نهراً:
ونهر كظهر السَّيف إن ولعت بهيد الرِّيح أضحى ذلك العضب مبردا
وإن قابلته الشَّمس عند غروبهاأرتك لجين الماء ألبس عسجدا
وروض إذا ما صوَّحت زهراتهكساها انسكاب المزن وشيًا مجدَّدا
ويودع درُّ الغيث في عنبر الثَّرىفيظهره فصل الرَّبيع زبر جدا
وقوله في العذار:
/ أ/ وقبَّلت خداً للحيب مورَّداًبنفسي أفدي منه خدّاً موردّا
فمن حرِّ أنفاسي علا فوق خدِّهدخان فخالوه عذاراً مزرَّدا
وله يمدح الكرم:
وقى حاتم الطَّائيَّ جود يمينهدخول حجيم كان أوجبها الكفر
فقل للَّذي يلحى على الجود أهلهألم يك في هذا لفاعله عذر
وله فيمن اسمه إبراهيم:
خوفته سكناه قلبي لماأودعته من حراف كار
فقال إبراهيم إسمي وهليحفل إبراهيم بالنَّار
وقوله:
قل لمن قد أصاب حبَّة قلبيإذ رماه بسهم لحظ مريض
قد أخذت الفؤاد منِّي صحيحًاثمَّ صيَّرته كبيت العروض
وقال:
عاتبتني على بياض دموعيبعتاب أصمَّ منه سمعي
قلت لا تعتبي فليس سلوّاًذاك منِّي ولا تغيَّر طبعي
ما تنقَّلت عن هواك ولكنطول عمر البكاء سيَّب دمعي
/ ب/ [لا] نهي من وقي الما [ل] بالعرض عن الجود والفه غير راضي
واحرس العرض ما استطعت بجودإنَّما الجود حارس الأعراض
وله في الخمر:
قلت لمَّا بدت كشعلة نارمن دنان سود كليل بهيم
خلَّفت في العيون ناراً وفي الأحشاء نوراً فيالها من نعيم
فهي برد على القلوب وفي النَّفس كنار الخليل إبراهيم
وله:
وبدا ينكر دمعي إذ جرىكسقيط اللُّؤلؤ المهتتن
قلت لا تنكر هذا إنَّهبعض ما أودعنه في أذني
أتمنَّى مذ نأيتم قربكموتمنِّي قربكم تيَّمني
وله في المقص:
ومعتنقين من حسد التَّلاقي بيننا كل ما اتَّصلا إليه
ولا يسعين إلاَّ في افتراقوقطع للَّذي قدرا عليه
وله:
إن يرد كفَّا يباريك بهافي النَّدى لم ير كفًا ذا هبة
/ أ/ وأنشدني لنفسه وزعم أنه صنعها لبديهة، وقد اقترح عليه هذا المعنى:
وأسمر الحاظه كالسِّهامتصمي فؤاد الحائر المستهام
إذا تبدَّى قال كلُّ الورىسبحان من صوَّر هذا الغلام
يظلم إن قيل سنى وجههكالصُّبح والطُّرَّة مثل الظَّلام
وإن تثنى غصنه خجل الأغصان حقًّا لين ذاك القوام
منعَّم الرِّدف لقد أردف الجسم سقامًا وفؤادي غرام
وأنشدني لنفسه يمدح مولانا الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام غرس أمير المؤمنين –أدام الله أيامه-:
ارفَّق بصبٍّ ما يقُّر عن الهجرأسير هوى ما أن له عنك من صبر
كئيب أصابته الصَّببابة والجوىيقلِّبه فرط الغرام على جمر
يبيت على فرش الضَّنى مذ هجرتهويذري مصون الدَّمع فيك وما يدري
بلوت عظيمات الأمور فلم أجدأمرَّ وأدهى في الفؤاد من الهجر
ثنى الدَّنف المغرى به عن سلوِّهتثنِّيه عن غصن حوى أحسن الزَّهر
/ ب/ به نرجس غضٌّ وفيه بنفسجوورد جني والأقاحي من الثَّغر
جفا فدموعي ما تفيض كأنَّهامواهب بدر الدِّين ي النًّائل الغمر
هو المرتجى في سورة الدَّهر والَّذيمناقبه جلَّت عن العدِّ والحصر
هو الواهب المطلوب والماجد الَّذيعلا قدره فوق السِّماكين والنَّسر
وما هو إلاَّ كالزَّمان تطيعهوتتبعه الأقدار في النَّهي والأمر
هزبر إذا لا قى الكماة لدى الوغىتسلَّت مواضي البيض منه مع السُّمر
إذا ما احتبى في كلِّ ناد لسؤددفكن موقنًا من فيض كفَّيه باليسر
تجود بما تحوي يداه وإنَّهليتبعه باللُّطف منه وبالبشر
فلولاه ما قضيَّيت ليلي ساهراًتسامرني الجوزاء للنَّظم والنَّثر
وما الأبحر السَّبع الغزار إذا طمتبأغزر فيضًا من أنامله العشر
وأنشدني لنفسه:
ألا ليت المعاطف في عواطفوليت قوامه الألفى آلف
ويا ليت الحبيب درى نحوليفيرحم مدنقًا وجداً يحالف
يطيعني الغرام وعنه صبريعصيٌّ لم يزل أبداً يخالف
القاسم بن محمد بن سراج أ/ بن أبي عبد الله بن سعد بن منصور الحلبيُّ
من إنشاء حلب وأبنائها، وسروات أهلهما وكبرائه قدراً وحزمة وجاهًا ونعمة. وكان في بدء أمره، واقتبال شبابه يعاني التجارة والسفر إلى الديار المصرية، ثم إلى البلاد الرُّومية، ولا يتعدّى في سفره أكثر من ذلك. وكان من مهامه في الأسفار والتنقل قد حصل انموذجًا جيداً من الأدب، وكتب خطًا حسنًا.
ورأى جماعة من الشعراء والفضلاء، واستظهر من أقوالهم وروى عنهم، وخالطهم في تلك المدّة، وإتباع كثيراً من الكتب الأدبيات والشعريات، ولهج بمطالعتها، وشغف بتحصيلها والاقتباس من فوائدها حتى صار على خاطره صدر صالح من بدائع الأشعار، ورائق الملح والحكايات. ونظم الفائق من الشعر وضمنه المعاني النادرة.
ثم ترك السفر له بأخرة حانوتًا في سوق البنّ يتَّجر فيه، وهو على سيرة جميلة في بيعه وشرئاه وأخذه وعطائه مع الناس ذو كلام مقبول، وقول مسموع، واحترام وافر.
وجمعني وإياه مجلس الوزير مؤيد الدين أبي نصر إبراهيم بن يوسف الفقطي بمحروسة حلب عدة مرار، وتأكدَّت ب/ بيننا معرفة وكيدة، فوجدته من أكمل الرجال نباهة قدر، وسعة نفس وصدر، وغزارة مروءة وسماحة بنان. وطيب عشرة، وحسن صحبة. يتعصب لمن يرد عليه تعصبًا زائداً، وينفعه بجاهه وماله، ويجتهد في قضاء حوائجه، ويتوصل إلى أغراضه بكّ طريق.
وهو نعم الرجل عقلاً وسكونا وخيراً وصلاحًا فالله تعالى أن يبلغه أمانيه ويرزقه سعادة الدنيا والآخرة بمحمد وآله أجمعين، أنه جواد كريم.
أخبرني أنه ولد في ذي القعدة سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومما أنشدني
لنفسه، حرس الله اقباله وأدم عزّه وجلاله بمحروسة [حلب] في سنة سبع وثلاثين وستمائة، في غلام اسمه بدران:
داعي الهوى بالهوى يا صاح نادانيومطرب الحيِّ بالمحبوب غنَّاني
وساقي الشَّوق عاطاني على ظمأكأسًا فأسكرني من قبل أسقاني
تبًا له ساقيًا في السُّكر طاوعنيبالوصل منه وعند الصَّحو عاطاني
كم شفَّني وشفاني في هواه وكمأماتني حبُّه طوراً وأحياني
ما يعذب القرب إلاَّ بالبعاد ولايلتذُّ بالوصل إلاَّ بعد هجران
/ أ/ وربَّ خلو من الخلاَّن قلت لهإذ جاء يعذلني جهلاً ويلحاني
في القلب شيطان ذكر لا يفارقني إلاّ بعوذة وصل من سليمان
ليس إبن داود ما أعني به لكموإنَّما هو سليمان بن زيدان
وأنشدني لنفسه أسعده الله تعالى:
أيا زائراً يختال من غير ما وعدحبيب كبدر في قضيب من الرَّند
فعانقت من أعطافه خوط بانةوقبلت من وجناته يانع الورد
وأنشدت بيتًا قاله متعزِّلوعلمي أن لا عنده منه ما عندي:
"خليليَّ هل أبصر تما وسمعتمابأكرم من مولًى يمشِّي إلى عبد"
وله:
دليل قام في نحس الوزيرحقيقًا إنَّه بعض الحمير
يسوم إلى الخيانة كلَّ عدلعزيز الدِّين من بيت كبير
ويعتقد الأمانة عند لصٍّوقوَّاد وعشَّار حقيًر
لذلك قيل منجذب إليهحنين الكلب للكلب العقور
أبو القاسم بن أبي حامد ب/ بن عليٍّ البعقوبيُّ الخريميُّ.
هو من بعقوبا قرية كبيرة بنواحي بغداد على عشرة فراسخ منهما.
ورد بغداد وسكنها إلى أن مات بها سنة إحدى وستمائة. وكان شاعراً، فاضلاً،
حسن الشعر رقيقه، جيّد الألفاظ والمعاني.
أنشدني أبو القاسم بن أبي الفرج بن أبي منصور البعقوبي المغربي، قال: أنشدني أبو القاسم بن أبي حامد الخريمي لنفسه:
إذا ما خلا طفُّ الجنينة منكمفلا أخضرَّ واديها ولا فاح طيبهما
ولا جادها قطر السمَّاء ولا اكتسىمن الورق الصَّافي العميم سكيبهما
ولا حركت ريح الصَّبا شجراتهاولا ناح في أغصانها عندليبها
وكنَّا نراها أطيب الأرض منزلافبان بعيني مذ نأيتم عيوبها
وصحَّ لنا قول الَّذي قال قبلنا:هوى كلِّ نفس حيث حلَّ حبيبها
أبو القاسم بن محمد بن فتيان الموصليُّ.
كان بعد الستمائة كما أخبرت، يقول في غلام محموم:
قالوا: به حرُّ حمَّى أعقبت ألمًافبات منها سليم القلب مكتئبا
/ أ/ فقلت: نفسي الفدا ممَّا يحاذرهلأنَّني كنت فيما ناله سببا
قبَّلت فاه وأنفاسي بها شررتزداد من زفرات في الحشا لهبا
ثمَّ اعتنقنا فأعداه على عجلحرُّ الجوى من ضلوعي فاشتكى الوصبا
حاشاك يا محرضي ممَّا تحاذرهفقم بنا اليوم نقضي في الهوى أربا
أبو القاسم بن أبي جعفر بن عطية، الوزير الكاتب.
حدثني شيخ الشيوخ بن حمويه، قال: أبو القاسم هذا كان كاتبًا للشيخ أبي محمد عبد الواحد بن عمر. وكان أحد أشياخ الموحدين. وأركان دولتهم.
رأيته بمراكش وهو يتولى أكثر أموره، وإليه الترسل والإنشاء في كتاب رقاعه ودرجه، وولاية نفقات دخله وخرجه، وهو المستولي على أمره والمستودع لسرِّه، وله كتابة حسنة، ورسائل وجيزة وأشعار يسيرة. وكان من ذوي المروءات والهيئات، ومن المسارعين إلى إغاثة الملهوف، وقضاء الحاجات.
وكان والده أبو جعفر وزير آل عبد المؤمن نهض بأعباء الدولة في مباديها، وأحكم قواعدها ومبانيها، وله الكتب البليغة ب/ في الجمع والتأليف والاجتماع للدولة المستقبلية، والإدحاض للدولة الماضية، والمبالغات في الترغيب والترهيب، والاقتدار التام في حسن التدبير وعلى التبعيد والتقريب.
وأما ولده هذا فهو متوسط في فنه موافق طبقة سنه، بيني وبينه بمراكش مجاورة ومزاورة ومحاورة؛ ثم قال: وأنشدني يومًا لنفسه وقد جرت مقارضة في إختيار العزلة والخمول وإيثار الانزواء، فقال:
تنازعني النَّفس أعلى الأموروليس من العجز لا أنشط
ولكن بمقدار قرب المكانيكون سلامة من يسقط
تم الجزء الخامس من قلائد الجمان
والحمد لله أوّلاً وآخراً
ويتلوه في الجزء الذي يليه
ذكر مفاريد الأسماء في حرف القاف
إن شاء الله تعالى
﷽
/ب /
[تتمة حرف القاف]
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع