من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الرابع أن يؤخذ المعنى فيزداد عليه معنى آخر
. قال في «المثل السائر»: وهذا النوع من السّرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره.
فمن ذلك قول الأخنس بن شهاب:
إذا
قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقول مسلم بن الوليد بعده:
إن قصر الرّمح لم نمش الخطا عدداأو عرّد السيف لم نهمم بتعريد
أخذ مسلم المعنى الذي أورده الأخنس وهو وصل السلاح إذا قصر بالخطا إلى العدوّ وزاد عليه عدم تعريدهم أي فرارهم إذا عرّد السيف. ومنه قول جرير في وصف أبيات من شعره:
غرائب آلاف إذا حان وردهاأخذن طريقا للقصائد معلما
وقول أبي تمام بعده:
غرائب لاقت في فنائك أنسهامن المجد فهي الآن غير غرائب
فزاد أبو تمام على جرير قران ذلك بالممدوح ومدحه مع الأبيات. ومنه قول المعذّل بن غيلان:
ولست بنظّار إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء في جانب الفقر
وقول أبي تمام بعده:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سوددولو برزت في زيّ عذراء ناهد
فزاد عليه قوله:
ولو برزت في زيّ عذراء ناهد
ومما اتفق لي نظمه في هذا الباب أنه لما عمّرت مدرسة الظاهر برقوق بين القصرين بالقاهرة المحروسة، وكان القائم بعمارتها الأمير جركس الخليليّ أميراخور الظاهريّ، وكان قد اعتمد بناءها بالصّخور العظيمة التي لا تقلّها الجمال حملا، ولا تحمل إلا على العجل الخشب، فأولع الشعراء بالنظم في هذا المعنى؛ فنظم بعض الشعراء أبياتا عرّض فيها بذكر الخليليّ وقيامه في عمارتها، ثم قال في آخرها:
وبعض خدّامه طوعا لخدمتهيدعو الصّخور فتأتيه على عجل
وألزمني بعض الإخوان بنظم شيء في المعنى، فوقع لي أبيات من جملتها:
وبالخليليّ قد راجت عمارتهافي سرعة بنيت من غير ما مهل
كم أظهرت عجبا أسواط حكمتهوقد غدت مثلا ناهيك من مثل
وكم صخور تخال الجنّ تنقلهافإنّها بالوحا تأتي وبالعجل
فزدت عليه ذكر الوحا الذي معناه السرعة أيضا وصار مطابقا لما يأتي به المعزّمون في عزائمهم من قولهم: الوحا الوحا العجل العجل مع ما تقدّم له من التوطئة بقولي: تخال الجنّ تنقلها. على أني لست من فرسان هذا الميدان، ولا من رجال هذا الوغى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع