تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَالتَّرْدِيْدِ وَالتَّصْدِيْرِ

فَالتَّرْدِيْدُ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ الشَّاعِرُ لَفْظَةً فِي البَيْتِ بِمَعْنًى، ثُمَّ يَرُدَّهَا فِيْهِ بِعَيْنِهَا، وَيُعَلِّقُهَا بِمَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيّ:

أَلَا حَيِّ مِنْ أَجْلِ الحَبيْبِ المَغَانِيَالَبِسْنَ البِلَى مِمَّا لَبِسْنَ اللَّيَالِيَا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
إِذَا مَا تَقَاضَى المَرْءُ يَوْمًا وَلَيْلَةًتَقَاضَاهُ شَيْءٌ لَا يَمَلُّ التَّقَاضِيَا

ابْتَدَأ المِصْرَاعَ الأوَّلَ، فَأَحْسَنَ الابْتِدَاءَ، وَرَدَّ فِي المِصْرَاعِ الثَّانِي، فَأَحْسَنَ التَّرْدِيْدَ، ثُمَّ ابْتَدَعَ فِي البَيْتِ الثَّانِي مَا لَيْسَ مِثْلُهُ لأحَدٍ. وَكَقَوْلِ الخَلِيْعِ البَاهِلِيِّ:

لَقَدْ مَلأَتْ عَيْنِي بِغُرِّ مَحَاسِنٍمَلأْنَ فُؤَادِي لَوْعَةً وَهُمُوْمَا

وَالتَّصْدِيْرُ هُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ البَيْتِ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ يُعِيْدَهَا فِي عَجُزِهِ، أَوْ

النِّصْفِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرُدَّهَا فِي النِّصْفِ الأَخِيْرِ وَإِذَا نُظِمَ الشِّعْرُ عَلَى هَذِهِ الصيْغَةِ تَيَسَّرَ اسْتِخْرَاجُ قَوَافِيهِ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ أسْمَاعَ مُسْتَمِعِيْهِ.

وَرُبَّمَا أَتَى الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ بَيْتِهِ بِلَفْظٍ فِي مَعْنًى لَا يَتِمُّ ذَلِكَ المَعْنَى وَلَا يَكْمُلُ حَتَّى يَعُوْدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي عَجُزِهِ وَآخِرِهِ وَيُسَمَّى رَدَّ العَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ

كَقَوْلِ أَبِي الفَرَجِ القَاسِمِ بنِ حَنْبَلٍ المُرِيِّ:

وَلَوْ أَنَّ السَّمَاءَ دَنَتْ لِمَجْدٍوَمَكْرُمَةٍ دَنَتْ لَهُمُ السَّمَاءُ

وَكَقَوْلِ آخَرَ:

إِذَا اخْتَلَجَتْ عَيْنِي رَأَتْ مَنْ تُحِبُّهُفَدَامَ لِعَيْنِي مَا حَيِيْتُ اخْتِلَاجُهَا
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

ألَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرَي البَيْتَيْنِ لَفْظَتِي السَّمَاءِ وَالاخْتِلَاجِ كَمَا ذُكِرَا فِي صَدْرَيْهِمَا لَمَا تَمَّ المَعْنَى فِيْهِمَا. وَمِثَالُ الأوَّلِ وَهُوَ التَّصْدِيْرُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

شَفِيْعِي إِلَيْهَا قَلْبُهَا إِنْ تَغَضَّبَتْوَقَلْبِي لَهَا فِيْمَا تُرِيْدُ شَفِيْعُ

وَكَقَوْلِ الآخَرِ:

سَرِيعٌ إِلَى ابنِ العَمِّ يَشْتِمُ عِرْضَهُوَلَيْسَ إِلَى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيْعِ

وكَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:

وَإنِّي جَدِيْرٌ إِنْ بَلَغْتُكَ بِالغِنَىوَأَنْتَ لِمَا أمَّلْتُ مِنْكَ جَدِيْرُ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.