من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)
وَالانْتِحَالُ
قَالَ الحَاتِمِيُّ أَيْضًا: قَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ بِالشِّعْرِ، وَرُوَاةُ العَرَبِيَّةِ عَلَى أَنْ امْرَأَ القَيْسِ أَوَّلُ مَنْ بَكَى الدِّيَارَ، وَأَبَّنَ الآثَارَ. وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شِعْرَهُ، اسْتَدْلَلْتَ بِبَعْضِهِ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الإِجْمَاعِ، ألَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ:
عُوْجَا عَلَى الطِّلَلِ المحِيْلِ لعَلَّنَانَبْكِي الدِّيَارَ كَمَا بَكَى ابْنُ حُمَامِ
قَالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَإِذَا سُئِلَ عُلَمَاءُ كَلْبٍ عما وَصَفَ بِهِ ابْنُ حُمَامٍ الدِّيَارَ، وَأَنْشَدُوا
أَبْيَاتًا مِنْ قِفَا نَبْكِ، وَذَكَرُوا أَنَّ امْرَئِ القَيْسِ انتحَلَهَا، فَسَارَتْ لَهُ، وَخَمُلَ ابْنُ حُمَامٍ.
وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ امْرَئ القَيْسِ بنَ حُمَامِ الكَلْبِيَّ كَانَ يَصْحَبُ امْرَئ القَيْسِ بن حُجْرٍ الكِنْدِيَّ، وَأَنَّهُ أوَّلُ مَنْ وَصفَ الدِّيَارَ وَهُوَ القَائِلُ:
لآلِ هِنْدٍ بِجَنْبَيْ نَفْنَفٍ دَارُلَمْ تَمْحُ جِدَّتَهَا رِيْحٌ وَأَمْطَارُ
إمَّا تَرَيْنِي بِجَنْبِ البَيْتِ مَضطجِعًالَا يَطَّبِيْنِي لَدَى الحَيَّيْنِ إِبْكَارُ
فَرُبَّ نَهْبٍ تُصمُّ القَوْمَ رَجَّتُهُأَفَأْتُهُ إِنَّ بَعْضَ القَوْمِ عُوَّارُ
وَكَانَ خِرَاشُ بن إسْمَاعِيْلٍ العِجْلِيُّ يَقُؤلُ: إِنَّ أَوَّلِيَّةَ بكْرِ بنِ وَائِلٍ كَانُوا يَحْلِفُوْنَ أَنَّ عَامَّةَ شِعْرِ امْرِيءِ القَيْسِ لِعَمْرُو بن قَمِيْئَةَ الرَّبْعِيِّ، وَأنَّهُ كَانَ يَصحَبُ امْرَأَ القَيْسِ، فَغَلَبَ عَلَى شِعْرِهِ. وَإِيَّاهُ أرَادَ أمْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ:
بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُوْنَهُوَأَيْقَنَ أنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصرَا
وَاسْتَنْشَدَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ الفَرَزْدَقَ يَوْمًا، فَأَنْشَدَهُ:
كَمْ دُوْنَ مَيَّةَ مِنْ مُسْتَعْمِلٍ قَذَفٍوَمِنْ فَلَاةٍ بِهَا تُسْتَوْدَعُ العِيْسُ
فَقَالَ: يا سُبْحَانَ اللَّهِ أنْتَ قُلْتَ هَذَا؟ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: اكْتُمْهَا عَلَيَّ، فَوَاللَّهِ لَضَوَالُّ الشِّعْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ضوَالِّ الإِبلِ.
وَحَكَى ابْنُ سَلامٍ قَالَ: كَانَ أوَّلُ مَنْ جَمَعَ أشَعَارَ العَرَبِ، وَسَاقَ الأَحَادِيْثَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ. وَكَانَ غَيْرَ مَوْثُوْقٍ بِهِ، وَكَانَ يَنْحِلُ شِعْرُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ، وَيُنْحِلُهُ غَيْرَ شِعْرِهِ، وَيَزِيْدُ فِي الأَشْعَارِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ يُوْنسُ النَّحْوِيَّ يَقُوْلُ: العَجَبُ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَنْ حَمَّادٍ وَكَانَ يَكْذِبُ، وَيَلْحَنُ، وَيَكَسْرُ. قَالَ: وَلَمَّا رَاجَعَتِ العَرَبُ رِوَايَةَ أَشْعَارِهَا، وَذِكْرَ أَيَّامِهَا، وَمَآثِرِهَا، اسْتَقْبَلَ بَعْضُ العَشَائِرِ شِعْرَ شُعَرَائِهِمْ، وَمَا ذَهَبَ
مِنْ ذِكْرِ وَقَائِعِهِمْ وَأَيَّامِهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يُلْحَقُوا بِمَنْ لَهُ الوَقَائِعُ وَالأَشْعَارُ، فَقَالُوا عَلَى أَلْسِنَةِ شُعَرَائِهِمْ، ثُمَّ تَكَاثَرَتِ الرُّوَاةُ بَعْدُ، فَزَادَتْ فِي الأشْعَارُ الَّتِي قِيْلَتْ، وَلَيْسَ يُشْكِلُ عَلَى أهْلِ العِلْمِ زِيَادَةُ الرُّوَاةِ، وَلَا مَا وَضَعُوا، وَلَا مَا وَضَعَ المُوَلَّدُوْنَ. وَإِنَّمَا عَضَّلَ بِهِمْ أَنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ مِنَ البادِيَةِ مِنْ وُلْدِ شَاعِرٍ، أَوْ الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِهِ لِسَانُهُ كَلِسَانِ الشَّاعِرِ وَمَنْشَؤُهُ كَمَنَشئهِ عَلَى لِسَانِ الشاعِرِ، فَيُشْكِلُ حِيْنَئِذٍ بَعْضَ الإِشْكَالِ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع