تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

وَالاجْتِلَابُ، وَالاسْتِلْحَاقُ

قَالَ الحَاتِمِيُّ، وَبَعْضُ العُلَمَاءِ: لَا يَرَاهُمَا عَيْبًا. وَوَجْدْتُ يُوْنُسُ بن حَبِيْبٍ وَغَيْرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ يُسَمِّي البَيْتَ يَأْخُذُهُ الشَّاعِرُ عَلَى سَبيْلِ التَّمْثِيْلِ، فَيُدْخِلُهُ شِعْرَهُ اجْتِلَابًا وَاسْتِلْحَاقًا، وَلَا يَرَى ذَلِكَ عَيْبًا وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلَعَمْرِي إنَّهُ لَا عَيْبَ فِيْمَا هَذِهِ سَبِيْلُهُ. فَإمَّا جَرِيْرٌ فَعَيَّرَ بِهِ الفَرَزْدَقَ فَقَالَ:

سَتَعْلَمُ مَنْ يَكُوْنُ أبُوْهُ قَيْنًاوَمَنْ كَانَتْ قَصائِدُهُ اجْتِلَابَا

وَمَا أَرَاهُ أَرَادَ بِالاجْتِلَابِ هَاهُنَا إِلَّا السَّرَقَ وَالانْتِحَالَ.

وَعَن الأَصْمَعِيّ. قَالَ: رُبَّمَا اجْتَلَبَ الشَّاعِرُ البَيْتَ لَيْسَ لَهُ، وَاجْتَذَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأوْرَدَهُ شِعْرَهُ عَلَى سَبِيْلِ التَّمْثيْلِ بِهِ، لَا عَلَى طَرِيْقِ السَّرَقِ لَهُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ:

وَصَفْرَاءَ لَا تُخْفِي القَذَى وَهِيَ دُوْنَهُتُصَفِّقُ فِي رَاوُوْقِهَا حِيْنَ يُقْطَبُ
تَمَزَّزْتُهَا وَالدِّيْكُ يَدْعُو صِحَابِهُإِذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا

فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: وَاجْتَلَبَ البَيْتَ الأَخِيْرَ:

وَإِجَّانَةٍ رَيَّا الشَّرُوْبِ كَأَنَّهَاإِذَا غُمِسَتْ فِيْهَا الزُّجَاجَةُ كَوْكَبُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإجانة ريا الشروب كأنها»
تَمَزَّزْتُهَا وَالدِّيْكُ يَدْعُو صحَابَهُإِذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا

قَالَ: وَأَحْسِبُهُ تَنَاوَلَ ذَلِكَ مُغِيْرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَاَنَتِ الغَارَةُ عَارِيَةً، وَلَا أَرَاهُ أَوْرَدَهُ إِلَّا اجْتِلَابًا وَاسْتِلْحَاقًا.

وَقَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: مَا أَرَى الاجْتِلَابَ وَالاسْتِلْحَاقَ إِلَّا سَرَقًا.

وَقَدْ يَجْتَلِبُ الشَّاعِرُ البَيْتَ وَالبَيْتَيْنِ، وَالمَعْنَى وَالمَعْنَيَيْنِ مِنْ شِعْرِ شَاعِرٍ آخَرَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّاعِرُ مُخَاطِبًا لَهُ، وَكَانَ هُوَ مُجِيْبًا عَنْ مُخَاطَبَتِهِ، كَالَّذِي يُلْفَى فِي شِعْرِ جَرِيْرٍ وَالفَرَزْدَقُ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ سَرَقًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ يُخَاطِبُ جَرِيْرًا:

وَتَرَكْتَ أُمَّكَ يا جَرِيْرُ كَأَنَّهَالِلنَّاسِ بِارِكَةٌ طِرِيْقٌ مُعْمَلُ

فَاجْتَلَبَ هَذَا المَعْنَى جَرْيِرٌ رَادًّا عَلَيْهِ فَقَالَ:

بَاتَ الفَرَزْدَقُ يَسْتَجِيْرُ بِجِعْثنٍوَعِجَازُ جِعْثنَ كَالطَّرِيْقِ المُعْمَلِ

وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ جَرِيْرٌ إِعَادَةَ هَذَا المَعْنَى عَلَى طَرِيْقِ السَّرَقِ، وَلَوْ رَآهَ عَيْبًا لَمَا انْتَظَمَ عَلَيْهِ قَصِيْدَةً يُهَاجِي وَيُفَاخِرُ بِهَا شَاعِرًا كَالفَرَزْدَقِ. وَقَالَ الفَرَزْدَقُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ:

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنَابَيْتًا دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأَطْوَلُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فَقَالَ جَرِيْرٌ رَادًّا عَلَيْهِ:

إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لنَاعِزًّا عَلَاكَ فَمَا لَهُ مِنْ مَنْقَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُ الرَّجُلِ للآخَرِ: أَنَا أعْلَى مِنْكَ بَيْتًا، وَأَسْنَى ذِكْرًا، فَيَقُوْلُ الآخَرُ:

بَلْ أَنَا أعْلَى مِنْكَ بَيْتًا، وَأَسْنَى ذِكْرًا. وَلَوْ رَأَى جَرِيْرٌ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَسَالِيْبِ الشِّعْرِ وَأَفَانِيْنِ الفَخَارِ أَنَّهُ عَيْبٌ وَسَرَقٌ؛ لتَنَكَّبَهُ وَلَا سِيَّمَا وَالفَرَزْدَقُ يَقُوْلُ لَهُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ:

إِنَّ اسْتِرَاقَكَ يا جَرِيْرُ قَصائِدِيمِثْلُ ادِّعَاءِ سِوَى أَبِيْكَ تَنَقَّلُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن استراقك يا جرير قصائدي»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.