تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَحِدَّةُ الاسْتِطْرَادُ

الاسْتِطْرَادُ هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الشَّاعِرُ آخِذًا في ذِكْرِ شَيْءٍ، وَهُوَ يُرِيْدُ ذِكْرَ شَئٍ آخَرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْقَطِعَ الكَلَامُ بَفَاصِلٍ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا بَابٌ أُعْجِبَ بِهِ المُحْدِثُوْنَ، وَتَخَيَّلُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ قَدْ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ قَدِيْمًا فِي أشْعَارِهَا.

وَمَتَى جَاءَ الاسْتِطْرَادُ حَادًّا، فَهُوَ دَلِيْلٌ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ فِي صَنْعَتِهِ، وَإِنْ جَاءَ مُقْلَقًا تَعْرُوْهُ رِكَّةٌ، دَلَّ عَلَى تَقْصِيْرِهِ. فَالأُوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَضَايِقِ الشِّعْرِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيْهَا إِلَّا الفُحُوْلُ مِنْ كُمِاتِهِ، وَيُرِيْحَ نَفْسِهِ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَكَادُ يَنْهَضُ بِهِ، وَلَا يَتَأتَّى لَهُ فِي أبْيَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَفْتَضِحَ، وَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ نَصَحَ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ مُضْطَرًّا، وَألْفَيْتَهُ بِإجَابَةِ طَبْعِهِ مُغْتَرًّا. والاسْتِطْرَادُ لهُ مَوْضِعَانِ أكْثَرُ مَا يُوْجَدُ فيهِمِا، وَيَلِيْقُ بِهِمَا. أحَدُهُمَا فِي التَّشْبِيْهِ، وَالآخَرُ فِي المَخْلَصِ، إمَّا إِلَى مَدْحٍ أَوْ إِلَى ذَمٍّ.

وَقَدْ تَعَاوَرَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا. وَأَوَّلُ مَنِ ابْتَكَرَهُ السَّمَوْألُ بنُ عَادِيَاءَ. وَكُلُّ أحَدٍ تَابِعٌ له فَقَالَ:

وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةًإِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجَالنَا لنَاوَتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَطُوْلُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

وَكَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

كَأَنَّ فِقَاحَ الأَزْدِ حَوْلَ ابنِ مِسْمَعٍإِذَا جَلَسُوا أفْوَاهُ بَكْرِ بنِ وَائِلِ

وَأَتَى جَرِيْرٌ بِذَلِكَ، فَغَبَّرَ فِي وَجْهِ السَّابِقِ إِلَى هَذَا المَعْنَى، فَضْلًا عَمَّنْ تَلَاهُ، فَإِنَّهُ اسْتَطْرَدَ بِاثِنَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ هَجَا فِيْهِ الفَرَزْدَقَ فَقَالَ:

لَمَّا وَضعْتُ عَلَى الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِيوَضَغَا البَعِيْثُ جَدَعْتُ أنْفَ الأَخْطَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

وَقَالَ الحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ القُمِّيُّ:

جَاوزْتُ أجْبَالًا كَأَنَّ صُخُوْرَهَاوَجَنَاتُ نَجْمٍ ذِي الحَيَاءِ الجامِدِ
في حِنْدِسٍ يحكي سوادَ أَديمهِوَهَوًى كَمَنْطِقِهِ الخبيث الباردِ
وَالشَّوْكُ يَعْمَلُ فِي ثِيَابِي مِثْلَمَاعَمِلَ الهِجَاءُ بِعِرْضِ عَبْدِ الوَاحِدِ

أَخَذَ فِي ذِكْرِ صُعُوْبَةِ الجِبَالِ، وَاشْتِيَاكِهِ بِشِيَاكِهَا، وَقَطْعِهِ إيَّاهَا فِي ظَلَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ، وَهُوَ يُرِيْدُ هِجَاءَ نَجْمٍ وَعَبْدِ الوَاحِدِ. وَرُبَّمَا يَأتِي مِنْ هَذَا البَابِ اسْتِطْرَادٌ يَخْرُجُ مِنْ ذَمٍّ إِلَى مَدْحٍ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:

إِنَّ البَخِيْلَ مَلُوْمٌ حَيْثُ كَانَوَلَكِنَّ الجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

أَوْ يَسْتَطْرِدُ مِنْ مَدْحٍ إِلَى ذَمٍّ، كَمَا قَالَ بَكْرُ بنُ النَّطَاحِ يَمْدَحُ مَالِكَ بن طَوْقٍ التَّغْلِبِيَّ:

عَرَضْتُ عليها مَا أَرَادَتْ مِنَ المُنَىلِتَرْضى فَقَالَتْ قُمْ فَجِئْنِي بِكَوْكَبِ
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فَقُلْتُ لَهَا هَذَا التَّعَنُّتُ كُلُّهُكَمَنْ يَتَشَهَّى لَحْمَ عَنْقَاءَ مُغْرِبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «عرضت عليها ما تمنى من المنى»
سَلِي كُلَّ أمْرٍ يَسْتَقِيْمُ طِلَابُهُوَلَا تَذْهَبِي يا دُرُّ بِي كُلَّ مَذْهَبِ
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فَأُقْسِمُ لَوْ أصْبَحْتُ فِي عِزِّ مَالِكٍوَقُدْرتهِ أعْيَا بِمَا رُمْتِ مَطْلَبِي
فتى شَقِيَتْ أمْوَالُهُ بِأكُفِّهِكَمَا شَقِيَتْ قَيْسٌ بِأرْمَاحِ تَغْلِبِ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.