تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَالإِغَارَةُ

هِيَ أَنْ يَسْمَعَ الشَّاعِرُ المُفْلِقُ، وَالفَحْلُ المُتَقَدِّمُ الأَبْيَاتِ الرَّائِقَةَ نَدَرَتْ لِشَاعِرٍ آخَرَ فِي عَصْرِهِ، قَدْ بَايَنَتْ مَذَاهِبَهُ فِي أمثَالِهَا مِنْ شِعْرِهِ، وَتَكُوْنَ بِمَذْهَبِ ذَلِكَ الشَّاعِرِ المُغِيْرِ أَلْيَقُ، وَبِكَلَامِهِ أعْلَقُ، فَيُغِيْرَ عَلَيْهَا مُصافَحَةً وَيَنْتَحِلُهَا مُكافحةً، وَيَسْتَنْزِلَ شَاعِرَهَا، عَنْهَا قُوَّةً وَقَهْرًا، وَيَغْتَصِبَهَا بِفَضْلِ القُدْرَةِ عُنْوَةً وَقَسْرًا، فَيُسَلِّمَهَا قَائِلُهَا

اعْتِمَادًا لِسِلْمِهِ، وَنُكُوْلًا عَنْ حَرْبِهِ، وَعَجْزًا عَنْ مُسَاجَلَةِ يَمِّهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ شَاكِلَةُ الفَرَزْدَقِ فِيْمَا اسْتَمَرَّتْ لَهُ الإِغَارَةُ عَلَيْهِ مِنْ شِعْرِ جَمِيلٍ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ غَاوَرَ جَمَاعَةً مِنْ شُعَرَاءِ عَصْرِهِ عَلَى قِطَعٍ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَاسْتَضَافَهَا إِلَى شِعْرِهِ، جَرَتْ فِي أَسَالِيْبِ كَلَامِهِ وَشَاكَهَ مَنْظُوْمُهَا بِارِعَ نِظَامِهِ، فَسَلَّمُوْهَا إِلَيْهِ رَاغِمِيْنَ، وَصَفَحُوا عَنْهَا لأمْرِهِ طَائِعِيْنَ.

أَخْبَرَ عَلِيُّ بن أَبِي غَسَّانَ عَنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلَّامٍ عَنِ أَبِي يَحْيَى الضَّبِّيِ قَالَ: قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَوْمًا لَقَدْ قُك أَبْيَاتًا، إِنَّ لَهَا لَعَرَوْضًا، وَإنَّ لَهَا لَمرَدًّا وَمَعْنًى بِعِيْدًا. فَقَالَ لَهُ الفَرَزْدَقُ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ قُلْتُ:

أَحِيْنَ أَعَاذَتْ بِي تَمِيْمٌ نِسَاءهَاوَجُرِّدْتُ تَجْرِيْدَ اليَمَانِي مِنَ الغِمْدِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»
وَمَدَّتْ بِضَبْعيَّ الرَّبَابُ وَمَالِكٌوَعَمْرٌو وَشَالَتْ مِنْ وَرَائِي بَنُو سَعْدِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
وَمِنْ آلِ يَرْبُوْعٍ زُهَاءٌ كَأَنَّهُدُجَى اللَّيْلِ مَحْمُودُ النِّكَايَةِ وَالوِرْدِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»

فَقَالَ لَهُ الفَرَزْدَقُ: لَا تَعُوْدَنَّ فِيْهَا؛ فَأنَا أحَقُّ بِهَا مِنْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعُوْدُ فِيْهَا أبَدًا، وَلَا أرْوِيْهَا إِلَّا لَكَ، فَهِيَ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا:

وَكُنَّا إِذَا القَيْسِيُّ نَبَّ عَنُوْدُهُضرَبْنَاهُ فَوْقَ الأُنْثَيَيْنِ عَلَى الكَرْدِ

وَزَعَمَ حَمَّادُ بن إسْحَاقَ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أبي سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثنَا بِعضُ أصْحَابِنَا أَنَّ الفَرَزْدَقَ وَقَفَ عَلَى الشَّمَرْدَلِ اليَرْبُوْعِيِّ وَهُوَ يُنْشِدُ:

وَمَا بَيْنَ مَنْ لَمْ يُعْطِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَبَيْنَ تَمْيِمٍ غَيْرُ حَزِّ الحَلَاقِمِ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: لتَتْرُكَنَّهُ، أَوْ لتَتْرُكَنَّ عِرْضَكَ.

فَقَالَ الشَّمَرْدَلُ: خُذْهُ لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيْهِ، فَهُوَ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أوَّلُهَا:

تَحِنُّ بِزَوْرَاءِ المَدِيْنَةِ نَاقَتِيحَنِيْنَ عَجُوْلٍ تَبْتَغِي البَوَّ رَائِمِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعِلَبٍ عَنِ أَبِي نَصْرٍ عن الأَصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ ابن أَبِي الزِّنَادِ. قَالَ: مَرَّ أَعْرَابِيٌّ بِكُثَيِّرٍ وَهُوَ يُنْشِدُ:

أَوَدُّ لَكُمْ خَيْرًا وَتَطَّرِحُوْنَنِيأسَعْدَ بن لَيْثٍ لاخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ

فَنَادَى الأَعْرَابِيُّ: عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا وَاللَّهِ شِعْرِي قُلْتُهُ. فَقَالَ لَهُ كُثَيِّرٌ: إِنْ يَكُنْ لَكَ، فَمَا نَفَعَكَ؟ وَإِنْ يَكُنْ لِي، فَهُوَ أبْعَدُ لَكَ مِنْهُ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.