من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أبو النجم الراجز
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الفضل بن قدامة من عجل. وكان ينزل بسواد الكوفة فى موضع يقال له الفرك، أقطعه إيّاه هشام بن عبد الملك.
وراجز العجاج فخرج العجّاج على ناقة (له كوماء)، وعليه ثياب حسان، وخرج أبو النجم على جمل مهنوء، وعليه عباءة، فأنشد العجاج:
قد جبر الدّين الإله فجبر
ثم أنشد أبو النجم:
تذكّر القلب وجهلا ما ذكر
حتى إذا بلغ إلى قوله:
إنّى وكلّ شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطانى ذكر
فما رآنى شاعر إلا استترفعل نجوم اللّيل عاينّ القمر
عشّى تميم واصغرى فيمن صغروجاورى الذّلّ وأعطى من عشر
وأمّرى الأنثى عليك والذّكرفإنّما يشرب من ذل السّؤر
وارضى بإحلابة وطب قد حزر
فلمّا فرغ من إنشاده حمل جمله على ناقة العجّاج يريدها! فضحك الناس وانصرفوا وهم ينشدون قوله:
شيطانه أنثى وشيطانى ذكر!
وأنشد أبو النجم هشام بن عبد الملك أرجوزته التى أوّلها:
الحمد لله الوهوب المجرل
وهى أجود أرجوزة للعرب، وهشام يصفق بيديه من استحسانه لها، فلمّا بلغ قوله فى الشمس:
حتّى إذا الشّمس جلالها المجتلىبين سماطى شفق مرعبل
صغواء قد كادت ولمّا تفعلفهى على الأفق كعين الأحول
أمر هشام بوجء رقبته وإخراجه، وكان هشام أحول.
وكان أبو النجم وصّافا للفرس، وأخذ عليه فى صفته قوله:
يسبح أخراه ويطفو أوّله
قال الأصمعىّ: إذا كان ذلك كذلك فحمار الكسّاح أسرع منه! لأن اضطراب مآخيره قبيح. قال: وما أحسن فى قوله: «ويطفو أوّله».
حدثنى عبد الرحمن عن عمّه عن أبيه قال: رأيت فرس أبى النجم الذى كان يصفه، فقوّمته بخمسين درهما.
وقال:
تعدّ عانات الّلوى من مالها
وأخذه أبو نواس فقال:
تعدّ عين الوحش من أقواتها
وأخذ قوله:
كطلعة الأشمط من جلبابه
يعنى من كسائه، من قول الآخر:
كطلعة الأشمط من برد سمل
وحدثنى عبد الرحمن عن عمه قال: كان هشام بن عبد الملك مسبّقا لا يكاد يسبق، فسبق (ذات يوم) على فرس له أنثى، وصلّى على ابنها، ففرح، وقال: علىّ بالشعراء، قال أبو النجم: فدعينا، فقيل لنا: قولوا فى هذه الفرس السابقة وفى ابنها، فقال أصحاب القصيد: أنظرنا حتّى نقول، وقلت فى مقامى ذلك: هل لك فى رجل ينقدك إذا استنسئوك؟ قال: هاته، فقلت من ساعتى:
أشاع للغرّاء فينا ذكرهاقوائم عوج أطعن أمرها
وما نسينا بالطّريق مهرهاحين نقيس قدره وقدرها
وضبره إذ أوعثا وضبرهاوالماء يعلو نحره ونحرها
ملبونة شدّ المليك أسرهاأسفلها وبطنها وظهرها
قد كاد هاديها يكون شطرهالا تأخذ الحلبة إلا سؤرها
قال: وقال له عبد الملك بن بشر بن مروان: انعت لى فهودى هذه، فقال:
جاء مطيع بمطاوعاتعلّمن أو قد كنّ عالمات
فهى ضوار من مضريّاتتريك آماقا مخطّطات
سودا على الأشداق سائلاتتلوى بأذناب موقّفات
حتى إذا كنّ على المجراتحيث تظنّ الوحش آخذات
قال: ألستنّ بنازلاتفسكر الطّرق بمطرقات
ثمّ حدون الوحش مقبلاتفواثبتهنّ مشمّرات
فلو ترى التّيوس مضجعاتعلمت أن ليس بسالمات
أقول إذ جئن مذبّحاتعلى الإكافين معدّلات
ما أقرب الموت من الحيات
وهو القائل:
قد زعمت أمّ الخيار أنّىشبت وحنّى ظهرى المحنّى
وأعرضت فعل الشّموس عنّىفقلت: ما داؤك إلا سنّى
لن تجمعى ودّى وأن تضنّى
وهو القائل:
كأنّ ظلامة أخت شيبانيتيمة ووالداها حيّان
العنق منها عطل والأذنانوليس فى الرّجلين إلا خيطان
وقصّة قد شيّطتها النّيرانتلك الّتى يضحك منها الشّيطان
وهو القائل:
سبّى الحماة وابهتى عليهافإن أتت فازدلفى إليها
ثمّ اقرعى بالودّ مرفقيهاوركبتيها واقرعى كعبيها
وأعلقى كفّيك فى صدغيها
وقال:
أوصيت من برّة قلبا حرّابالكلب خيرا والحماة شرّا
لا تسأمى خنقا لها وجرّاوالحىّ عمّيهم بشرّ طرّا
وممّا أخذ عليه قوله فى البعير:
أخنس فى مثل الكظام مخطمه
والأخنس: القصير المشافر، وهذا عيب، وإنّما توصف المشافر بالسبوطة.
والكظام: القنىّ التى يجرى فيها الماء.
قالوا: ولم يحسن فى وصف ورود الإبل:
جاءت تسامى فى الرّعيل الأولوالظلّ عن أخفافها لم يفضل
ذكر أنّها وردت فى الهاجرة، والعادة فى هذا أن توصف بالورود غلسا والماء بارد، كقول الآخر:
فوردت قبل الصّباح الفاتق وكقول لبيد:
إنّ من وردى تغليس النّهل
وكقول الآخر:
فوردن قبل تبيّن الألوان
وقوله فى وصف راعى الإبل:
صلب العصا جاف عن التّغزّل
قال الأصمعىّ: لا يوصف راعى الإبل بصلابة العصا. والجيّد قول الراعى:
ضعيف العصا بادى العروق ترى لهعليها إذا ما أمحل الناس إصبعا
ومن غلط أبى النجم قوله فى فرس:
كأنّها ميجنة القصّار
والميجنة لصاحب الأدم، والميجنة: التى يدقّ الأدم عليها، وهو الحجر أو غيره.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع