تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

خاتمة المقدمة

قَالَ العَبْدُ الضَّعِيْفُ الفَقِيرُ إِلَى رَحْمَة اللَّهِ تَعَالَى وَرضْوَانِهِ، المُسْتَغْفِرُ الَّلائِذُ المُسْتَجِيْرُ المُلْتَجِئ إِلَى عَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ، مُحَمَّدُ بن أيْدَمِرَ، كَاتِبُ هَذَا الكِتَابِ وَمُؤَلِّفُهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِيْنَ، وَعَفَا عَنْهُمْ:

لَمْ أَجْهَلْ قَوْلُ القَائِلِ: لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي أَمَانٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَسَلَامَةٍ فِي عِرْضِهِ حَتَّى يَقُوْلَ شِعْرًا، أَوْ يُؤَلِّفَ كِتَابًا، فَحِيْنَئِذٍ عَنْدَ الإِمتحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أَوْ يُهَانُ.

وَمَا عَدَوْتُ أَنْ أَلَّفْتُ، فَاسْتَهْدَفْتُ. وَهَا أَنَا أَعْتَذِرُ إِلَى المُطَّلٍ فِيْمَا جَمَعْتُهُ، وَالوَاقِفِ عَلَى مَا اسْتَحْسَنْتُهُ فَسَطَّرْتُهُ مِنْ خَلَلٍ فِيْهِ إِنْ وَجَدَهُ، أَوْ زَلَلٍ لَمْ أَقْصِدْ تَعَمُّدَهُ.

وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلَافَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيْهِ وَعَلَا

وَلَعَمْرِي إِنَّ المُؤَلِّفَ لَا يَأتِي إِلَّا بِمَا قَالَهُ الأوَّلُ، وَعَلَيْهِ فِيْمَا سَنَّ لَهُ المُعَوِّلُ. وَمِمَّا لَا رَيْبَ فِيْهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الفُضَلَاءِ، وَأعْيَانِ الكُتَّابِ وَالأُدَبَاءِ، سَبَقُوا إِلَى تَرْصِيع مَا وَضَعُوْهُ، وَتَزْيِيْنِ مَا أَلَّفُوْهُ، وَجَمَعُوْهُ بِلُمَعٍ مِنْ جَوَاهِرِ الأَبْيَاتِ الأَفْرَادِ المُتَدَاوَيَةِ فِي التَّمَثُّلِ وَالاسْتِشْهَادِ. إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا رَأُوا مَرَامَهَا بَعِيْدًا، وَتَحْصِيلَهَا صَعْبًا شَدِيْدًا، أَحْجَمُوا عَنِ الإِيْغَالِ فِي الإِكْثَارِ مِنْ إِثْبَاتِ أَبْيَاتِهَا، وَقَصَّرَتْ عَزَائِمُهُمْ عَنِ

الانْتِهَاءِ إِلَى غَايَاتِهَا؛ لأَنَّهَا قَلِيْلَةٌ جِدًّا، مَعْدُوْمَةٌ مَعْدُوْدَةٌ عَدًّا، فَلَا تَكَادُ تُصَادُ إِلَّا فِي النَّادِرِ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّجَالِ، وَآحَادِ الأمْثَالِ. فَأَمَّا أَنَا، فَإنَّنِي أَنْفَقْتُ فِي ابْتِغَائِهَا بِضْعَةً مِنَ أَيَّامِ العُمْرِ، وَأَنْفَذْتُ فِي إِحْصائِهَا، وَمِنْ جَرَّاهَا مُعْظَمَ الصَّبْرِ، وَرَجَوْتُ بِذَلِكَ جَزِيْلَ الأَجْرِ، وَجَمِيْلَ الذِّكْرِ، وَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ، وَأَلَّفْتُ هَذَا الكِتَابِ، وَوَسَمْتُهُ بِكِتَابِ (الدُّرِّ الفَرِيْدِ وَبَيْتِ القَصِيْدِ)، وَأَرْسَلْتُ فِيْهِ عِشْرِيْنَ ألْفَ بَيْتٍ فَرْدٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ شَرُوْدٍ فَذٍّ، مُحْكَمٍ مُحَرَّرٍ، مَضْبُوْطٍ مُنَقَّحٍ، مُحَكَّكٍ مُحْتَوٍ عَلَى الشُّرُوْطِ، فَصِيْحِ اللَّفْظِ، صحِيْحِ المَعْنَى، وَاقِعٍ التَّشْبِيْهِ، جَيِّدِ الكِنَايَةِ مُسْتَوْلٍ عَلَى أسَالِيْبِ الحُسْنِ وَالجَّمَالِ، مُشْتَمِلٍ عَلَى أَوْصَافِ التَّمَامِ وَالكَمَالِ، مُنْتَخَبٍ مُعَدٍّ لِمُبْتَغِيْهِ، قَابِلٍ لِكُلِّ مَعْنًى يُصاغُ فِيْهِ، وَقَفَيْتُهُ عَلَى حُرُوْفِ المِعْجَمِ اقْتِدَاءً بِمَنْ سَبَقَ مِنَ المُؤَلِّفِيْنَ، وَتَقَدَّمَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالأحَادِيْثِ، وَالطِّبِّ وَالتَّوَارِيْخِ. وَهُوَ أَنْ نُرَاعِي حُرُوْفَ أَوَّلِ الكَلِمَةِ مِنَ البَيْتِ المُفْرَدِ، فَنُورِدَهُ فِي بَابِهِ عَلَى تَرْتِيْبِ حُرُوْفِ اب ت ث فِي أَوَائِلِهَا؛ لِيَسْهُلَ طَرِيْقُ الطَّلَبِ عَلَى مُتَنَاوِلِهَا، ثُمَّ نُرُاعِي مَا يَتَرَتَّبُ مِنْ حُرُوْفِ البَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ حَرْفًا حَرْفًا، فَنُقَدِّمَ مَا هُوَ مُقَدَّمٌ مَا أَمْكَنَ حَذَرًا مِنَ التَّكْرَارِ؛ وَلِيُؤْمَنَ حَتَّى نَأْتِي عَلَى الأَبْوَابِ الثَّمَانِيَةِ وَالعِشْرِيْنَ عَلَى هَذَا النَّسَقِ المُبيْنِ؛ لأنَّ البَيْتَ قَلَّمَا يَقَعُ إلَيْنَا أبَدًا إِلَّا عَازِبًا، شَرُوْدًا مُفْرَدًا. وَلَا بُدَّ فِي إثْبَاتِهِ مِنْ ضَابِطٍ يَمْنَعُ مِنَ التَّكْرِيْرِ، فَرَتَّبْنَاهُ عَلَى هَذَا النِّظَام وَالتَّقْريْر، سوَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفِ هُنَّ مِنْ بَابِ الأَلِفِ.

أحَدُهَا مَا أَوَّلُهُ: الحَمْدُ للَّهِ؛ فَإنَّا بَدَأْنَا بِهِ فِي صدُوْرِ الأَبْيَاتِ، وَنَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الأَفْرَادِ السَّائِرَاتِ. وَذَلِكَ لِمَا وَقَعَ الاجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنْ تَقْديْم الحَمْدِ فِي النُّطْقِ، وَكَمَا نُدِبَ إِلَيْهِ.

وَثَانِيْهُمَا ما أَوَّلُهُ: اللَّهُ ﷻ؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تِلْوَهُ، إِذْ كَانَ الحَمْدُ وَالشُّكْرُ كُلُّهُ لَهُ.

وَثَالِثُهَا مَا أَوَّلُهُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؛ فَإِنَّا سَنُوْرِدُهُ فِي آخِرِ الأَبْوَابِ، وَسَنَأْتِي بِهِ خَاتِمًا لأَبْيَاتِ هَذَا الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الحُرُوْفِ المُسْتَثْنَاةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَحِدَتِهِ يَجْرِي مَجْرَى غَيْرِهِ فِي تَزْييْبِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْ أَوَّلِ الكَلِمَةِ مِنَ البَيْتِ فِي مَرْتَبَتِهِ، وما عَدَاهُ، فَهُوَ عَلَى مَا أَوْضَحَنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَشَرَحْنَاهُ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ أَبْوَابًا مَفْتُوْحَةً، وَفُصُوْلًا مَشْرُوْحَةً، وَأَعْلَامًا مَنْصُوْبَةً لَائِحَةً، وَسُبُلًا مَسْلوْكَةً وَاضِحَةً لَعَلَّ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ فِيْمَا بَعْدُ مِنْ فَضَلَاءِ النُّقَادِ إِذَا ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَفْرَادُ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيْهِ، يُثْبتُهَا فِي أَبْوَابِهَا، كَمَا يَرْتَضِيْهِ، لأَنَّنِي لَا أَدَّعِي الإحَاطَةَ بِهَا كُلِّهَا وَالاحْتِوَاءَ عَلَىَ كُثْرِهَا وَقُلِّهَا؛ فَإنَّ أَنْفَاسَ النَّاسِ لَا يَأتِي عَلَيْهَا الحَصرُ، وَلَا يَنْفَدُ أَوْ يَنْفَدُ العَصْرُ. كِيْفَ وَالمَادَّةُ يَسِيْرَةٌ، وَالمَوَانِعُ كَثيْرَةٌ، وَالحَوَادِثُ قَارِعَةٌ، وَالأَوْقَاتُ مُنَازِعَةٌ، وَالعُمُرُ أقْصَرُ مِنْ إِنْفَادِهِ فِي تَتَبُّعِ ذَلِكَ وَارتيَادِهِ، فَإنْ أَصبْتُ، فَلِي مِنَ الإِحْمَادِ نَصِيْبٌ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ، فَكُلّ مُجْتَهِدٍ مُصِيْبٌ. وَإلَى اللَّهِ الكَرِيْمِ أَرْغَبُ وَأَتَوَسَّلُ، وَبِهِ أَسْتَعِيْنُ وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ، وَإيَّاهُ ﷾ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَرَاضِيْهِ، وَيُحَقِّقُ رَجَاءنَا الَّذِي نَحْنُ آخِذُوْن فِيْهِ، وَأنَّ لَا يُؤَاخِذَنَا بمَا نشغَلُ بِهِ الفِكْرَةَ، وَنَصرِفُ إِلَيْهِ الهِمَّةَ، مِمَّا غَيْرُهُ أَزْلَفُ لَدَيْهِ، وَأَزْكَى عَنْدهُ، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَأنْ يَهْدِيْنَا لصَّوَابِ القَوْلِ وَالفِعَالِ، وَأَنْ يَتَوَلَّانَا فِي جَمِيعْ الأَحْوَالِ، إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، وَبالإِجَابَةِ جَدِيْرٌ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيْلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ.

الدر الفريد وبيت القصيد

تأليف

محمد بن أيدمر المستعصمي

تحقيق

الدكتور كامل سلمان الجبوري

تقديم

أ. د نوري حمودي القيسي

[المجلد الثاني]

القسم الثاني من الجزء الأول

حرف الألف

﷽

الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد

الْكتاب: الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد

التصنيف: موسوعة شعرية

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.