تجاوز إلى المحتوى

من «تحقيق ما للهند من مقولة» لأبي الريحان البيروني (ت ٤٤٠هـ)

ف- في ذكر اصولهم المدخليّة في احكام النجوم والإشارة الى اصولهم فيها

انّ اصحابنا في هذه الديار لم يعهدوا طرق الهند في احكام النجوم بل لم يقفوا قطّ على كتاب لهم فيها، فلذلك يظنّون بهم الموافقة ويحكون عنهم حكايات ما وجدنا عندهم منها شيئا، وكما اشرنا فيما تقدّم الى نبذ من كل شيء كذلك نشير في هذا الباب الى ما يكون معرّفا ومسهلا مذاكرتهم، فإنا متى قصدنا من ذلك الكفاية طال الأمر مع قصدنا الجمل دون الفروع، فليعلم اوّلا انّ معوّلهم في اكثر الأحكام على ما يشبه الزجر والفراسة وعكس الواجب من الاستدلال على الكائنات بثواني النجوم التي هي احداث الجوّ، فأمّا ان الكواكب سبعة فليس بيننا وبينهم فيه خلاف، ويسمّون السيّارة «كره» منها سعود بالإطلاق وهي ثلاثة المشتري والزهرة والقمر وتسمّى «سوم كره» وثلاثة نحوس بالاطلاق تسمّى «كرور كره» وهي زحل والمرّيخ والشمس، والرأس وإن لم يكن كوكبا فإنّه يذكر مع النحوس، وواحد ينقلب احواله فيضاف الى من معه سعدا كان او نحسا وهو عطارد، فإذا خلا بنفسه فهو سعد، وقد وضعنا احوال الكواكب في جدول:

والغرض فيما في جدول الترتيب في العظم والقوّة هو أنه ربّما اتّفق بين كوكبين تساو في الدلالة وتكافؤ في القوى وعدد الشهادة فحينئذ يقدّم منهما من له التقدمة في هذا الجدول ويقال اعظمهما هو أو اقواهما، وأمّا شهور الحبالى فتتمّة الجدول انهم يجعلون الشهر الثامن لطالع مسقط النطفة، ويزعمون ان الجنين فيه يأخذ لطائف الأغذية، فان استوفاها ثمّ ولد عاش وإن ولد قبل استيفائها مات بالنقصان، والشهر التاسع للقمر والعاشر للشمس، ولا يتجاوزونه في المكث فان اتّفق زعموا ان فيه آفة من الريح، فينظرون في وقت مسقط النطفة المعلوم بالأخبار دون الاستخراج بالحساب الى احوال الكواكب وقواها ويحكمون في شهور نوبها بحسبها؛ وأمر الصداقة والعداوة عندهم قويّ جدّا كقوّة ربوبيّة البيت، وربّما استحالت في الوقت عن الطباع الأصلي، وسيجيء فيما بعد ذلك مثال لها ولسنيها، ولا خلاف بيننا وبينهم في البروج انّها اثنا عشر وفيما تليه الكواكب منها بالربوبيّة، وقد وضعنا في هذا الجدول ما يختصّ البروج التامة من الأحوال:

والشرف بلغتهم «أوجست» ودرجته «برموجست»، والهبوط «نيجست» ودرجته «برمنيجست»، وأمّا «مولتركون» فهو قوّة للكوكب هي التي يذهب اليها في فرح الكوكب في أحد بيتيه، ولا ينسبون المثلّثات الى العناصر والطبائع كما هو رسمنا وإنّما ينسبونها الى الجهات بالجملة وتفصيلها في الجدول، ويسمّون البرج المنقلب «جرراش» أي البرج المتحرّك والثابت «ستر راش» اي الساكن وذا الجسدين «دوسبهاو» أي كليهما معا، وقد وضعنا في الجدول أحوال البيوت كما وضعناها للبروج، ويعبّرون فيها عن النصف الذي فوق الأرض بجتر أي المظلّة وعن الذي تحت الأرض بناوه أي السفينة، وعن كلّ واحد من النصف الصاعد الى وسط السماء والنصف الهابط الى وتد الأرض بدهن أي القوس، ويسمّون الأوتاد «كيندر» وما يليها «پن پرو» والزائلة «أپوكلم»:

وهذه هي الأصول التي عليها بالحقيقة مدار احكام النجوم أعني الكواكب والبروج والبيوت، والمقتدر على تخريج دلالاتها مستحقّ سمة التخرّج والمقدّم في صناعته؛ ويتلوها تقسّم البروج الى الأجزاء وأوّلها النيمبهرات وتسمّى «هور» باسم الساعة، لأنّ طلوع نصف البرج يكون في قريب من ساعة، والنصف الأوّل من كلّ برج ذكر يكون للنحس من النيّرين أعني الشمس بسبب التذكير والأخير للسعد منهما بسبب التأنيث وهو القمر وذلك في البروج الإناث بالعكس؛ ثمّ الاثلاث وتسمّى «دريكان»، ولا فائدة في ذكرها لأنّها التي تسمّى عندنا «دريجانات» بعينها، ثمّ النهبهرات وتسمّى «نوانشك»، ولأنّها في كتب المداخل عندنا على نوعين فإنّا نذكر ما عليه الهند لنعرف المحرّص عليهم، وهو أن يجعل من أوّل البرج الى الدقيقة التي تراد معرفة نهبهرها دقائق كلّه ويقسم على مائتين، فتخرج اتساع تامّة معدودة من البرج المنقلب الذي في مثلّث ذلك البرج على التوالي لكلّ تسع برج فالذي ينتهي اليه نوبة الكسر يكون صاحب النهبهر المطلوب، ويسمّى التسع الأوّل من كلّ برج منقلب والخامس من كلّ ثابت والتاسع من كلّ ذي جسدين «پركوتم» أي أعظم الحظوظ؛ ثمّ الاثنا عشريّات وتسمّى «دوازدسايس»، ومعرفتها للموضع المفروض من البرج أن يجعل من أوّله اليه دقائق كلّه ويقسم المبلغ على مائة وخمسين، فيخرج انصاف اسداس تامّة معدودة من ذلك البرج على التوالي لكلّ برج واحد فالذي ينتهي اليه الكسر يكون ربّه ربّ اثنا عشريّة ذلك الموضع؛ وبعد ذلك الدرجات وتسمّى «تري شانش» أي الدرجات الثلاثين بمنزلة الحدود عندنا، ونظامها أن يكون للمرّيخ من أوّل كلّ برج ذكر خمسة أجزاء ثمّ لزحل مثلها وللمشتري ثمانية ولعطارد سبعة وللزهرة خمسة، وأمّا البروج الإناث فيعكس فيها الترتيب المذكور أعني

يكون للزهرة من أوّل البرج خمسة أجزاء ثمّ لعطارد سبعة وللمشتري ثمانية ولزحل خمسة وللمرّيخ خمسة، فهذه هي الأصول التي يرجع اليها؛ وحال كلّ برج في النظر حال الطالع الذي يطلع فوق الأفق، وقانونه أن البرج لا ينظر الى اللذين عن جنبتيه، وكلّ برجين فيما بين أوّليهما ربع الفلك أو ثلثه أو نصفه فهما متناظران، وإذا كان بينهما سدسه فالنظر الى توالي البروج فقط وإذا كان بينهما مجموع ربعه وسدسه فالنظر الى خلاف توالي البروج فقط، وللنظر مراتب فالذي بين البرج وبين رابعه أو بينه وبين حادي عشره ربع نظر والذي بينه وبين خامسه أو تاسعه نصف نظر والذي بينه وبين سادسه أو عاشره ثلاثة أرباع نظر والذي بينه وبين سابعه تمام نظر، ولا يذكرون النظر في الكوكبين الغانيين في برج واحد؛ وأمّا استحالة الصداقة والعداوة فمن أصولهم أنّ عاشر الكوكب وحادي عشره وثاني عشره والبرج نفسه وثانيه وثالثه ورابعه اذا اتّفق فيها كوكب فإنّه ينتقل من حالته معه الى أحسن منها، فإن كان من أعاديه توسّط وإن كان من المتوسّطين صادق وإن كان من الأصدقاء صار أصدق، وأمّا في البروج الأخر فإنّه ينتقل من حالته معه الى أرادأ منها، فإن كان صديقا توسّط وإن كان متوسّطا عادى وإن كان عدوّا كاشح، وهذه حالة عرضيّة في الوقت متثنّية على الأصليّة؛ وإذا تقرّر هذا ذكرنا القوى الأربع التي تكون للكوكب فالأولى منها الملكيّة وتسمّى «استانبل» وحصولها للكوكب بكونه في شرفه أو بيته أو بيت صديقه أو «نهبهر» بيته أو شرفه أو مولتركونه أعني فرحه في سطر السعود، ويختصّ الشمس والقمر منها بالكون في البروج السعود كما يختصّ المتحيّرة منها بالكون في البروج النحوس، والقمر خاصّة في الثلث الأوّل من شهره يعين كلّ كوكب ينظر اليه على حيازة هذه

القوّة، وهي تحصل للطالع إذا كان برجا ذا رجلين، وأمّا القوّة الثانية وتسمّى «دساپل» أي الجهتية وأيضا «دكپل» وتحصل للكوكب بكونه في الوتد الذي يقوي فيه ومن القوم من يضيف الى ذلك البيتين المطبقين بالوتد، وتحصل للطالع بالنهار إذا كان ذا رجلين وبالليل اذا كان ذا أربع قوائم وفي وقتي «سند» سائر البروج، وهذا ممّا يخصّ المواليد، فأمّا في المسائل فيزعمون أنّ هذه القوّة تحصل للعاشر إذا كان ذا أربع قوائم وللسابع اذا كان العقرب والسرطان وللرابع اذا كان الدلو والسرطان، وأمّا القوّة الثالثة فهي الغلبيّة وتسمّى «جيشتابل» وهي تحصل للكوكب بالرجوع وبالبروز من الاختفاء الى غاية أربعة بروج من الظهور وتعرّضه في الشمال ما خلا الزهرة، فإنّ الجنوب لها كالشمال لغيرها، ويختصّ البيتان فيها بالكون في النصف الصاعد مقبلين الى المنقلب الصيفيّ وكون القمر خاصّة مع الكواكب سوى الشمس فتأهب له منها، وتحصل هذه القوّة للطالع بكون صاحبه فيه أن نظرنا الى نظر المشتري وعطارد اليه وخلوّه عن نظر النحوس وكونها فيه ما خلا صاحبه، فإنّ كون النحس فيه يوهن نظر المشتري وعطارد اليه حتى يبطل غناؤهما في هذه القوّة، وأمّا القوّة الرابعة فهي «كالبل» أي الوقتيّة وتحصل للكواكب النهاريّة بالنهار والليليّة بالليل، ولعطارد في سنده ومنهم من يزعم أنّ له هذه القوّة على الدوام لأنّه منسوب الى النهار والليل معا، وتحصل أيضا للسعود في النصف الأبيض من الشهر وللنحوس في الأسود، وهي تكون للطالع أبدا وبعضهم يضيف الى الاستشهاد ولأنّه أحد الأوقات الأربعة من السنين والشهور والأيّام والساعات فهذه هي القوى التي تستخرج للكواكب والطالع، ويكون الرجحان لمن عدده منها أكثر، فإن تساوى اثنان في عدّة «بل» قدّم من له التقدّم في العظم، وهو المسمّى في الجدول بنسرك بل، وهو الترتيب في

العظم أو القوّة؛ والسنون الوسطى التي تستخرج للكواكب ثلاثة أنواع منها اثنان بحسب البعد عن الشرف، وقد وضعنا مقادير النوع الأوّل والثاني في الجدول، ويعمل «شداج» و «بشركح قاق» درجة الشرف، أمّا الأوّل فيستخرج اذا فضلت قوى الشمس المذكورة على قوى كلّ واحد من القمر والطالع، وأمّا الثاني فإذا فضلت قوى القمر على قوى كلّ واحد من الشمس والطالع، ويسمّى النوع الثالث «انشاج » يستخرج عند فضل قوى الطالع على قواهما؛ فأمّا استخراج سني النوع الأوّل لكلّ كوكب اذا لم يكن على درجة شرفه ان يؤخذ بعده عنها ان كان أكثر من ستّة بروج وتكملة هذا البعد الى اثنى عشر برجا ان كان أقلّ من ستّة بروج، ثمّ يضرب في سنيه الموضوعة في الجدول، فيجتمع من البروج شهور ومن الدرج أيّام ومن الدقائق دقائق أيّام فترفع الى ما ارتفعت اليه كلّ ستّين دقيقة يوما وكلّ ثلاثين يوما شهرا وكلّ اثنى عشر شهرا سنة، فاستخراجها للطالع ان يؤخذ من بعد درجته عن أوّل الحمل لكلّ برج سنة ولكلّ درجتين ونصف شهر ولكلّ خمس دقائق يوم ولكلّ خمس ثوان دقيقة يوم؛ وأمّا استخراج سني النوع الثاني للكواكب فهو أن يؤخذ بعده عن درجة الشرف بالشرط الذي تقدّم، ويضرب في سنيه التي في الجدول ويعمل بما اجتمع ما تقدّم، والطالع يؤخذ من بعد درجته عن أوّل الحمل لكلّ «نهبهر» سنة والشهور وما يتلوها بحساب ذلك، ثمّ يلقي ما خرج من السنين اثنى عشر اثنى عشر وما بقي ليس بأكثر من اثنى عشر فهو سنو الطالع؛ وأمّا استخراج سني النوع الثالث للكواكب والطالع معا فهو مثل استخراج سني الطالع في النوع الثاني، أعني أن يؤخذ من بعده عن أوّل الحمل

لكلّ «نهبهر» سنة بأن يضرب البعد كلّه في مائة وثمانية، فيجتمع من البروج شهور ومن الدرج أيّام ومن الدقائق دقائق إذا رفعت الى ما ارتفعت اليه، وإذا ألقى السنون اثنى عشر اثنى عشر بقي السنون المطلوبة، ويعمّ جميع هذه السنين اسم «أجردا» وتسمّى قبل التعديل «مدّهماج» وبعده «سپتاج» اي مقوّمه؛ أمّا سنو الطالع في جميع الأنواع فإنّها مقوّمة لا تحتاج الى تعديل پنوعين من النقصان أحدهما بحسب المكان من الأثير والآخر بحسب الوضع من الأفق، ويختصّ النوع الثالث بتعديل الزيادة على نحو واحد، وهو أنّ الكوكب إذا كان في حظّه الأعظم أو في بيته أو «دريجان» بيته أو دريجان شرفه أو نهبهر بيته أو نهبهر شرفه أو في أكثر ذلك فإنّ سنيه تصير ضعف الوسطى، وإذا كان راجعا أو في أكثر ذلك فإنّ سنيه تصير ضعف الوسطى، وإذا كان راجعا أو في شرفه أو كليهما صارت سنو ثلاثة أمثال الوسطى، وأمّا تعديل النقصان على النحو الأوّل فإنّ سني الكوكب الكائن في هبوطه ترجع الى ثلثيها إذا كانت من النوع الأوّل أو الثاني وإلى نصفها اذا كانت من النوع الثالث، وكونه في بيت عدوّه لا يقدح في سنيه، وسنو الكوكب المختفي بشعاع الشمس عن الإيثار ترجع الى النصف في الأنواع الثلاثة إلّا الزهرة وزحل فإنّ اختفاءهما لا ينقص من سببهما شيئا، وأمّا تعديل النقصان على النحو الثاني فقد اثبتنا في الجدول ما يسقط من سني النحوس والسعود بكونها في البيوت التي فوق الأرض، فإن اجتمع في بيت كوكبان أو أكثر الى أعظمها وأقواها في الترتيب، فألحق النقصان بسنيه وتركت الباقية على

حالها، ومتى اجتمع على كوكب واحد في النوع الثالث زيادتان من جهتين اقتصر على احداهما وهي العظمى، وكذلك اذا اجتمع عليه نقصانان، فإن اجتمع عليه زيادة ونقصان قدّم أحدهما وتلا الآخر فإنّه لا يختلف، فتصير السنون معدّلة ومجموعها هو عمر صاحب المولد؛ وبقي الآن ان نبيّن طريقهم في النّوب، فإنّ العمر منقسم على هذه السنين والابتداء من عند الولادة بسنى النيّرين، والمقدّم منهما أكثرهما قوّة وبلاء وإن تساويا فأكثرهما حظّا في موضعه ثمّ يتلوه الآخر، وتلوها إمّا الطالع وإمّا الكوكب الكائن في الأوتاد بكثرة القوى والحظوظ، وإذا اجتمع في الأوتاد عدّة كواكب فقدّمها بحسب قواها وأنصبائها، ويتلوها الكواكب الكائنة في ما يلي الأوتاد ثمّ في الزائلة على مثال ما تقدّم حتى يعرف موقع سني كلّ كوكب من جملة العمر، وليس يستبدّ بسنيه إلّا بما يصيبه من قبل الشركاء وهي الكواكب الناظرة اليه، فإنّها تحاصّه التدبير وتشاركه في قسمة السنين، أمّا الكائن معه في برج واحد فمشاركته بالنصف، والذي في خامسه وتاسعه فبالثلث، والذي في رابعه وثامنه بالربع، والذي في سابعه بالسبع، فإن اجتمع في موضع واحد عدّة كواكب شارك كلّ واحد الكسر الذي أوجبه الموضع؛ وطريق استخراج سني الشركة أن يوضع لصاحب السنين واحد للكسر في مثله للمخرج لأنّه يستولي على الكلّ، ثمّ يوضع لكلّ شريك كسر مخرجه، ويضرب كلّ مخرج منها في جميع الكسور وخارجه سوى نفسه وكسره، فيحصل الكسور كلّها من مخرج واحدة، ويلقي المخرج المتساوية، ثمّ يضرب كلّ كسر في جملة السنين فيقسم ما بلغ على مجموع الكسور، فيخرج سنو «قالمنوكه »

كوكب، وأمّا ترتيبها بعد تقديم فتناسب به الفلسفيّين متفرّدا بالتدبير، فعلى مثال ما تقدّم من تقديم من في الأوتاد الأقوى فالأقوى ثمّ الذي فيما يليها ثمّ الذي في الزوائل، فقد علم ممّا ذكرنا طريقهم في استخراج العمر، ويعلم من مواقع الكواكب في الأصل وفي الوقت كيفيّة حال القسمة؛ فنردفه من أمر المواليد بما لا يشتغل به غيرهم، وذلك أنّهم ينظرون للأب وقت الولادة هل كان حاضرا ويستدلّون على غيبته بأن لا ينظر القمر الى الطالع أو ينحصر برج القمر فيما بين برجي الزهرة وعطارد أو يكون زحل في الطالع أو المرّيخ في السابع، وينظرون هل المولود لرشده الى النيّرين، فإن اجتمعا في برج ومعهما نحس أو سقط القمر والمشتري عن مناظرة الطالع أو سقط المشتري عن مناظرة النيّرين المجتمعين كان لغير رشده؛ وينظرون في أمر السراج الى برج الشمس، فإن كان منقلبا كان السراج متحرّكا ينقل من موضع إلى آخر، وإن كان ثابتا فثابتا وإن كان ذا جسدين كان متحرّكا مرّة ومستقرّا أخرى، وينظرون نسبة درجات الطالع الى ثلاثين، فبقدرها يكون المحترق من الفتيلة، وإذا كان القمر بدرا كان السراج ممتلئا من الدهن ثمّ يكون فيه بقدر النور في جرم القمر؛ ويستدلّون بالكوكب الأقوى في الأوتاد على باب الدار فإنّ جهته تكون الى جهته أو جهة برج الطالع ان خلت الأوتاد، وينظرون الى المنير، فإن كان الشمس كانت الدار منتقضة، والقمر سليمة والمرّيخ محترقة وعطارد متقوّسة والمشتري وثيقة وزحل عتيقة، ثمّ ان كان المشتري في شرفه في العاشر كانت الدار ساقين أو ثلاثة، وإذا قويت شهادته في القوس كانت ذات ثلاثة وفي سائر البروج ذوات الجسدين ذات ساقين؛ وينظرون للسرير وقوائمه الثالث ومربّعاته وطوله من الثاني عشر الى الثالث، فيعرف من النحوس فساد القائمة أو الضلع بحسب النحس، ان كان المرّيخ فمن الاحتراق

وإن كان الشمس فمن الانكسار وزحل من العتق، ويكون من حضر من النساء بعدد الكواكب التي في برج الطالع وبرج القمر، وصفاتهنّ بحسب صورها، والكائن منها فوق الأرض دليل على الخارجات من الدار والتي تحت الأرض دليل على الداخلات فيها، ثمّ ينظرون في مجيء الروح من صاحب «دريجان» أقوى النيّرين، فإن كان المشتري كان مجيئه من «ديولوك» والزهرة أو القمر من «پترلوك» والمرّيخ أو الشمس من «برجك لوك» وزحل وعطارد من «پرك لوك»، وكذلك النظر في ذهاب روحه بعد الممات من الأقوى من صاحب دريجان السادس والثامن على مثال ما تقدّم، فإن كان المشتري في شرفه في السادس أو الثامن أو أحد الأوتاد أو كان الطالع الحوت والمشتري في شرفه في ووافقت أشكال وقت الوفاة أشكال وقت الولادة كان الروح متخلّصا ولم يتردّد.

وإنّما حكيت هذا ليعلم تباين طرق قومنا وطرق الهند في أحكام النجوم، وأمّا طرقهم في أحداث الجوّ والعالم فمع طولها ركيكة جدّا، وكما اقتصرنا من أمر المواليد على ذكر الأعمار كذلك نقتصر من هذا الفنّ على نوع المذنّبات من قول المظنون به منهم فضل تحصيل ليقاس بها ما وراءه، ونقول أنّ اسم رأس الجوزهر «هوراه» واسم ذنبه «كيت»، وقلّ ما يذكر الهند الذنب وإنّما يستعملون الرأس وحده، وجميع الكواكب المذنّبة الحادثة في الجوّ تسمّى أيضا «كيت» بالتعميم، قال «براهمهر»: أنّ للرأس ثلاثة وثلاثون أبناء يسمّون «تامسيلك»، وهم أنواع المذنّبات سواءا امتدّ منهم أو لم يمتدّ، والحكم عليها

بحسب أشكالها وألوانها وأعظامها ومواضعها، وشرّها المتصوّر بصورة الغراب والمتصوّر بصورة رجل مضروب الرقبة والذي على صورة السيف والخنجر والقوس والسهم وهم أبدا حول النيّرين يحرّكون المياه حتى تكدر ويثيرون الجوّ حتى يحمرّ ويزعزعونه حتى يقلع عواصفه كبار الشجر ويضرب بالحصى سوق الناس وركبهم، وينقلون طباع الزمان حتى ينتقل فصول السنة عن مواضعها، فمتى ما كثرت المناحس والشرور من الزلازل والهدّات والتهاب الحرّ واحمرار السماء وتواتر ضجيج الوحوش وصياح الطيور فاعلم أنّ ذلك من أبناء الرأس، وإن ظهرت تلك الأحوال مع كسوف أو بروز مذنّب فاستيقن ما تفرّست ولا تشتغل في الاستدلال بغير أبناء الرأس، وأشر في موضع الشرّ الى ناحيتها من جرم الشمس في الجهات الثماني؛ قال «براهمهر» في كتاب «سنكهت»: انّي لم أتكلّم في المذنّبات الّا بعد استيعاب ما في كتب «كرك» و «براشر» و «است» و «ديبل» وما في سائر الكتب على كثرتها، وإنّما يمتنع ادراك حسابها حتى يتقدّم المعرفة وقت ظهورها واختفائها لأنّها ليست نوعا واحدا بل كثيرة، فمنها العالية المتباعدة عن الأرض التي تظهر بين كواكب المنازل وتسمّى «دبّ»، ومنها المتوسّطة البعد التي تكون بين السماء والأرض وتسمّى «أنتركش»، ومنها القريبة من الأرض التي تقع عليها وعلى الجبال والدور والأشجار، فربّما رئي نور واقعا على الأرض وظنّ به أنّه نار فإذا لم يكن نارا فهو «كيت روب» أي على صورة المذنّب، فأمّا الحيوانات التي اذا طارت في الجوّ كانت كالشرر أو النيران الباقية في دور «بيشاج» الأبالسة والشياطين أو سائر اللوامع من الجواهر وغيرها فليست من جنس المذنّبة، ولهذا يجب أن يقدّم على الحكم عليها معرفة مائيّتها لكون الحكم بحسبها، والكائن في الهواء يقع على الرايات والأسلحة والديار والأشجار

وعلى الدوابّ والفيلة والكائن من ربّ يرى بين كواكب المنازل، فإذا لم يكن الذي يظهر من أحد هذين ولا من التخاييل المذكورة فهو «كيت» أرضيّ، قال:

واختلف العلماء في عددها، فمنهم من قال فيه أنّه مائة وواحد ومنهم من قال أنّه ألف، وقال «نارد» الحكيم: أنّه واحد وإنّما يختلف بكثرة الصور ينخلع واحدة ويلبس أخرى، وقال في مدّة تأثيرها أنّها شهور كعدّة أيّام ظهورها، فإن زادت على شهر ونصف فألق منها خمسة وأربعين يوما، فيبقى شهور تأثيره، وإن زادت على شهرين فاجعل سني تأثيره بعدّة شهور ظهوره، ولا يعدو عدد المذنّبات الفا؛ أورد ما أودعناه هذا الجدول لتسهيل التأمّل وإن لم يمتلئ بيوت الجدول لإخلال ما في الكتاب بالأقسام أمّا الأصل وإمّا النسخة التي وقعت الينا، وكان قصده فيما ذكر تصديق الأوائل في العددين اللذين حكاه عنهم فيها فاجتهد حتى تمّم الألف:

وكان قسم المذنّبات الى ثلاثة اقسام عالية عند الكواكب، وسائلة عند الأرض ومتوسّطة في الهواء فذكر ايضا من القسم العالي والمتوسّطة ما في جدولنا كلّ واحد على حدة، وذكر ان المتوسّط اذا اتصل نوره بآلات الملوك من الرايات والمطالّ والمراوح والمذابّ دلّ على هلاك الولاة، وإن اتصل بدار او شجرة او جبل دل على فساد المملكة، وإذا اتصل بأثاث الدار هلك اهلها، وإذا اتّصل بكناسات الدار هلك صاحبها، وقال: اذا انقضّ منقضّ معترضا على ذنب المذنّب زالت السلامة وفسدت الأمطار والأشجار المنسوبة الى «مهاديو» ولا فائدة في تعديدها لأنّها غير معهودة الاسم والجسم عندنا واضطربت الأحوال في مملكة «جور» و «ست» و «هون» و «الصين» وقال: انظر الى جهة ذنب المذنّب سواءا انسدل او انتصب او مال، وإلى المنزل الذي يماسّه طرفه، واحكم بالفساد هناك وهجوم جيوش على اهلها تلتقمهم التقام الطاووس الحيّات، واستثن منها ما هو دالّ على الخير، ثمّ تأمّل في الباقية المنزل الذي تظهر فيه او تحلّه اذنابها او تبلغه، واحكم بالفساد في ملوك النواحي التي يدل عليها المنازل وسائر الأشياء التي تنسب اليها ويصفها اهل التوراة بصفتنا الكعبة، وذكر فيه في المنقضّ انه من المثابين من قد انقضت مدّته في العلو فهبط الى الدنيا وهذا هو الجدولان:

فهذا طريقهم في المذنّبات والحكم عليها، وقليل منهم من يشتغل بالتحقيق اشتغال الطبيعيّين من اليونانيّين بالبحث عنها وعن مائيّة الآثار العلويّة فانهم لا يخلون فيها عن كلام القوّام بملّتهم، وذكر في «مج بران» انّ الأمطار اربعة والجبال اربعة وأصلها الماء، وأنّ الأرض منصوبة على اربعة من الفيلة في الجهات الأربع ترفع الماء بخراطيمها لتزكية الزروع، فترّشها امطارا في الصيف وثلوجا في الشتاء، وأن الدخان خادم المطر يرتفع اليه فيزيّن السحاب بالسواد، ولأجل الفيلة الأربعة قيل في كتاب طبّ الفيلة انّ من ذكورتها ما يقدم الناس حيلة فيتشاءم به، وهو في الرعلة غرّة ويسمّى «منكنه» ومنها ما يقدّم نابا واحدا ثمّ يكون منها ذوات انياب ثلاثة وأربعة وهي التي من نسل حاملات الأرض، ولا يتعرّض لها وإن وقعت في المصيدة خلّيت، وذكر في «باج بران»: انّ الريح والشعاع يرفعان الماء من البحر الى الشمس، فلو كان التقطّر من عندها لكان المطر حارّا ولكنّها تدفعه الى القمر حتى يتقطّر منه ويحيى بها العالم، وقيل في احداث الجوّ انّ الرعد هو صوت «ايراوت» وهو مركب «اندر» الرئيس من الفيلة اذا شرب من حوض «مانس» واغتلم فتغطمط، وأنّ قوس قزح قوس هذا الرئيس كما يضيفها عوامّنا الى رستم. ونرى فيما قصصناه كفاية لمن اراد مداخلة الهند فخاطبهم في المطالب بحقيقة ما هم عليه.

فلنقطع الكلام الذي املّ بطوله وعرضه. ونستغفر الله في الحكايات الّا عن حقّ، ونستوقفه للاعتصام بما يرضيه، ونسترشده الى الوقوف على الباطل لنتّقيه، انّ الخير من عنده، وهو الرؤوف بعبيده، الحمد لله رب العالمين وصلواته على النبيّ محمّد وآله أجمعين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحقيق ما للهند من مقولة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.