من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
الباب الخامس من القسم الثالث من الفنّ الثانى فى النّدمان والسّقاة [ومما قيل في الندمان]
قال سهل بن هارون: ينبغى للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك يتصرّف بشهواته ويتقلّب بإرادته، لا يملّ المعاشرة، ولا يسأم المسامرة؛ إذا انتشى يحفظ، وإذا صحا يبقظ، ويكون كاتما لسرّه، ناشرا لبرّه. قالوا:
فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤونة؛ وأنا للجدّ، وأنت للهزل؛ وأنا للشدّة، وأنت للرخاء؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم:
أنا للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحظوة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا قاعد، وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لما فيه سعادتى؛ فأنا شريك وأنت معين، كما أنك تابع وأنا قرين. فلم يحر الكاتب جوابا. والله أعلم.
وسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ ﵀ عن الندماء، فقال:
واحد غمّ، واثنان همّ، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستّة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة أضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.
وقال الجمّاز: النبيذ حرام على اثنى عشر نفسا، من غنّى الخطأ، واتكأ على اليمين، وأكثر من أكل البقل، وكسر الزجاج، وسرق الريحان، وبل ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع البمّ، وحبس أوّل قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت فيه.
قال أبو هلال العسكرىّ:
ما أعاف النبيذ خيفة إثمإنما عفته لفقد النّديم
ليس في اللهو والمدامة حظّلكريم دون النديم الكريم
فتخيّر قبل النبيذ نديماذا خلال معطّرات النسيم
وجمال إذا نظرت بديعوضمير إذا اختبرت سليم
وقال آخر:
أرى للكأس حقّا لا أراهلغير الكأس إلا للنديم
هو القطب الذى دارت عليهرحى اللّذات في الزمن القديم
وقال آخر:
وندمان أخى ثقةكأنّ حديثه حبره
يسرّك حسن ظاهرهوتحمد منه مختبره
ويستر عيب صاحبهويستر أنه ستره
وقال آخر:
ونديم حلو الحديث يجاريك بما تشتهيه في ميدانك
ألمعىّ كأنّ قلبك في أضلاعه أو كلامه في لسانك
وقال يحيى بن زياد:
ولست له في فضلة الكأس قائلالأصرفه عنها: تحسّ وقد أبى
ولكن أحييّه وأكرم وجههوأشرب ما أبقى وأسقيه ما اشتهى
ولست إذا ما نام عندى بموقظولا مسمع يقظان شيئا من الأذى
وقال آخر:
ليس من شأنه إذا دارت الكأس فأزرى إدمانها بالحلوم
قول ما يسخط النديم وإن أسخطهعند ذاك قول النديم
وقال عبد الرحمن العطوىّ ﵀:
اخطب لكأسك ندمانا تسرّ بهأو لا فنادم عليها حكمة الكتب
أخطبه حرّا كريما ذا محافظةترى مودّته من أقرب النسب
وقال أبو نواس:
وندمان يرى عيبا عليهبأن يمشى وليس به انتشاء
إذا نبّهته من نوم سكركفاه مرّة منك النداء
فليس بقائل لك: إيه دعنىولا مستخبرا لك ما تشاء
ولكن سقّنى ويقول أيضاعليك الصّرف إن أعياك ماء
اذا ما أدركته الظهر صلّىولا عصر عليه ولا عشاء
يصلّى هذه في وقت هذىوكلّ صلاته أبدا قضاء
وقال آخر:
نبهت ندمانى فهبّوابعد المنام لما استحبّوا
هذا أجاب وذا أناب وذا يسير وذاك يحبو
أنشدتهم بيتا يعلّمذا الصبابة كيف يصبو
«ما العيش إلا أن تحبّوأن يحبّك من تحبّ»
فتطرّبوا والأريحيةشأنها طرب وشرب
وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه:
ونديم نبّهته ودجى الليلوضوء الصباح يعتلجان
قم نبادر بها الصيام فقد أقمر ذاك الهلال من شعبان
وقال أيضا:
بات نديما لى حتى الصباحأغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤمنضّد أو برد أو أقاح
يساقط الورد علينا وقدتبلّج الصبح، نسيم الرياح
إن لان عطفاه قسا قلبهأو ثبّت الخلخال جال الوشاح
أمزج كأسى بجنى ريقهوإنما أمزج راحا براح
ومنهم من كره النديم وآثر الانفراد. قال إبراهيم الموصلىّ عفا الله تعالى عنه ورحمه:
دخلت يوما على الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب، فقلت له:
تنادم كلبا! قال: نعم، يمنعنى أذاه، ويكفّ عنّى أذى سواه، ويشكر قليلى، ويحفظ مبيتى ومقيلى. وأنشد:
وأشرب وحدى من كراهتى الأذىمخافة شرّ أو سباب لئيم
انتهى وأستغفر الله العظيم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع