من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما الطّباق
- قال: المطابقة أن تجمع بين ضدّين مختلفين، كالإيراد والإصدار والليل والنهار، والسواد والبياض؛ قال الأخفش وقد سئل عنه: أجد قوما يختلفون
فيه، فطائفة- وهم الأكثر- يزعمون أنه الشىء وضدّه، وطائفة تزعم أنه اشتراك المعنيين فى لفظ واحد، كقول زياد الأعجم:
ونبّئتهم يستنصرون بكاهلوللّؤم فيهم كاهل وسنام
ثم قال: وهذا هو التجنيس بعينه، ومن ادعى أنه طباق فقد خالف الأصمعىّ والخليل، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال: سبحان الله! وهل أعلم منهما بالشعر وتمييز خبيثه من طيّبه؟. ويسمونه المطابقة والطّباق والتضادّ والتكافؤ وهو أن تجمع بين المتضادّين مع مراعاة التقابل، فلا تجىء باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم، مثاله قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
وقوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
وقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
إلى قوله:
بِغَيْرِ حِسابٍ
وقوله ﷺ للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع» ومن النظم قول جرير:
وباسط خير فيكم بيمينهوقابض شرّ عنكم بشماليا
وقول البحترىّ:
وأمّة كان قبح الجور يسخطهاحينا فأصبح حسن العدل يرضيها
وقوله أيضا:
تبسّم وقطوب فى ندى ووغىكالبرق والرعد وسط العارض البرد
وقول دعبل:
لا تعجبى يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
وقول ابن المعتز:
مها الوحش إلا أنّ هاتا أوانسقنا الخطّ إلا أنّ تلك ذوابل
فإنّ هاتا للحاضر، وتلك للغائب، فكانتا متقابلتين؛ وقد تجىء المطابقة بالنفى [والإثبات] كقول البحترىّ:
تقيّض لى من حيث لا أعلم النوىويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم
وقال الزكىّ بن أبى الإصبع المصرىّ فى الطباق: وهو على ضربين: ضرب يأتى بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتى بألفاظ المجاز، فما كان بلفظ [الحقيقة] سمّى طباقا وما كان بلفظ المجاز سمّى تكافؤا، فمثال التكافؤ قول أبى الأشعث العبسىّ من إنشادات قدامة:
حلو الشمائل وهو مرّ باسليحمى الذّمار صبيحة الإرهاق
لأن قوله: حلو ومرّ خارج مخرج الاستعارة، إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسّة الذوق.
ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق:
وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوانجوم العوالى فى سماء عجاج
وقد جمع دعبل فى بيته المتقدّم بين الطباق والتكافؤ، وهو:
لا تعجبى يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة.
قال: هكذا قال ابن أبى الإصبع، وفيه نظر، لأنه إذا كان الطباق عنده هو التضادّ من حقيقتين، والتكافؤ التضادّ من مجازين، فليس فى البيت ما شرطه.
قال: ومما جمع بين طباقى السلب والإيجاب قول الفرزدق من إنشادات ابن المعتزّ:
لعن الإله بنى كليب إنّهملا يغدرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حميرهموتنام أعينهم عن الأوتار
وذكر فى آخر الباب طباق الترديد، وهو أن يردّ آخر الكلام المطابق إلى أوّله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو ردّ الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى:
لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدواطول الحياة ولا يوهون ما رقعوا
وأما المقابلة
- وهى أعم من الطباق، وذكر بعضهم أنها أخص، وذلك أن تضع معانى تريد الموافقة بينها وبين غيرها أو المخالفة، فتأتى فى الموافق بما وافق، وفى المخالف بما خالف أو تشرط شروطا وتعدّ أحوالا فى أحد المعنيين فيجب أن تأتى فى الثانى بمثل ما شرطت وعددت [فى الأوّل]، كقوله ﷿: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
وقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
ومثاله من النظم قول الشاعر:
فيا عجبا كيف اتفقنا فناصحوفىّ ومطوىّ على الغلّ غادر!
وقول آخر:
تقاصرن واحلولين لى ثم إنهأتت بعد أيام طوال أمرّت
وقول زهير بن أبى سلمى:
حلماء فى النادى إذا ما جئتهمجهلاء يوم عجاجة ولقاء
ومن فساد ذلك أن يقابل الشىء بما لا يوافقه ولا يخالفه، كقول أبى عدىّ القرشىّ:
يا ابن خير الأخيار من عبد شمسأنت زين الدنيا وغيث لجود
فليس قوله: غيث لجود موافقا لقوله: زين الدنيا ولا مخالفا له وكقول الكميت:
وقد رأينا بها حورا منعّمةبيضا تكامل فيها الدّلّ والشّنب
فالشنب لا يشاكل الدّلّ.
وقول آخر:
رحماء بذى الصلاح وضرّابون قدما لهامة الصّنديد
قال: وقد ذكر بعض أئمة هذا الفن تفصيلا فى المقابلة فقال:
فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
؛ وقول النابغة:
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقهعلى أنّ فيه ما يسوء الأعاديا؛
ومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعاوأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
وقول أبى نواس:
أنا استدعيت عفوك من قريبكما استعفيت سخطك من بعيد؛
ومن مقابلة أربع بأربعة قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
المقابل بقوله تعالى: «اسْتَغْنَى»
قوله تعالى: «وَاتَّقى»
لأن معناه: زهد فيما عند الله واستغنى بشهوات الدنيا عن نعم الآخرة، وذلك يتضمّن عدم التقوى، ومنه قول النابغة:
إذا وطئا سهلا أثارا عجاجةوإن وطئا حزنا تشظّى الجنادل؛
ومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبّى:
أزورهم وسواد الليل يشفع لىوأنثنى وبياض الصبح يغرى بى
قابل أزور بأنثنى، وسواد ببياض، والليل بالصبح، ويشفع بيغرى، ولى بقوله: بى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع