من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا ما وصف به البهار
- فمن ذلك قول الصّنوبرىّ:
وروضة لا يزال يبتسم النّوارفيها ابتسام مسرور
كأنّما أوجه البهار بهاوقد بدت أوجه الدنانير
وقال أحمد بن برد الأندلسىّ:
تأمّل فقد شقّ البهار مقلّصاكمائمه عن نوره الخضل النّدى
مداهن تبر فى أنامل فضّةعلى أذرع مخروطة من زبرجد
وقال ابن درّاج القسطلّىّ من أبيات:
بهار يروق بمسك ذكىوصبغ بديع وخلق عجب
غصون الزبرجد قد أورقتلنا فضّة موّهت بالذهب
[وقال آخر]:
بهر البهار عيوننا فقلوبنامسحورة بجماله السّحّار
كسواعد من سندس وأكفّهامن فضّة حملت كئوس نضار
وأمّا الأقحوان وما قيل فيه
- فقال أبو الخير العشّاب: الأقحوان هو البابونج؛ وهو نوعان: نوع ينبت فى الجبال الباردة جدّا، ونوع يزرع فى البساتين؛ فما كان جبليا فهو البابونج، وما كان مزروعا فهو أقحوان؛ ومنه ما زهره أصفر كلّه؛ ومنه ما زهره أبيض، وفى وسطه لمعة صفراء؛ ومنه الحوذان، وورقه يشبه ورق الخيرىّ الأصفر؛ وهو مشرّف تشريف المنشار، ويعرف برأس الذّهب؛ ويسمّى بمصر: الكركاش؛ وأهل مصر يعتنون بأمره فى وقت نزول الشمس برج الحمل، ويحتفلون به، فيخرج كثير من عوامّهم وبعض الجند وغيرهم الى البرّ
ويقطعونه فى الساعة التى تحلّ الشمس فيها الحمل بمناخل من الذهب يصوغونها برسمه، أو بدنانير؛ ومنهم من يتكلّم بكلام شبه الرّقية، لا ينطق بغيره ما دام يحصده، ويجمعون ما يقطعونه من ذلك بالذهب، ويدّخرونه فى صناديقهم، ويزعمون أنّ من قطعه على وضعه ملك فى تلك السنة بعدد ما يقطعه منه دنانير إن قطعه بالذهب، ودراهم إن قطعه بالفضّة.
وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: طبع الأقحوان حارّ فى الثالثة، يابس فى الثانية. قال: وهو مسخّن منضج، مفتّح للسّدد، وفى الأحمر منه قبض ومنع لأنواع السّيلان، مع ما فيه من التحليل؛ وهو يدرّ العرق، وكذلك دهنه مسوحا؛ ويفتّح أفواه العروق، محلّل، ملطّف للأورام والبثور، محلّل للورم الحارّ فى المعدة والدم الجامد فيها؛ وينفع جميع الأورام الباردة؛ وينفع من النّواصير؛ ويقشّر الخشكريشات والقروح النّضيجة؛ وينفع من جراحات العصب، ومن التواء العصب اذا بلّت صوفة بطبيخه ووضعت عليه؛ وهو مسبت؛ واذا شمّ رطبه نوّم؛ ودهنه نافع من أوجاع الأذن؛ وهو ينفع من الرّبو اذا شرب يابسه كما يشرب الإفتيمون.
قال: وهو ردىء لفم المعدة، إلا أنّه يحلّل يابسا، ويجفّف ما يتحلّب اليها؛ ويحلّل الدم الجامد فيها.
قال: وهو يدرّ بقوّة، ويحلّل الدم الجامد فى المثانة بماء العسل، ويفتّت الحصاة، واذا شرب مع زهره وفقّاحه فى الشّراب أدرّ الطّمث، وكذلك احتمال دهنه فانّه يدرّ بقوّة، واحتمال دهنه يحلّل صلابة الرّحم، ويفتّح الرّحم؛ ويشرب يابسا بالسّكنجبين كما يشرب الإفتيمون فيسهل سوداء وبلغما؛ وينفع من أورام
المقعدة الحارّة؛ ويفتّح البواسير هو ودهنه؛ وينفع من ادرة الماء بعد أن تشقّ؛ وينفع من القولنج ووجع المثانة، وصلابة الطّحال، هذه منافعه الطّبيّة.
وأمّا ما وصفه به الشعراء
- فقد أكثر الشعراء من تشبيهه بالثغور وتشبيه الثغور به، وتشبيه الثغور به أكثر فى أشعارهم من تشبيهه بالثغور؛ وقد أجاد ظافر الحدّاد الإسكندرىّ فى وصفه حيث قال:
والأقحوانة تحكى ثغر غانيةتبسّمت عنه من عجب ومن عجب
فى القدّ والبرد والرّيق الشهىّ وطيبالرّيح واللّون والتفليج والشّنب
كشمسة من لجين فى زبرجدةقد شرّفت حول مسمار من الذهب
[وقال آخر]:
والأقحوانة تجلى وهى ضاحكةعن واضح غير ذى ظلم ولا شنب
كأنّها شمسة من فضّة حرستخوف الوقوع بمسمار من الذهب
وهذا والذى قبله من بديع التشبيه؛ وهو أجود من تشبيهها بالثغور وأصنع فإنّها لا تشبّه بالثغر حقيقة إلّا من وجه واحد، وهذا قد شبّهها ووصفها بجميع صفاتها وهيئتها.
وقال ابن عبّاد:
ومن لؤلؤ فى الأقحوان منظّمعلى ذكت مصفرّة كالفرائد
يذكّرنا ريّا الأحبّة كلّماتنفّس فى جنح من الليل بارد
وقال آخر:
كلّ يوم بأقحوان جديدتضحك الأرض من بكاء السماء
وسطها جمّة من الشّذر حفّتبثغور من فضّة بيضاء
وقال جمال الدين علىّ بن أبى منصور المصرىّ:
انظر فقد أبدى الأقاح مباسماضحكت بدرّ فى قدود زبرجد
كفصوص درّ لطّفت أجرامهاقد نظّمت من حول شمسة عسجد
[وقال آخر]:
ظفرت يدى للأقحوان بزهرةباهت بها فى الرّوضة الأزهار
أبدت ذراع زبرجد وأناملامن فضّة فى كفّها دينار
[وقال آخر]:
كأنّ نور الأقاحىإذ لاح غبّ القطر
أنامل من لجينأكفّها من تبر
[وقال آخر]:
لدى أقحوانات يطفن بناضرمن الورد محمّر الثياب نضيد
اذا الريح هزّتها توهّمت أنهاثغور هوت قصدا لعضّ خدود
الباب الثالث من القسم الرابع من الفنّ الرابع فى الصّموغ
ويشتمل هذا الباب من الصّموغ على ثمانية وعشرين صنفا. وهى الكافور والكهربا، وعلك الأنباط، وعلك الرّوم- وهو المصطكا- وعلك البطم وصمغ الينبوت، وصمغ قوفىّ، والكثيراء، والكندر، والفربيون، والصّبر، والمرّ والكمكام، والضّجاج، والأشّق، وتراب القىء، والقنّة، والحلتيت، والأنزروت والسّكبينج، والسادوران، ودم الأخوين، والميعة، وصمغ قبعرين، والمقل الأزرق والصّمغ العربىّ، والقطران، والزّفت.
فأما الكافور وما قيل فيه
- فهو أشرف الصّموغ قدرا، وأحقّها بالتقديم وأحرى؛ لفضله فى التركيب، ودخوله فى أصناف الأدوية والطّيب؛ ويقال فيه: (القافور) بالقاف بدل الكاف؛ ويقال: إنّه صمغ شجرة سفحيّة بحريّة عظيمة تظلّ مائة رجل، تكون بأطراف الهند. وتزعم التّجار أنّه يوجد فى الشجرة الواحدة أصناف من الكافور، فيميّزون كلّ صنف على حدته؛ وله مظانّ: منها (فنصور) وهى جزيرة محيطها سبعمائة فرسخ، وتعرف أرضها بأرض الذهب؛ والكافور المنسوب اليها أفضل ممّا عداه، ومن مظانّه موضع يعرف بأربشير، ومنها الزّابج؛ والمنسوب اليها أدنى أصنافه. قالوا: وكيفيّة جمعه أن تقصد شجرته فى وقت معلوم من السنة فتحفر حولها حفرة، ويجعل فى الحفرة إناء كبير، ثم يقبل الرّجل وبيده فأس عظيمة، وهو ملثّم، مسدود الأنف، ويمكّن الإناء من أصل الشجرة، ثمّ يضربها
بالفأس ضربة، ويطرح الفأس من يده، ويهرب خشية أن يفور فى وجهه ما يخرج من الشجرة من الكافور، فانّه متى أصاب وجهه قتله، ويجمع ما يخرج من الشجرة عقيب تلك الضربة فى ذلك الإناء الموضوع فى أصلها، فاذا برد فى الإناء جعلوه فى أوعية وقطعوا تلك الشجرة، وتركوها حتى تجفّ، ثم تقطع أجزاء صغارا أو كبارا. وذهب آخرون الى أنّه بين اللّحاء والعود مثل الصّمغ قطعا صغارا وكبارا.
وقال آخرون: بل يشقّون الخشب فيجدون الكافور فى قلب العود منظّما مثل الملح، فيقلعونه منه، وهذا هو الأصحّ عندهم. وقد زعم آخرون أنّ الكافور يلتقط من شجر فى غياض ملتفّة فى سفوح جبال، وبين تلك الغياض والبحر مسيرة أيّام وأنّ الببور تألف تلك الغياض، ولا يصل أحد إلى التقاطه خوفا منها إلّا فى وقت معلوم من السنة، وهو زمن هياج هذا الحيوان، لأنّه اذا هاج مرض، فتخرج إناثه وذكوره الى البحر فتستشفى بمائه نحوا من شهر، فيلتقط فى ذلك الوقت.
قالوا: ولولا ذلك لكان الكافور كثيرا جدا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع