تجاوز إلى المحتوى

من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

جميل بن معمر العذرى

فيه ٤٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو جميل بن عبد الله بن معمر، ويكنى أبا عمرو. وهو أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته بثينة، وهما جميعا من عذرة، وكانت بثينة تكنى أمّ عبد الملك، ولها يقول (جميل):

يا أمّ عبد الملك اصرمينىفبيّنى صرمك أو صلينى
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «يا أم عبد الملك اصرميني»

والجمال فى عذرة والعشق كثير. قيل لأعرابىّ من العذريّين: ما بال قلوبكم كأنّها قلوب طير تنمّات كما ينمّاث الملح فى الماء؟ أما تجلّدون؟! قال: إنّا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها! وقيل لآخر: ممّن أنت؟ فقال:

من قوم إذا أحبّوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: عذرىّ وربّ الكعبة! وعشق جميل بثينة وهو غلام (صغير)، فلمّا كبر خطبها فردّ عنها، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرّا، ومنزلها وادى القرى، فجمع له قومها جمعا ليأخذوه إذا أتاها، فحذّرته بثنية، فاستخفى وقال:

ولو أنّ ألفا دون بثنة كلّهمغيارى وكلّ حارب مزمع قتلى
لحاولتها إمّا نهارا مجاهراوإمّا سرى ليل ولو قطعت رجلى
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «خليلي عوجا بالمحلة من جمل»

وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان (بن الحكم)، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعنّ لسانه، فلحق بجذام، وقال:

أتانى عن مروان بالغيب أنّهمقيد دمى أو قاطع من لسانيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»
ففى العيس منجاة وفى الأرضإذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»

فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، وانصرف إلى بلاده، وكان يختلف إليها سرّا.

وكان لبثينة أخ يقال له جوّاس، فشبّب بأخت جميل، فغضب جميل وتواعدا لمراجزة، فغلبه جميل، ولمّا اجتمعوا لذلك قال أهل تيماء:

يا جميل قل فى نفسك ما شئت فأنت الباسل الجواد الجميل، ولا تقل فى أبيك شيئا فإنه كان لصّا بتيماء فى شملة لا توارى استه! وقالوا لجوّاس: قل وأنت دونه فى نفسك، فقل ما شئت فى أبيك، فإنه صحب النبىّ ﷺ.

وقال كثيّر: قال لى جميل: خذ لى موعدا من بثينة! قلت له:

هل بينك وبينها علامة؟ فقال لى: عهدى بها وهم بوادى الدّوم يرحضون ثيابهم، فأتيتهم فأجد أباها قاعدا بالفناء، فسلّمت فردّ، وحادثته ساعة حتى استنشدنى فأنشدته:

فقلت لها: يا عزّ أرسل صاحبىعلى نأى دار، والموكّل مرسل
بأن تجعلى بينى وبينك موعداوأن تأمرينى بالذى فيه أفعل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلت لها ياعز أرسل صاحبي»
وآخر عهّد منك يوم لقيتنىبأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلت لها ياعز أرسل صاحبي»

فضربت بثينة جانب الخدر وقالت: اخسأ! فقال لها أبوها: مهيم يا بثينة؟

قالت: كلب يأتينا إذا نوّم الناس من وراء هذه الرّابية، قال: فأتيت جميلا فأخبرته أنّها واعدته وراء الرابية إذا نوّم الناس! قال أبو محمد: هكذا حدّثنا دعبل بن على الشاعر. وأمّا أبو عبد الله الزّبيرىّ فقال: التقى جميل وكثيّر، فشكا أحدهما لصاحبه أنه محصر لا يقدر أن يزور، فقال جميل لكثيّر: أنا رسولك إلى عزّة، فأخبرنى بآخر عهد كان لك بها؟ قال كثيّر: فإنّ آخر عهدى أنى مررت بها وبجواريها يغسلن ثيابا بأسفل وادى الدّوم، فأتهم فانشدهم ثلاث ذود سود ثم انظر ما يقال لك! فأتاهم جميل فجعل ينشدهم الذّود، فقالت له جاريتها: لقد رأيت ثلاثا سودا مررن بالقاع خلفنا، ثم عهدى بهنّ وإحداهنّ تحتكّ بالطّلحة ومضى سائرهنّ، فانصرف جميل حتّى أتى كثيّرا فأخبره، فلمّا كان فى بعض الليل أتيا الطلحة وأتته عزّة وصاحبة لها معها، فتحادثا طويلا، وجعل كثيّر يرى عزّة تنظر نحو جميل، وكان جميل جميلا، وكان كثيّر دميما، فغضب كثيّر وغار، فقال لجميل: انطلق بنا قبل أن نصبح، فانطلقا، وقال:

رأيت ابنة الضّمرىّ عزّة أصبحتكمحتطب ما يلق باللّيل يحطب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيتُ ابنة َ الضمريِّ عزّة أصبحتْ»
وكانت تمنّينا وتزعم أنّهاكبيض الأنوق فى الصّفا المتنصّب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت ابنة الضمري عزة أصبحت»

ثم قال كثيّر لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال فى أوّل الصيّف وقعة سحابة بأسفل وادى الدّوم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثوبا، فلمّا رأتنى أنكرتنى، فضربت بيدها إلى ثوب فى الماء فالتحفت به. وعرفتنى الجارية، فعادت فطرحته فى الماء، وتحادثنا حتّى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلها سائرون، ولم ألقها بعد، ولم أجد أحدا آمنه أرسله إليها، فقال كثيّر: هل لك أن آتى الحىّ فأقرع ببيت من شعر أو تخلو فأكلّمها؟ قال: نعم، فخرج كثيّر حتى أناخ بهم، فقالوا: يا كثيّر حدّثنا كيف قلت لزوج عزّة حين أمرها أن تسبّك؟ قال كثيّر: خرجا يرميان الجمار، فوجدانى قد أعصب الناس بى، فطالعنى زوجها، فسمعنى أنشد:

خليلى هذا ربع عزّة فاعقلافلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فغار، فقال لعزّة: لتغضبنّه أو لأطلّقنّك، فقالت: المنشد يعضّ بكذا وكذا من أمّه، مكرهة، فقلت:

هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

فقالت بثينة: أحسنت والله يا كثيّر، قال كثيّر: وأبيات قلتها لعزّة:

أرسلنى يا عزّ نحوك صاحبىعلى طول نأى من حبيب ومرسل
بأن تضربى بينى وبينك موعداوأنّ تخبرينى ما الّذى فيه أفعل
بآية ما جئناك يوما عشيّةبأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل

فقالت بثينة: يا جارية ابغينا من الدّومات حجرة البطحاء حطبا لنذبح لكثيّر عريضا من البهم ونشويه له! قال كثيّر: أنا أعجل من ذلك، فراح إلى جميل فأخبره أنّ الموعد الدّومات.

قال أبو محمّد: أرق عبد الملك بن مروان ذات ليلة، فقال: اطلبوا لى رجلا يحدّثنى، فخرجوا إلى المسجد، فوجدوا رجلا، فأدخلوه، فقال له عبد الملك: من أنت؟ قال: أنا فلان وكنت من أصدق الناس لجميل، قال:

فحدّثنى عنه، قال: خرجت معه مرّة، حتى انتهينا إلى خباء لآل بثينة، وسمعت به، فأقبلت فى نسوة معها، وأقبل جميل نحوها، فقعدن وقعد، فتحادثوا ساعة، ثم أخلوهما، فلم يزالا يتشكّيان حتّى غشينا الصّبح، فودّع كلّ واحد منهما صاحبه، ثم وضع جميل رجله فى الغرز، فمالت إليه بثينة فقالت: يا جميل ادن منى، فمال إليها برأسه وعنقه، فسارّته بشىء فخرّ مغشيّا عليه، ثم مضت، فأتيته فلم أزل عند رأسه حتّى طلعت الشمس عليه، فقام ينفض رأسه وهو يقول:

فما مكفهرّ فى رحى مرجحنّةولا ما أسرّت فى معادنها النّحل
بأحلى من القول الذى قلت بعدماتمكّن فى حيزوم ناقتى الرّجل

فقال له عبد الملك: ويحك! فهل تدرى ما سارّته به؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين.

وذكر ابن عيّاش قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممّن أنت؟ قالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ قالت: نعم والله، إنّا لعلى ماء من الجناب، وقد اتّقينا الطريق واعتزلنا، مخافة جيوش تجىء من الشأم إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا فى سفر، وخلّفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدر الغلمان عشيّة إلى صرم لهم قريب منّا، ينظرون إليهم ويتحدّثون عند جوار منهم، فبقيت أنا وبثينة نسترمّ غزلا لنا، إذ انحدر عليها منحدر من هضبة حذاءنا، فسلّم ونحن مستوحشون، فرددت السلام، ونظرت فإذا أنا برجل واقف شبّهته بجميل، فدنا فأثبتّه، فقلت: أجميل؟ قال: إى والله، فقلت: والله لقد عرّضتنا ونفسك شرا! فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التى وراءك! وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر، وإلى عكّة فيها شىء من سمن، فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل وقمت إلى سقاء لبن، فصببت له فى قدح وشننت عليه ماء باردا، وناولته فشرب فتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلّم عليكم، وأنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث، أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة، فجئت لأحدث بكم عهدا، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق، فلم نلبث إلّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر، قال ابن عيّاش: فظننت قوله:

فمن كان فى حبّى بثينة يمترىفبرقاء ذى ضال علىّ شهيد

أنّه أراد هذه الهضبة التى أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب.

وقال سهل بن سعد السّاعدىّ أو ابنه عبّاس: لقينى رجل من أصحابى، فقال: هل لك فى جميل فإنّه ثقيل؟ فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه، وما يخيّل لى أنّ الموت يكرثه، فقال: ما تقول فى رجل لم يزن قطّ، ولم يشرب خمرا قطّ، ولم يقتل نفسا حراما قطّ، يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: أظنّه والله قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرون سنة تنسب ببثينة! قال: إنى لفى آخر يوم من الدنيا، وأوّل يوم من أيام الآخرة، فلا نالتنى شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدى عليها لريبة قطّ، قال: فأقمنا حتّى مات.

وذاكرت بهذا بعض مشايخنا، فقال لى: كيف يكون هذا؟ أليس هو القائل:

فدنوت مختفيا أضرّ بيتهاحتّى ولجت على خفىّ المولج
قالت: وعيش أخى ونقمة والدىلأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة أهّلها فتبسّمتفعلمت أنّ يمينها لم تلجج
فلثمت فاها آخذا بقرونهافعل النّزيف ببرد ماء الحشرج

وقال جميل حين حضرته الوفاة:

بكر النّعىّ وما كنى بجميلوثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجرّ البرد فى وادى القرىنشوان بين مزارع ونخيل
قومى بثينة واندبى بعويلوابكى خليلك دون كلّ خليل

وقالت بثينة، ولا يحفظ لها (شعر) غيره:

وإنّ سلوّى عن جميل لساعةمن الدّهر ما جاءت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمرإذا متّ بأساء الحياة ولينها

وجميل ممّن رضى بالقليل، قال:

أقلّب طرفى فى السّماء لعلّهيوافق طرفى طرفها حين تنظر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقلب طرفي في السماء لعله»

ومثله قول المعلوط فى الرّضى بالقليل:

أليس اللّيل يلبس أمّ عمرووإيّانا، فذاك بنا تدانى
بلى، وترى السّماء كما أراهاويعلوها النّهار كما علانى

ونحوه قول بعض الأعراب فى الرّضى بالقليل:

وما نلت منها محرما غير أنّنىإذا هى بالت بلت حيث تبول

قالوا: وأفرط فى قوله:

ولو أنّ جلدا غير جلدك مسّنىلدى مضجعى حقّا إذا لشريت
ولو أنّ راقى الموت يرقى جنازتىبريقك يوما، يا بثين، حييت

ومما يستجاد له قوله:

علقت الهوى منها وليدا فلم يزلإلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
وأفنيت عمرى بانتظارى نوالهافبلّت بذاك الدّهر وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالباولا حبّها، فيما يبيد، يبيد
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
فمن كان فى حبّى بثينة يمترىفبرقاء ذى ضال علىّ شهيد

وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

أخذه الفرزدق وأدخله الرّواة فى شعره.

وممّا يستغثّ من شعره قوله:

فلو تركت عقلى معى ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلى
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «يقولون مهلا يا جميل و إنني»
فإن وجدت نعل بأرض مضلّة،من الدّهر يوما، فاعلمى أنّها نعلى
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

ويستجاد له قوله فى هذا الشعر:

خليلىّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

وقال صالح بن حسّان لجلسائه: أيّكم ينشد بيتا نصفه مخنّث يتفكّك بالعقيق، ونصفه أعرابىّ فى شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه، قال:

هو قول: جميل:

ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّواأسائلكم: هل يقتل الرّجل الحبّ؟
فقالوا: نعم حتّى يرضّ عظامهويتركه حيران ليس له لبّ!
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها النوام ويحكم هبوا»

النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «الشعر والشعراء»