تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الممالك» للإصطخري (ت ٣٤٦هـ)

بحر الخزر

وامّا بحر الخزر فانّ شرقيّه بعض الديلم وطبرستان وجرجان وبعض المفازة الّتى بين جرجان وخوارزم وغربيّه ارّان وحدود السرير وبلاد الخزر وبعض مفازة

الغزّيّة وشماليّه مفازة الغزّيّة بناحية سياكوه وجنوبيّه الجيل والديلم وهذا البحر ليس له اتّصال بشىء من البحار على وجه الارض فلو انّ رجلا طاف بهذا البحر لرجع الى مكانه الّذى ابتدأ منه لا يمنعه مانع الّا نهر عذب يقع فيه وهو بحر مالح ولا مدّ له ولا جزر وهو بحر مظلم قعره طين بخلاف بحر القلزم وسائر بحر فارس فانّ فى بعض المواضع من بحر فارس ربّما يرى عمقه لصفآء ما تحته من الحجارة البيض ولا يرتفع من هذا البحر شىء من الجواهر من لؤلؤ او مرجان او غيره ممّا يرتفع من البحار ولا ينتفع بشىء ممّا يخرج منه سوى السموك ويركب فيه التجّار من اراضى المسلمين الى ارض الخزر وما بين الران والجيل وطبرستان وجرجان، وليس فى هذا البحر جزيرة مسكونة فيها عمارة كما ذكرنا فى بحرى فارس والروم الّا انّ فيها جزائر فيها غياض ومياه واشجار وليس بها انيس ومنها جزيرة سياكوه وهى جزيرة كبيرة بها عيون واشجار وغياض وبها دوابّ وحش، ومنها جزيرة بحذاء الكرّ وهى كبيرة بها غياض واشجار ومياه ويرتفع منها الفوّة ويخرج اليها من نواحى برذعة فيحملون منها الفوّة ويحملون فى السفن اليها دوابّ من نواحى برذعة وسائر المواضع فتسرح فيها حتّى تسمن

وليس من آبسكون الى الخزر عن اليمين على شطّ البحر قرية ولا مدينة سوى موضع من آبسكون على نحو خمسين فرسخا يسمّى دهستان وهى دخلة فى البحر تستتر فيها السفن فى هيجان البحر ويقصد هذا الموضع خلق كثير من النواحى ويقيمون بها للصيد وبها مياه، ولا اعلم غير هذا المكان مكانا يقيم به احد الّا ان يكون سياه كوه فانّه تقيم به طائفة من الاتراك وهم قريبو العهد بالمقام به لاختلاف وقع بين الغزّيّة وبينهم فانقطعوا عنهم واتّخذوه مأوى ومرعى ولهم عيون ومراع هذا ما عن يمين هذا البحر من آبسكون ومن آبسكون عن يسارها الى الخزر فى عمارة متّصلة الّا شيأ بين باب الابواب والخزر وذلك انك اذا اخذت من آبسكون مضيت على حدود جرجان وطبرستان والديلم والجيل ثمّ تدخل فى حدود الران واذا جزت موقان الى باب الابواب على يومين فهو بلد شروان شاه ثمّ تتجاوزه الى سمندر اربعة ايّام ومن سمندر الى اثل سبعة ايّام مفاوز ولهذا البحر بناحية سياكوه زنقة يخاف على السفن الداخلة بها الريح ان تنكسر واذا انكسرت السفن هناك لم يتهيّأ جمع شىء منها من الاتراك فانّهم يستولون على ذلك

وامّا الخزر فانّه اسم الاقليم وقصبته تسمّى اثل واثل اسم النهر الّذى يجرى اليه من الرّوس وبلغار واثل قطعتان قطعة على غربىّ هذا النهر المسمّى اثل وهى اكبرهما وقطعة على شرقيّه والملك يسكن فى الغربىّ منهما ويسمّى الملك بلسانهم بك ويسمّى ايضا باك وهذه القطعة مقدارها فى الطول نحو فرسخ ويحيط بها سور الّا انّه مفترش البناء وابنيتهم خركاهات لبود الّا شيأ يسيرا بنى من طين ولهم اسواق وحمّامات وفيها خلق من المسلمين يقال انّهم يزيدون على عشرة آلاف مسلم ولهم نحو ثلاثين مسجدا وقصر الملك بعيد من شطّ النهر وقصره من آجرّ وليس لاحد بناء من آجرّ غيره ولا يسوّغ الملك لاحد ان يبنى بالآجرّ، ولهذا السور ابواب اربعة منها الى ما يلى النهر ومنها الى ما يلى الصحراء على ظهر هذه المدينة، وملكهم يهودىّ يقال انّ له من الحاشية نحو اربعة آلاف رجل والخزر مسلمون ونصارى ويهود وفيهم عبدة اوثان واقلّ الفرق اليهود واكثرهم المسلمون والنصارى الّا انّ الملك وخاصّته يهود والغالب على اخلاقهم اخلاق اهل الاوثان يسجد بعضهم لبعض عند التعظيم واحكام خصّوا بها على رسوم قديمة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وللملك من

الجيش اثنا عشر الف رجل واذا مات منهم رجل أقيم آخر مكانه وليست لهم جراية دارّة الّا شىء نزر يسير يصل اليهم فى المدّة الطويلة اذا كان لهم حرب او حزبهم امر يجتمعون له، وابواب مال هذا الملك من الارصاد وعشور التجارات على رسوم لهم من كلّ طريق وبحر ونهر ولهم وظائف على اهل المحالّ والنواحى من كلّ صنف ممّا يحتاج اليه من طعام وشراب وغير ذلك، وللملك سبعة من الحكّام من اليهود والنصارى والمسلمين واهل الاوثان اذا عرض للناس حكومة قضى فيها هؤلاء ولا يصل اهل الحوائج الى الملك نفسه وانّما يصل الى هؤلاء الحكّام وبين هؤلاء الحكّام يوم القضاء وبين الملك سفير يراسلونه فيما يجرى من الامر وينتهون اليه فيرد عليهم امره ويمضونه، وليس لهذه المدينة قرى الّا انّ مزارعهم مفترشة يخرجون فى الصيف فى الزروع نحو عشرين فرسخا ليزرعوا ويجمعوا بعضه على النهر وبعضه على الصحارى فينقلون غلّاتهم بالعجل وفى النهر والغالب على قوتهم الارزّ والسمك وهذا الّذى يحمل منهم من العسل والشمع انّما يحمل اليهم من ناحية الروس وبلغار وكذلك هذه الجلود الخزّ الّتى تحمل الى الآفاق لا تكون الّا فى تلك الانهار الّتى بناحية بلغار والروس وكويابة ولا تكون فى شىء من الاقاليم فيما علمته، والنصف الشرقىّ من الخزر فيه

معظم التجّار والمسلمين والمتاجر والغربىّ خالصة للملك وجنده والخزر الخلّص، ولسان الخزر غير لسان الترك والفارسيّة ولا يشاركه لسان فريق من الامم وامّا نهر اثل فانّه فيما بلغنى يخرج من قرب خرخيز فيجرى فيما بين الكيماكيّة والغزّيّة وهو الحدّ بين الكيماكيّة والغزّيّة ثمّ يذهب غربا على ظهر بلغار ويعود راجعا الى ما يلى المشرق حتّى يجوز على الرّوس ثمّ يمرّ على بلغار ثمّ على برطاس حتّى يقع فى بحر الخرر ويقال انّه يتشعّب من هذا النهر نيف وسبعون نهرا ويبقى عمود النهر يجرى على الخزر حتّى يقع فى البحر ويقال انّ هذه المياه اذا كانت مجموعة فى نهر واحد اعلاه يزيد على جيحون وبلغ من كثرة هذه المياه وغزارتها انّها تنتهى الى البحر فتجرى فى البحر داخلا مسيرة يومين وتغلب على ماء البحر حتّى يجمد فى الشتاء لعذوبته وحلاوته ويبين فى البحر لونه من لون ماء البحر وللخزر مدينة تسمّى سمندر فيما بينها وبين باب الابواب لها بساتين كثيرة ويقال انّها تشتمل على نحو من اربعة آلاف كرم الى حدّ السرير والغالب على ثمارها الاعناب وفيها خلق من المسلمين ولهم بها مساجد وابنيتهم من خشب قد نسجت وسطوحهم مسنّمة وملكهم من

اليهود قرابة ملك الخزر وبينهم وبين حدّ السرير فرسخان وبينهم وبين صاحب السرير هدنة والسّرير هم نصارى ويقال انّ هذا السرير هو لبعض ملوك الفرس من ذهب فلمّا زال ملكهم حمل الى السرير وحمله بعض ملوك الفرس بلغنى انّه من اولاد بهرام جوبين والملك الى يومنا هذا فيهم ويقال انّ هذا السرير عمل لبعض الاكاسرة فى سنين كثيرة وبين السرير وبين المسلمين هدنة، ولا اعلم فى عمل الخزر مجمع ناس سوى سمندر وبرطاس هم أمّة متاخمون للخزر ليس بينهم وبين الخزر امّة اخرى وهم قوم مفترشون على وادى اثل وبرطاس اسم الناحية وكذلك الروس والخزر والسرير اسم للمملكة لا للمدينة ولا للناس والخزر لا يشبهون الاتراك وهم سود الشعر وهم صنفان صنف يسمّون قراخزر وهم سمر يضربون لشدّة السمرة الى السواد كانّهم صنف من الهند وصنف بيض ظاهر والحسن والجمال والّذى يقع من رقيق الخزر هم اهل الاوثان الّذين يستجيزون بيع اولادهم واسترقاق بعضهم بعضا فامّا اليهود منهم والنصارى فانّها تدين بتحريم استرقاق بعضهم بعضا مثل المسلمين، وبلد الخزر لا يرتفع شىء منه يحمل الى الآفاق غير الغرى وامّا الزيبق والعسل

والشمع والخزّ والاوبار فمجلوب اليها، ولباس الخزر وما حواليها القراطق والاقبية وليس يكون عندهم شىء من الملبوس وانّما يحمل اليهم من نواحى جرجان وطبرستان وارمينية واذربيجان والروم، وامّا سياستهم وامر المملكة بهم فانّ عظيمهم يسمّى خاقان خزر وهو اجلّ من ملك الخزر الّا انّ ملك الخزر هو الّذى يقيمه واذا ارادوا ان يقيموا هذا الخاقان جآءوا به فيخنقونه بحريرة حتّى اذا قارب ان ينقطع نفسه قالوا له كم تشتهى مدّة الملك فيقول كذا وكذا سنة فان مات دونها والّا قتل اذا بلغ تلك السنة ولا تصلح الخاقانيّة عندهم الّا فى اهل بيت معروفين وليس له من الامر والنهى شىء الّا انّه يعظّم ويسجد له اذا دخل اليه ولا يصل اليه احد الّا نفر يسير مثل الملك ومن فى طبقته ولا يدخل عليه الملك الّا لحادثة فاذا دخل عليه تمرّغ فى التراب وسجد وقام من بعد حتّى ياذن له بالتقرّب واذا حزبهم حزب عظيم أخرج فيه خاقان فلا يراه احد من الاتراك ومن يصاقبهم من اصناف الكفر الّا انصرف ولم يقاتله تعظيما له واذا مات ودفن لم يمرّ بقبره احد الّا ترجّل وسجد ولا يركب ما لم يغب عن قبره، ويبلغ من طاعتهم لملكهم انّ احدهم ربّما يجب عليه القتل ويكون من كبرآئهم فلا يحبّ الملك ان يقتله ظاهرا فيامره ان يقتل نفسه فينصرف الى منزله ويقتل نفسه، والخاقانيّة فى قوم معروفين ليس لهم مملكة ويسار فاذا انتهت الرياسة الى احدهم عقدوا له ولم ينظروا الى ما عليه حاله ولقد اخبرنى من أثق به انّه رأى فى بعض اسواقهم شابّا يبيع الخبز كانوا يقولون انّ خاقانهم اذا مات فليس احد احقّ منه بالخاقانيّة الّا انّه كان مسلما ولا تعقد الخاقانيّة الّا لمن يدين باليهوديّة والسرير والقبّة الذهب الّتى لهم لا

تضرب الّا لخاقان ومضاربه اذا برّزوا فوق مضارب الملك ومسكنه فى البلد ارفع من منزل مسكن الملك وبرطاس اسم للناحية وهم اصحاب بيوت خشب وهم مفترشون وبسجرت هم صنفان صنف فى آخر الغزّيّة على ظهر بلغار ويقال انّ مبلغهم نحو الفى رجل ممتنعون فى مشاجر لا يقدر عليهم وهم فى طاعة بلغار وبسجرت آخر هم متاخمون لبجناك وهم وبجناك اتراك وهم متاخمون للروم، ولسان بلغار مثل لسان الخزر ولبرطاس لسان آخر وكذلك لسان الروس غير لسان الخزر وبرطاس وبلغار اسم المدينة وهم مسلمون وفيها مسجد جامع وبقرب مدينة اخرى تسمّى سوار فيها ايضا مسجد جامع واخبرنى من كان يخطب بها انّ مقدار عدد الناس بهاتين المدينتين نحو عشرة آلاف رجل ولهم ابنية خشب يأوونها فى الشتاء وفى الصيف يفترشون فى الخركاهات واخبرنى الخاطب بها انّ الليل عندهم لا يتهيّأ ان يسير فيه الانسان اكثر من فرسخ فى الصيف وفى الشتاء يقصر النهار ويطول الليل حتّى يكون نهار الشتاء مثل ليالى الصيف والرّوس هم ثلاثة اصناف فصنف هم اقرب الى بلغار وملكهم يقيم بمدينة

تسمّى كويابة وهى اكبر من بلغار وصنف ابعد منهم يسمّون الصّلاوية وصنف يسمّون الأرثانية وملكهم مقيم بأرثا والناس يبلغون فى التجارة الى كويابة فامّا ارثا فانّه لا يذكر انّ احدا دخلها من الغرباء لانّهم يقتلون كلّ من وطئ ارضهم من الغرباء وانّما ينحدرون فى الماء يتجرون فلا يخبرون بشىء من امورهم ومتاجرهم ولا يتركون احدا يصحبهم ولا يدخل بلادهم، ويحمل من ارثا السمّور الاسود والرضاض، والروس قوم يحرقون انفسهم اذا ماتوا وتحرق مع مياسيرهم الجوارى بطيبة من انفسهنّ وبعضهم يحلق اللحى وبعضهم يفتله مثل الذوائب ولباسهم القراطق القصار ولباس الخزر وبلغار وبجناك القراطق التامّة وهؤلاء الروس يتجرون الى الخزر ويتجرون الى الروم وبلغار الاعظم وهم متاخمون للروم فى شماليّها وهم عدد كثير يبلغ من قوّتهم انّهم ضربوا خراجا على ما يلى بلادهم من الروم وبلغار الداخل هم نصارى المسافات بين بلاد بحر الخزر ونواحيها من آبسكون الى بلاد الخزر عن اليمين نحو فرسخ ومن آبسكون عن يسار السائر الى الخزر نحو فرسخ ومن آبسكون الى دهستان مراحل ويقطع هذا البحر اذا

طابت الريح عرضا من طبرستان الى باب الابواب فى اسبوع وامّا من آبسكون الى بلاد الخزر فانّه زائد على العرض لانّه مزوّى، ومن اثل الى سمندر ايّام ومن سمندر الى باب الابواب ايّام وبين مملكة السرير وباب الابواب ايّام ومن اثل الى اوّل حدّ برطاس مسيرة يوما ومن اوّل برطاس الى آخره نحو يوما ومن برطاس الى بجناك نحو مراحل ومن اثل الى بجناك مسيرة شهر ومن اثل الى بلغار على طريق المفازة نحو شهر وفى الماء نحو شهرين فى الصعود وفى الحدور نحو يوما ومن بلغار الى اوّل حدّ الروم نحو مراحل ومن بلغار الى كويابة نحو مرحلة ومن بجناك الى بسجرت الداخل ايّام ومن بسجرت الداخل الى بلغار مرحلة

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.