تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَوُقُوْعُ الحَافِرِ عَلَى الحَافِرِ

وَيُسَمَّى المُوَارَدَةَ وَالاشْتِرَاكَ فِي اللَّفظِ وَالمَعْنَى أَوْ كِلَيْهِمَا. قَالَ الأَصمَعِيُّ: قُلْتُ لأَبِي عَمْرِو بنِ العَلَاءِ: أَرَأَيْتَ الشَّاعِرَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي المَعْنَى، وَيَتَوَارَدَانِ فِي اللَّفْظِ، لَمْ يَلْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا سَمِعَ شِعْرَهُ؟ فَقَالَ: تِلْكَ عُقُوْلُ رِجَالٍ تَوَافَتْ عَلَى ألْسِنَتِهَا. وَقَدِ اعْتَدَّ قَوْم ذَلِكَ سَرَقًا، وَلَيْسَ بِسَرَقٍ وَإِنَّمَا هِيَ ألْفَاظٌ مُشْتَرَكَة مَحْصُوْرَةٌ يَضطَرُّ الشَّاعِرُ إِذَا اعْتَمَدَ النَّظْمَ فِي مَعْنَاهَا إِلَى المُوَارَدَةِ فِيْهَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَذَلِكَ لاتِّسَاعِ الكَلَامِ، وَتَقَارُبِ طِبَاعِ الشُّعَرَاءِ بَعْضهَا مِنْ بَعْضٍ في

التَّصَرُّفِ بالعِبَارَةِ عَنِ الأَمُورِ وَالوَقَائِعِ المُتَقارِبَةِ المعَانِي بَعْضُها بَعْضًا فَتَشَابَهَ بِالسَّرقَةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا اجْتِلَابَ، وَلَا اسْتِعَارَةَ، وَلَا أخْذَ، وَإنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ مُشْتَرَكٌ مُتَدَاوَلٌ، وَالأَلْفَاظَ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ. وَلَيْسَ كَمَا قالُوا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ حَدٌّ وَمِقْدَار يُعْرَفُ بِهِ. فَمِنَ المُوَارَدَةِ وَالاشْتِرَاكِ في اللَّفِظْ، ووقُوع الحافِرِ على الحافِرِ، مِمَّا لَيْسَ بِسَرَقٍ قَوْلُ عَنْتَرَةَ العَبْسِيِّ:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍعَلَيْهَا الأُسْدُ تَهْتَصرُ اهْتِصارَا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

فَقَالَ عَمْرُو بن مَعدِ يكَرِبٍ:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍتَحِيَّةُ بَيْنِهِم ضرْبٌ وَجِيْعُ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وخيل قد دلفت لها بخيل»

فَقَالَتْ الخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍفَدَارَتْ بَيْنَ كَبْشَيْهَا رَحَاهَا

وَقَالَ أعْرَابِيٌّ:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍتَرَى فُرَسَانهَا مِثْلَ الأُسوْدِ

فَلَو اجْتَهَدَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ قَصْدِهِمْ الإِخْبَارَ بما أخبَرُوا بِهِ مِنْ هَذَا الوَصْفِ أَنْ يُوردُوهُ بِغَيْرِ هَذِهِ العِبَارَةِ فِي هَذَا العُرُوْضِ، لَمَا اسْتَطَاعُوا؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَضْطَرُّهُمْ، وَاعْتِمَادَ العِبَارَةِ الشَّرِيْفَةِ يَقُوْدُ أعِنَّتَهُم إِلَى ذَلِكَ. فَرُبَّ مَعَانٍ تَخْتَصُّ بِألْفَاظٍ شَرِيْفَةٍ، لَا يُمْكِنُ تَعَدِّيْهَا إِلَى مَا هُوَ أشْرَفُ مِنْهَا فَهَذَا مِنَ الاشْتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ. وَأَمَّا الإشْرَاكُ فِي المَعْنَى مِمَّا يُشْبِهُ المَأْخُوْذُ، وَلَيْسَ بِمَأخُوْذٍ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

إنَّا وَإيَّاهُم وَمَا بَيْنَنَاكَمَوْضِعِ الزَّوْرِ مِنَ الكَاهِلِ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

فَقَالَ الحَارِثُ بنُ حِلْزَةَ:

وَبَيْتُ شُرَاحِيْلَ فِي وَائِلٍمَكَانَ الثُّرَيَّا مِنَ الأنْجُمِ

وَقَالَ سُحَيْم بن وَثيْلٍ:

ألَمْ تَرَ أنَّنِي مِنْ حِمْيَرِيٍّمَكَانَ اللَّيْثِ مِنْ وَسطِ العَرِيْنِ

وَلِمَعْقِلِ بن مُجَمَّعٍ الأسَدِيِّ:

وَلَوْ أنِّي أشَاءُ لَكُنْتُ مِنْهُمْمَكَانَ الفَرْقَدَيْنِ مِنَ النُّجُوْمِ

وَقَالَ الطِّرِمَّاح:

نَزَلْنَا فِي التَّعَزُّزِ مِنْ مَعَدٍّمَكَانَ القِدْرِ مِنْ وَسْطِ الأَثَافِي
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أهاجك بالملا دمن عوافي»

وَقَالَ الفَرَزْدَقُ:

وَنَحْنُ إِذَا عَدَّتْ مَعَدٌّ قَدِيْمهَامَكَانَ النَّوَاصِي مِنْ وُجُوْهِ السَّوَابِقِ

وَقَالَ المُنَخَّلُ السَّعْدِيِّ:

وَإنَّا لَنُعْطِي النِّصْفَ مَنْ لَوْ نَضِيْمُهُأقرَّ وَنَأبَى نَخْوَةُ المُتَظَلِّمِ
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

وَقَالَ الفَرَزْدَقُ:

تَرَى كُلَّ مَظْلُوْمٍ إلَيْنَا فِرَارُهُوَيَهْرُبُ مِنَّا جُهْدَهُ كُلُّ ظَالِمِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وَمِنَ التَّشْبِيْهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَأْخُوْذٍ قَوْلُ نَهْشَلِ بنِ حَرِّيٍّ:

أقُوْلُ وَقَدْ سَافَتْ لَبُوْنِي بِلَادَهَاكَمَا سَافَ أعْجَازَ التِّلَادَ الطَّرَائِفُ

وَقَوْلُ عَلِيّ بن الغَدِيْرِ الغَنَوِيِّ:

أُدَافِعُ عَنْ مَجْدٍ تَلِيْدٍ وِرَاثَةًوَقَدْ تَرْفِدُ المَجْدَ التَّلِيْد الطَّرَائِفُ

فَهَذَا وَأَمْثَالِهِ اتِّسَاعٌ وَاشْترَاكٌ، وَلَيْسَ هُوَ اسْشِرَاقٌ وَلَا اجْتِلَابٌ.

وَمِنَ المُوَارَدَةِ مَا أخْبَرَ بهِ الطَّاهِرِيُّ عَنْ ابن المُعْتَزِّ. قَالَ: سَألنَا أبَا سَعِيْدٍ هُبَيْرَةَ النَّحْوِي الأسَدِيَّ عَنْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ وَهِيَ لامْرِئِ القَيْسِ:

عَينَاكَ دَمعهُمَا سِجَالُكَأَنَّ شَأنَيْهِمَا أوْشَالُ
أَوْ جَدْوَل فِي ظِلَالِ نَخْلٍلِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ مَجَالُ

وَقَوْلِ عَبِيْدٍ:

عَينَاكَ دَمعهمَا سَرُوْبُكَأَنَّ شَأنَيْهِمَا شَعِيْبُ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»
أَوْ جَدْوَلٌ فِي ظِلَالِ نَخْلٍلِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ قَسِيبُ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

وَكُلِّ ذِي إبْلٍ مُودٍ فَتَارِكُهَاوَكُلِّ ذِي سَلَبٍ لَا بُدَّ مَسْلُوْبُ

وَقَوْلِ عَبِيْدٍ:

وَكُلُّ ذِي إبْلٍ مَوْرُوْثهاوَكُلُّ ذِي سلَبٍ مَسْلُوْبُ

فَقَالَ: لَا أجِدُ نَفْسِي سَرِيْعَةً إِلَى التَّصْدِيْقِ بِأنَّ العُقُوْلَ في مِثْلِ هَذَا تَتَوَافَى وَعَبِيْدٌ وَامْرُؤُ القَيْسِ كانا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.

وَأخْبَرَ مُحَمَّدُ بن عِمْرَانَ عَنْ ابن دُرَيْدٍ عَنِ عَمِّهِ عَنِ أبِيْهِ عَنِ ابنِ الكَلْبِيِّ عَنِ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ خُرَاسَانَ. قَالَ: لَمَّا أُصِيْبَتْ عَيْنُ ثَابِتِ قُطْنَةَ العَتَكِيِّ يَوْمَ سَمَرْقَنْدَ، قَالَ بَيْتًا يَهْجُو فيْهِ نَفسَهُ، وَهُوَ:

مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْهُ غَيْرَ قُطْنَتِهِوَمَا سِوَاهَا مِنَ الأَنْسَابِ مَجْهُوْلُ
للشاعر حاجب الفيل، اقرأ القصيدة

ثُمَّ اسْتَوْدع هَذَا البَيْتَ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ، وَقَالَ: عَسَى أَنْ يَرْمِيَني بِهِ شَاعِرٌ، فأكُونَ قَدْ سَبَقْتُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَاوَرَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيْفَةَ يُقَالُ لَهُ: حَاجِبُ الفِيْلِ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ مُهْرًا لَهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَتَشَاغَلَ أهْلُهُ بِهِ عَنْ ثَابِتِ قُطْنَةَ، وَأبْطَأَ عَلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَقَالَ:

أتَارِكُوُنَ عَشَائِي لَا أبَالَكُمُأَنْ خَرَّ عَنْ ظَهْرِ مُهْرٍ حَاجِبُ الفِيْلِ
خَطْب يَسِيْر عَلَيْنَا فَلْقُ حَاجِبِهِوَشَجَّة سَبَرُوْهَا بِالمَلَا مِيْلِ

فَلَمَّا أصْبَحَ حَاجِبُ الفِيْلِ، أَنْشَدُوْهُ هَذَيْنِ البَيْتِيْنِ، فَقَالَ:

مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْة غَيْرَ قُطْنَتِهِوَمَا سِوَاهَا مِنَ الأنْسَابِ مَجْهُوْلُ
للشاعر حاجب الفيل، اقرأ القصيدة

فَقَالَ ثَابِتٌ:

هَيْهَاتَ ذَلِكَ شَيْء قَدْ سُبِقْتَ بِهِفَاطْلُبْ لَهُ ثَانِيًا يا حَاجِبَ الفِيْلِ

وَمِمَّا يَبْعُدُ فِي نَفْسِي صِحَّةُ مِثْلِهِ، وَالاتِّفَاقُ فِيْهِ حَتَّى لَا يَقَعَ فيهِ تَبَاينٌ، وَلَا تَغَايرٌ مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. قَالَ: خَرَجَ جَرِيْرٌ والفَرَزْدَقُ مُرْتَدِفِيْنَ عَلَى نَاقَةٍ إِلَى هِشَامِ بن عَبْدِ المَلِكِ، فَنَزَلَ جَرِيْرٌ يَبُوْلُ، فَجَعَلتِ النَّاقَةُ تَتَلَفَّتُ، فَضَرَبَهَا الفَرَزْدَقُ وَقَالَ:

إِلَامَ تَلَفَّتِيْنَ وَأَنْتِ تَحْتِيوَخَيْرُ النَّاسِ كلُّهم أمَامِي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»
مَتَى تَرِدِي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيْحِيمِنَ التَّهْجِيْرِ وَالدَّبَرِ الدَّوَامِي

ثُمَّ قَالَ الآنَ يَجِيْءُ جَرِيْرٌ، فَأُنْشِدُهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، فَيُرِدُّ عَلَيَّ، وَيَقُوْلُ:

تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍإِلَى الكِيْرَيْنِ وَالفَاسِ الكَهَامِ
مَتَى تَرِدِ الرُّصَافَةَ تَخْزَ فِيْهَاكَخَزْيِكَ فِي المَوَاسِمِ كُلَّ عَامِ

وَقَالَ: فَجَاءَ جَرِيْرٌ وَالفَرَزْدَقُ يَضْحَكُ. فَقَالَ: مَا يُضْحِكُكَ يا أبَا فِرَاسٍ؟ فَأنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فَقَالَ جَرِيْرٌ:

تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍ

وَأَنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ بِعَينهِمَا، كَمَا قَالَ الفَرَزْدَقُ سَوَاءً.

فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قُلْتُ هَذَا أمَا عَلِمْتَ أَنْ شَيْطَانَنَا وَاحِدٌ؟

وَكَذَلِكَ مَا أخْبَرَ بِهِ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ ابنِ الأَعْرَابِيِّ عَنِ المُفَضَّلِ. قَالَ: مَرَّ رَاكِبٌ بِالبَصْرَة، فَرَآهُ الفَرَزْدَقُ، فَقَالَ: مِنْ أيْنَ وَجْهُكَ؟ قَالَ: مِنَ اليَمَامَةِ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ عَهْدٌ بِابْنِ المَرَاغَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ أَحْدَثَ شِعْرًا عَلِقْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَأَنْشَدَهُ:

هَاجَ الهَوَى بِفُؤَادِكَ المُهْتَاجِ

فَقَالَ الفَرَزْدَقُ:

فَانْظُرْ بِتُوْضِحَ بَاكِرَ الأَحْدَاجِ

قال فقال:

هَذَا هَوًى شَعفَ الفُؤَادَ مُبَرِّحٌ

فقال الفرزْدَقَ:

وَنَوى تَقَاذَفُ غَيْرُ ذَاتِ خِلَاجِ

فَقَال:

لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ لِلنَّوَى

فَقَالَ الفَرَزْدَقُ:

كَانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ

فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَقُوْلُ صَدْرًا، وَالفَرَزْدَق عَجُزًا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَالَ القَصِيْدَةَ، وَسَرَقَهَا جَرِيْرٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَال: وَيْحَكَ. دَعْنَا مِنْ هَذَا أَذَكَرَ الحَجَّاجَ فِيْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَالَ: إيَّاهُ أرَادَ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.