من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)
وَبَرَاعَةُ الابْتِدَاءِ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: لامْرِئِ القَيْسِ بَيْتٌ لَمْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهِ أحَد، وَلَا ابْتَدَأَ بِمِثْلِهِ شَاعِرٌ.
وَقَفَ فِيْهِ، وَاسْتَوْقَفَ، وَبَكَى، وَاسْتَبْكَى، وَذَكَرَ الأحِبَّةِ وَالدِّمَنَ، وَالمَنَازَلَ فِي المِصْرَاعِ الأوَّلِ، فَقَالَ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَبْتَدِئْ أحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ بأحْسَنَ مِمَّا ابْتَدَأَ بهِ أوْسُ بن حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ:
أيَّتُهَا النَّفْسُ اجْمِلِي جَزَعًاإِنَّ الَّذِي تَحْذَرِيْنَ قَدْ وَقَعَا
لأَنَّهُ افْتَتَحَ المَرْثِيَّةَ بِلَفْظٍ نَطَقَ بِهِ عَلَى المَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْهَا فَأَشْعَرَنَا مُرَادَهُ فِي أوَّلِ بَيْتٍ، وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي وَصْفِ الشِّعْرِ وَالشَّاعِرِ. وَقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبِ لأَنَّهُ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِمَا دَلَّ فِي أوَّلِهِ عَلَى آخِرِ غَرَضِهِ، فَقَالَ:
أَمِنَ المَنُوْنِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُوَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قَالَ: وَإِنِّي لأعْجَبُ كِيْفَ لَمْ يَقُلِ النَّاسُ: إِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ قَالتهُ العَرَبُ قَوْلَهُ أَيْضًا:
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَاوَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيْلٍ تَقْنَعُ
وَمِنْ بَدِيْع ابْتِدَاآتِ المُحْدِثينَ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ:
لَمِنْ دِمنٌ تَزْدَادُ حُسْنَ رُسُوْمِعَلَى طُوْلِ مَا أَقْوَتْ وَطِيْبَ نَسِيْمِ
تَجَافَى البِلَى عَنْهُنَّ حَتَّى كَأَنَّمَالَبِسْنَ عَلَى الإِقْوَاءِ ثَوْبَ نَعِيْمِ
وَأكْثَرُ ابْتِدَاآتِهِ وَأَتْبَاعُهَا مَنْصُوْرَةٌ.
وَمِمَّنْ تَنَاصَرَ إحْسَانُهُ فِي ابْتِدَاآتِهِ أَبُو تَمَّامٍ حَيْثُ يَقُوْلُ:
السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
وَكَقَوْلِهِ أَيْضًا:
الحَقُّ أبْلَجُ وَالسُّيُوْفُ عَوَارِيفَحَذَارِ مِنْ أسْدِ العَرِيْنِ حَذَارِ
وَمِمَّا أحْسَنَ فِيْهِ أَبُو تَمَّامٍ كُلَّ الإِحْسَانِ حَتَّى لَقَدْ جَرَى هُوَ وَأَوْسٌ فِي
مِضْمَارٍ وَاحِدٍ بِقَوْلهِ مُبْتَدِئًا فِي مَرْثِيَّةٍ:
أَصَمَّ بِكَ الدَّاعِي وَإِنْ كَانَ أَسْمَعَا
وَلَا أعْلَمُ أحَدًا قَالَ نَظِيْرًا لِقَوْلِ أوْسٍ: أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعَا.
إِلَّا أَبُو تَمَّامٍ بِقَوْلهِ هَذَا.
وَمِنْ إحْسَانِ البُحْتُرِيِّ فِي ابْتِدَائِهِ قَوْلُهُ:
أَنَاةً أيُّهَا الفَلَكُ المُدَارُأَنَهْبٌ مَا تُقَسِّمَ أمْ جُبَارُ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع