تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَالوَحْيُ وَالإِشَارَةُ وَتَكرِيْرُهَا

الإِشَارَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أحَدُهُمَا أَنْ يَقْصِدَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَيَأتِي بِهِ فِي لَفْظٍ يَقْصُرُ عَنِ استِكْمَالِهِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ الوَحْيَ وَالإِشَارَةَ عَلَى مَذْهَبِ إسْحَاقَ بن إبْرَاهِيْمِ المُوْصِلِّي؛ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ اخْتَرَعْتُ فِي صَنْعَةِ البَدِيْعِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ مِنْ قَبْلِ. فَقِيْلَ: مَا هُوَ؟، قال: الوَحِيُ وَالإِشَارَةُ، قِيْلَ: مَا مِثَالُهُ فَقَالَ:

جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيْدِ مِنْهُوَبَيْنَ سَوَادِ لَحْيَيْهِ عِذَارَا

جَعَلَ العِذَارَ إشَارَةً فِي شَحْذِ عُنُقِهِ بالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إفْصَاحٍ. وَأَخْبَرَ عَلِيُّ بنُ هَارُوْنَ عَنْ حَمَّادِ بنِ إسْحَقَ قَالَ: قُلْتُ لَأَبِي: أسْمَعُكَ تُكَرِّرُ ذِكْرَ الإِشَارَةِ فِي الشِّعْرَ وَتَقُوْلُ: إِنَّهَا مِنْ مَحَاسِنِهِ. فَمَا هِيَ؟ قَالَ: كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَوْرَدْتُهُ وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَةٌوَاللَّيْلُ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ مَنْحُوْرُ

ثُمَّ قَالَ: ألَا تَرَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَة قَدْ أَشَارَ إِلَى الفَجْرِ إشَارَةً لَطِيْفَةً بِغَيْرِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا الوَحْيُ. وَمِثْلُهُ قَوْلِ عُمَرَ بنِ نَضْلَةَ جَاهِلِيٌّ:

جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُوَبَعْضُ الفَوَارِسِ لَا يَعْتَنِقُ

فَقَوْلُهُ: جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُ إشَارَةً بَدِيْعَةً بِغَيْرِ لَفْظِ الاعْتِنَاق، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَالنَّوْعُ الآخَرُ أَنَّ الإِشَارَةَ هِيَ الإيْمَاءُ إِلَى الشَّخْصِ المُخَاطَبِ المُعَايَنِ، وَهِيَ مُسْتَحْلَاةٌ وَإِذَا تَكَرَّرَتْ فِي الشِّعْرِ بِالإِشَارَةِ إِلَى المَمْدُوْح أَوْ المَذْمُوْمِ، وَكَانَتْ مَعَ تَكْرَارِهَا حَادَّةً لَا يَعْتَرِيْهَا فُتُوْرٌ، وَلَا رِكَّةٌ، دَلَّتْ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ، وَقُدْرَتهِ عَلَى الكَلَامِ، وَحِذْقِهُ وَبَرَاعَتِهِ فِي صَنْعَتِهِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُوَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهمُهَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُبِجَدِّهِ أنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.