تجاوز إلى المحتوى

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة» لبدر الدين الدماميني (ت ٨٢٧هـ)

القوافي وعيوبها (٢)

أقول: القوافي تنحصر باعتبارٍ آخر غير ما تقدم في خمس صور، كلّ صورة منها تزيد على التي بعدها حركةً. فالأولى قافية المتكاوس، وهي ما اجتمع فيه أربعة أحرف متحركة، كقوله:

وثقلٍ مَنَعَ خيرَ طلبٍوعجلٍ منع خير تُؤدهْ

وهي لا تلزم لأنها تنشأ عن حبل مستفعلن. واشتقاقها من تكاوس الإبل، وهو ازدحامها على الماء، فسُميت بذلك لازدحام الحركات فيها. وقيل من تكاوس النّبت مال بعضه على بعض. الصورة الثانية قافية المتراكب، وهي ما اجتمع فيه ثلاثةُ متحركات بين ساكنين كقوله: بان الخليطُ ولم يأووا لمن تركوا الصور الثالثة قافية المتدارك وهيذ متحركان بين ساكنين، كقوله: بسقطِ اللّوى بين الدخول فحومل وربما اجتمعت هذه الصورُ الثلاث في قطعة كقول الراجز قاتل الحسين قاتله الله:

أَوقر ركابي فضةً وذهباإني قتلت الملكَ المحجبا

خير عباد الله أُمّاً وأبا

الصورة الرابعة قافية المتواتر، وهي متحرك بين ساكنين كقوله: حنا نيك بعضُ الشرّ أهونُ من بعض الصورة الخامسة قافية المترادف وهي ساكنان ملتقان، كقوله:

أبلغ النّعمان عنّي مألُكاًانه قد طال حبسي وانتظار
للشاعر ابن زاكور، من قصيدة «ورياض علمت جيش النوار»

إذا تقرر ذلك فنقول: قولُ الناظم ((ورودف بالسكنين)) حديثٌ عن قافية المترادف، والمراد بالسكنين الساكنان، وأصله ذو السكنين أي ذو السكونين. وقوله ((حدّا)) أي إنما يُجعلان قافيةً إذا التقيا على حدّهما، وهو أن يكون الأول منهما حرفَ لين كما في تمودَّ الثوبُ، ففيه إشعار بأنهما متى التقيا على غير هذا الحد لا يكونان من القوافي في شيءٍ. وحمله الشريف على أن معناه أن ذلك حدٌّ من حدود الشعر، وهذا خالٍ عن الفائدة التي آثرناها قبلُ. وقوله ((وبين ذا)) أي فصلوا بين الساكنين بما دون خمسة أحرفٍ متحركة، وهي الأربعة. فإن قلت: مقتضى هذا أن تكون الإشارة ((بذا)) إلى الساكنين فكيف و ((ذا)) للمفرد المذكر والساكنان مثنى؟ قلتُ: جعل إشارة له على تأويل ما ذكر أو ما تقدم كما يقال في قوله تعالى (عوانٌ بين ذلك). وقوله ((ابتدا)) قال الشريف: ((هو راجع إلى رودف))، تقدير الكلام ((ورودف ابتداء بالسكنين في حد الشعر)). وقوله ((وبين ذا بما دون خمس حركت فصلوا)) جملةُ اعترض دون ذلك، أي أن المترادف هو الاول الذي يُبتدأ به لقلة حروفه، ثم يُعَدُّ المتواترُ ثم المتداركُ، هكذا على الترتيب. فقوله ((فواتر)) إشارةٌ إلى المتواتر. ويُستفاد كونهُ حرفاُ واحداُ بين ساكنين من الترتيب، لأنه أَتى به والياً للمترادف وهو الأول الذي وقع الابتداء به حسبما شرحته، ويستفاد كونُ المتدارك حرفين بين ساكنين من قوله ((دارِك)) بعد ذكر المتواتر، وهكذا على التوالي أن ينتهي إلى المتكاوس. ويتصور في قوله ((ابتداء)) وجه آخرُ وهو أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله ((فصلوا)) ويكون قوله ((ابتداء)) يتعلق بقوله ((فواتر)) من البيت الذي بعده، كأنه قال: فواتر ابتداء، أي ابتداء بالمتواتر، ويكون البيت مضمنا، فعلى الوجه الأول يُعلمُ ما أراد في بيان الحدود التي بعد المترادف من ترتيب الوضع، لأن الواحد قبل الاثنين، وعلى الوجه الثني يُعلم من ترتيب الذكر لأنه قد نصّ على أن المترادف يُبتدأ به. انتهى كلام الشريف. قلت: في تحويزه أن يكون ((ابتداء)) من متعلقات البيت التي بعده، وأنّ أصل التركيب ((فواتر ابتداءً)) ثم قَدَّمَ نظرٌ لما يلزم عليه من تقديم ما في حيّز الفاء عليها وهوممتنع. ثم قال الشريف وأحسن: وقوله ((اجف تكاوساً هكذا وقع بهذا اللفظ في هذه النسخة الواصلة إليّ، وله عندي تفسيران: أحدهما أن يكون ((اجف)) بضم الفاء ويكون من الجفاء، عبّر به عن الثقل إذ كان هذا الحدّ من القوافي فيه ثقلٌ لِكثرة توالي الحركات. والتفسير الثاني أن يكون ((اجف)) مكسور الفاء، وتكون الهمزة همزة قطعٍ منقولة الحركة إلى الساكن قبلها، ويكون مأخوذاً من قولك ((أجفيت الماشية)) فهي مُجفاة، إذا أتعبتها ولم تدعها تأكل، وذلك أن المتكاوس لمّا توالت فيه الحركات الأربع ولم يفصل بينها بساكنٍ يستريح اللسان فيه كان شبيهاً بإتعاب الماشية التي تتعب بتوالي المشي من غير أن تُترك لتستريح، وهذا الثاني عندي أحسن من الأول. هذا كلامه رحمه الله تعالى. وقوله ((وتضمينها إخراج معنى لذاوذاً)) الذي يظهر لي أن يُضبط ((تضمينها)) بحركة النصب ويُجعل معطوفاً على قوله ((تكاوساً)) على أن يكون ((اجف)) بضم الفاء من الجفاء، أي ((اجف المتكاوس والتضمين)) لأن كليهما قبيح، ويُضبط ((إخراج معنى)) بالنصب عن أن يكون بدلاً من ((تضمينها)). وربما ذكرناه يُستفاد أن التضمين عيب، وإلا فرفعه على أن يكون مبتدأ خبرهُ ((إخراج معنى لذا وذا)) لا يفيد إلا تفسير المعنى، ولا يصير في اللفظ إشعارٌ بِكون التضمين عيباً فتأمله. وفسروا التضمين بأن تتعلق قافية البيت الأول بالبيت الثاني، كقول النابغة:

وهم وردوا الجفارَ على تميمٍوهم أصحابُ يومِ عُكاظَ إنىِّ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «غشيت منازلاً بعريتنات»
شهدت لهم مواطن صادفاتشهدنَ لهمْ بصدق الودّ مِنيّ

قال الشريف: وإنما سُمي تضميناً لأنط ضمنت البيت الثاني معنى البيت الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((إخراج معنى لذا وذا))، أي لهذا البيت وهذا البيت، لمّا كان المعنى لا يستقل به كلّ واحدٍ من البيتين صار كأنه خرج من كل واحد منهما إلى الآخر.)) انتهى. قلت: وفي بعض النسخ ((إحواج)) بالحاء والواو، من الحاجة، كأنك أحوجت المعنى إلى البيتين جميعاً وهو أظهر من الأول. وكلام الناظم منتقد من جهة شمول تفسيره التضمين لما ليس منه، وذلك لأن أول البيت إذا كان مفتقراً إلى أول البيت الثاني فليس بتضمين، نَصّ عليه أبو العباس، وسماه تعليقاً معنوياً، ووجّه بأن القافية محلُّ الوقف والاستراحة، فإذا كانت مفتقرةً لما بعدها لم يصح الوقفُ عليها، أما إذا سَلِمت هي من الافتقار فلا عيب لانتفاء هذا المحذور، كقوله:

وما شَنَّتا خرقاءَ واهيةِ الكُلَىسقى بِهِما ساقٍ ولما تَبَلَّلا
بأضيعَ من عينيكَ للدمع كلّماتذكرتَ ربعاً أو توهمتَ منزلا

وكقوله:

وما وجدُ أعرابيةٍ قَذَفَتْ بهاصروفُ النوى من حيث لم تكُ ظنَّتِ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وما وجد أعرابية قذفت بها»
نمنّتْ أحاليبَ الرعاءِ وخَيمةًبنجدٍ فلم يُقدَر لها ما تمنَّنت
إذا ذكرتْ ماء العضاةِ وطيبهُوريحَ الصّبا من نحو نجدٍ أرَنَّتِ
بأكثر منّي لوعةً غيرَ أننيأطا مِنُ أحشائي على ما أجنَّتِ

ومثله كثير. وربما عدّ بعض أهل البيان مثلَ هذا من فن البديع وسموه بالتفريع. وقد كرر الناظم كلمة ((ذا)) في قوافي أبيات متقاربة هنا، وذلك حيث قال ((حذوذا)) ثم قال بعد أربعة أبيات ((عكس ذا)) ثم قال بعد بيتين ((لذا وذا)) ومثله إيطاء بالنسبة إلى البيتين الآخرين وهو عيب. قال:

وتكريرها اليطاءُ لفظاً ورجّحواومعنىً ويزكو قبحه كلَّما دنا

أقول: يعني أن تكرير القافية هو الإيطاء، أُخذ من التواطؤ وهو التوافق، سُمي بذلك لاتفاق اللفظين. ونقلَ بعضهم عن الخليل أنه تكريُرها من غير تباعد ولو اختلف معناها. وضعّفَ ابن جنى هذه الحكاية عنه. قال: أو يكون رأياً رآه وقتاً دون وقت. وحكى الرمّانى عنه أنه يقول بالإيطاء في مثل ((العين)) و ((العين)) مما يجتمعان في الاسمية، فأما ((ذهب)) ماضي ((يذهب)) ((وذهب)) مراسلُ الفضة فغيرُ إيطاء عنده. وظاهر هذا أن الاتفاق في الفعلية ((كمجَد)) من الوجدان ((ووجد)) من الحزن إيطاء. وحكى الأخفش عنه أنه قال بخلافه لأنه جوّز ((الرجل)) علماً مع ((الرجل)) يعني به الرجولية. وزعم الأخفش أن الكلمة 'ذا اختلفن معناها فلا إيطاء، وهو الحق لان اتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى من محاسن الكلام. وأيضاً فإن قُبح الإيطاء دلالته على ضعف طبع الشاعر ونزارةِ مادته حيث أحجم طبعُه وقصّر فكره أن يأتي بقافية غير الأولى واستروح إلى إعادة الأولى، والطبعُ موكّل بمعاداة المعادات، وكلاهما مفقود عند اختلاف المعنى. وقد أشار الناظم إلى تقرير المذهبين، وأن الثاني هو المرجّح. وقوله ((ومعنى)) عطفٌ على مقدرٍ تقديرهُ ((لفظاً ومعنى)). وقوله ((ويزكوقبحه كلما دنا)) يعني أن القافية المتكررة كلما قَربت من أختها تزايد القبح وفحش العيب، كقول توبة:

لعّلك يا فَحْلاً نزي بمريرةٍتعاقبُ ليلى أنْ تراني أزورها
علىَّ دماءُ إنْ كان بعلُهايرى لي ذنباً غيرَ أنّي أزورها

وحدد بعضهم البعد بسبعة أبيات، وبعضهم بعشرة. قال صاحب العمدة: وتكرير قافية التصريع ليس بعيب، كقوله:

خليليّ مُرّا بي على أُمِّ جُنْدَبِنقضَّى لُباناتِ الفؤاد المعذّبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»
فإنكما إن تُنظرانىَ ساعةًمن الدهر تنفعني لَدَى أم ّ جندبِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

قلت: وهذا في الحقيقة غيرُ محتاج على التنبيه عليه لأن الكلام مفروضٌ في تكرير قافية البيت، وآخرُ النصف الأول من البيت المصرع ليس بقافية البيت قطعاً فهو غيرُ ما الكلامُ فيه، والله الموفق للصواب. قال:

والأقعادُ تنويعُ العروض بكاملٍوقُلْ مثله التحريدُ في الضرب حيثُ جا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: استطرد الناظم من ذكر عيوب القافية إلى ذكر غيرها فذكر أن الإقعادَ عبارة عن اختلاف العروض من بحر الكامل، ولا شك أنه معيب وإن كان وَقَعَ لبعض فحول الشعراء، أنشدوا منه لامرئ القيس:

اللهُ أنجحُ ما طلبتُ بهِوالبرُّ خيرُ حقيبةِ الرجلِ

بعد قوله:

يا ربّ غانيةٍ تركتُ وصالهاومشيتُ متئداُ على رِسْلى

فجمع بين العروض الحذّاء والعروض التامة. وأنشد منه الجطيب التبريزي:

إنّا وهذا الحَيِّ من يَمَنٍعند الهياجِ أعزةٌ أكفاءُ
قومٌ لهمْ فينا دماءٌ جمّةٌولنا لَدَيهِم إحنةٌ ودماءُ
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة
وربيعةُ الأذنابِ فيما بينناليسوا لنا سلماً ولا أعداءُ
متردوون مذبذبون فتارةًمُتَنزِّرون وتارةً حلفاءُ
إن ينصرونا لا نعِزُّ بنصرهمأو يحذلونا فالسماءُ سماءُ
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة

فجمع أيضاً بين العروضين، فالبيت الأول عروضه حذّاء وسائر الأبيات عروضها تامة. ومنه قولُ الآخر:

أفبعدَ مقتلِ بنِ زُهيرٍترجو النساءُ عواقب الأطهارِ
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»

فاستعمل عروضه مقطوعةً، ثم قال:

من كان مسورواً بمقتل مالكِفليأتِ نسوتنا بوجهٍ نهارٍ
يجدِ النساءَ حواسراً يندبنهبالصبح قبلَ تبلّجِ الأسحارِ

فاستعمل العروض فيها تامةٌ، وعلى ذِكر هذين البيتين فنقول: قال الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري خاتمة الأدباء الفضلاء بالديار المصرية في كتابه المسمى ((بمجمع الفرائد)): ((كانت العربُ إذا قُتل منها قيتل شريف لا يُبكى عليه ولا تندبه النساء إلى أن يقتل قاتله، فإذا فُعل ذلك خرجت النساءُ وندبنه، فأراد: من كان مسروراً بمقتل مالك معتقداً أنه لم يقتل قاتتله فليأت نسوتنا ليكذب ظنَّه ويزيل شماتته وسروره إذا وجدهن يلطمن ويندبن علماً بأن قاتله قد قُتل. وخصّص وجهَ النهار لأنه أوضح للأمر وأثبت لمعرفة النساء. وقال قوم: إنما أراد التفجع والتوجع، يعني أنه من كان مقتلُ مالك يَسره ويعجبه فليأت نسوتنا وهن يندبنه ليجد مقتله قد صح، وهذا كلامُ غيرِ عارفٍ بمذاهب العرب، وما أكثر من يقنع من كلامهم بالظاهر وتفوته هذه الدقائق. قلت: فإنه رحمه الله تعالى مع تنبهه لهذه الدقائق (لم يورد) ما غضّ به بعضهم من أبي تمام في اختياره لمثل قوله ((فليأت نسوتنا)) مع ما فيه من البشاعة، وهو نقد رائج. ثم قال: وأما قوله: بالصبح قبل تبلّج الأسحارِ فإن فيه سؤالاً لطيفاً، وذلك أن الصبح لا يكون إلا بعد تبلّج الأسحار فكيف بقول قبله؟ والجوابُ أنه أراد بقوله يندبه بالصبح أي يصفنه بالخلال المضيئة والمناقب الواضحة التي هي كالصبح ظهوراً ومعرفةً، ولم يُرد الصبح الذي هو دليلٌ على النهار. ويُروى ((في الصبح)) وعنى بذلك في الأمر الواضح مِن قتل قاتله. وبعد هذين البيتين بيتٌ يتعلق به حكايةً، وهو أن أبا عمرو الجرمي قال يوماً في مجلس الأصمعي: ما بقي شيء من الغريب في الشعر والعربية إلا وقد أحكمته. فسمعه الأصمعي فقال له: كيف تنشد هذا البيت:

قد كُنّ يخبأْنَ الوجوه تستّراًفالآن حين بدأن للنظارِ

فقال ((بديْن))، فقال له اخطات، فقال ((بد أن)) فقال أخطات، إنما هو ((بدا يبدو)) إذا ظهر. انتهى كلامه. وقوله ((وقل مثله التحريد في الضرب حيث جا)) يعني أن التحريدَ بالنسبة إلى الضروب كالإقعاد بالنسبة إلى الأعاريض فيكون المراد به اختلافها والإتيان بها على وجوه متباينة لا يجوز الجمع بينها، إلا أن التحريد يخالف الإقعاد من حيث أن التحريد اختلافُ الضروب حيث كانت من البحور لا يختص ببحر دون بحر، والإقعاد في العروض مختص ببحر الكامل كما عرفتَ. ثم هو بالحاء المهملة، مأخوذ من قولهم ((رجل حَريد)) أي منفرد معتزل، و ((كوكب حريد)) للذي يطلع منفرداً. فلمّا كان لهذا الضرب انفراد عن نظائره سُمى جعلُه كذلك تحريداً. وقال أبو الحسن هو من الحَرَد في الرِّجلين لمَا كان عيباً عندهم شبّهوا هذا العيب به. قال:

وقد كملتْ ستاً وتسعين فالذيتوسّط في ذا العلم تُسعه حِبَا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول: أنّث ((ستا)) وإن كان مرادهُ ستة وتسعين بيتاً، إما لأنه أراد القوافي فإن البيت يُطلق عليه قافية، وكذا على القصيدة أيضاً، أو يكون أنثّه لحذف المعدود وإن كان مذكراً بناءٍ على مذهب الكسائي ومن تبعه كما سلف غيرَ مرة. وربما يكون في هذا البيت إقامةُ بعض العذر للناظم في كونه يومئ إلى المقاصد إيماء خفياً، وذلك لأنه لم يضع قصيدته هذه للمبتدئين حتى يُعاب عليه ذلك، وإنما وضَعها للمتوسط في هذا العلم، ومثله لا يخفى عليه المقصود إذا تأمل حقّ التأمل. قال:

ويسأل عبدُ الله ذا الخزرجىّ مِنْمُطالعها إتحافَه منه باالدَّعا
للشاعر عبد الله بن محمد الخزرجي، من قصيدة «وللشعر ميزان تسمى عَروضَهُ»

أقول:

فجوزى بالحسنى وعنه إلهُهُعفا فلقد أحيا من العلم ما عفا
وقابله يومَ الحساب بجبرهِوعامله بالصّفح عنه وبالرضا
وساقَ لمثواه حقائبَ رحمةٍتفضُّ ختامَ المسك عن أطيب الشذا
ونوّلنا حسنَ الخواتيم إنهالَحليةُ أعمال الورى حين تُجتلى
ووالى على خير الأنام صلاتَهُوتسليمهُ في الابتداءِ والانتها

قال مؤلفه ﵀: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة بعد العصر من يوم الاثنين ثاني شهر رجب الفرد سنة سبعَ عشرةَ وثمانمائة بنقادة من بلاد الصعيد. وكان ابتداءُ تصنيف هذا الشرح بها يوم السبت أولَ يوم من جمادى الآخرة من السنة المذكورة أحمد الله تعالى عقباها. ثم قال: قال هذا كله وكتبه مؤلف الشرح المذكور محمد بنُ أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي أضعفُ خلق الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته حامداً ومصليا على رسوله محمد وآله وصحبه ومسلماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلقه عبد اللطيف بنُ عبد القادر الشافعي مذهباً والأشعري عقيدةً، القادري طريقةً، الحلبي مولداً وموطناً، غفر الله ذنوبهما وستر عيوبهما ولمن طلبَ المغفرة لهما ولكل المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العيون الغامزة على خبايا الرامزة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.