من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ملوك الفرس الأولى وأنسابهم
وأجمع الناس على أنّ الفرس الأولى من ولد سام بن نوح إلّا ما سنذكره من زعم بعضهم ولا نلتفت إليه. واختلفوا في رفع نسبهم إلى سام، فالذي عليه الجمهور أنّهم من ولد أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، ومنهم من قال إنّهم من ولد فارس بن ياسور بن سام بن نوح وفارس أخو نبيط أبي النبط.
وقيل: هم من ولد بوّان بن إيران [بن ياسور] بن سام بن نوح، وبوّان هو الذي ينسب إليه شعب بوّان من بلاد فارس وهو أحد المواضع المشهورة
في العالم بالحسن. ومنهم من يقول إنّ أبا الفرس إيران بن أفريدون ويعرفون إيران ويقولون إيرج. ومن لم يقل إنّهم من ولد فارس يقول: سمّوا فرسا بالفروسية، وفي ذلك يقول خطّاب بن المعلّى الفارسي:
وبنا سمّي الفوارس فرسانا ومنّا مناجب الفتيان
والأوّل أصحّ أنّهم من ولد أميم بن لاوذ بن إرم بن سام. وقد قال قوم إنّهم من ولد جابر بن يافث، وزعم آخرون أنّهم من ولد أفريدون الملك.
وأجمعوا أنّ أوّل ملوكهم جيومرت، فمنهم من زعم- وهم الأقلّون عددا- أنّه ينبوع النسل ويقول إنّه نبات من نبات الأرض وهو الدحناس، وكذلك زوجته. ومنهم من زعم أنّه آدم ويقول إنّه جيومرت كلسا، أي ملك الطير، وقال الأكثرون إنّه أوّل من حلّ فارس ونزل اصطخر، وهو أوّل من ملك ووضع التاج على رأسه، ولهم في التاج أسرار يذكرونها، وذكروا أنّه جيومرت وهو أوّل من أمر بالسّكون على الطعام لتأخذ الطبيعة بقسطها فيأخذ البدن ممّا يرد عليه وتسكن النفس عند ذلك، فيأخذ كلّ عضو من الأعضاء تدبيرا بما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام. وإنّ الإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب انصرف قسط من التدبير وجزء من التقدير إلى ذلك ووقع الاشتراك، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقوى الإنسانية، وإذا كان ذلك أدّى إلى مفارقة النفس الناطقة لهذا الجسد المردي. ولهم في هذا أسرار لطاف.
ثمّ ملك بعده أوشهنج ملك الأقاليم السّبعة، وهم يزعمون أنّه مهلائيل. ثمّ ملك طهمورث بن ويجهان بن حواد بن أوشهنج. والفرس تزعم أنّ طهمورث هو نوح ﵇. وفي ملك طهمورث منهم ظهر رجل يقال له بوداسف أحدث مذهب الصابئة، وهو مبني على الأفلاك والأجسام العلوية، و [قال] إنّ ذلك هو المدبّر، والمدبّر هو الله، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا. قال: وديار هؤلاء الصابئة ومواضعهم في ناحية واسط والبصرة من أرض العراق.
ثمّ ملك أخو طهمورث جم بن ويجهان، وفي أيّامه أحدث النّيروز وادّعى الإلهية، ويزعمون أنّه طالع إلى الفلك، وملك ثلاثمائة سنة وستّين سنة. ثمّ ملك بعده بيوراسب، وهو الذي ادّعى النبوّة، فكان ذا نواميس وملك، ويزعمون أنّه الضحّاك الحميري وأسره أفريدون وغلّه وقيّده في جبال دنباوند، وقد تقدّم شيء من خبره عند ذكر نوح ﵇.
ثمّ ملك بعده أفريدون، وكانت دار مملكته بابل وهي على شاطئ نهر من أنهار الفرات بأرض العراق، وهو نهر النّرس وإليه تضاف الثياب النرسية. وهذه المدينة خراب وإذا أشرف الإنسان عليها تبيّن منها آثار عظيمة. وذهب الناس إلى أنّ فيها هاروت وماروت، وفيها جبّ يعرف بجبّ دانيال الذي تقصده النصارى واليهود في أعيادهم.
وملك أفريدون وقسم الأرض بين ولده ولم يزل الأمر في ولده إلى أن ولّى فراسياب، وهو من ولده إلّا أنّه (ولد بأرض) الترك، فلذلك غلط من غلط من أصحاب التواريخ فزعم أنّه تركي.
ط: هو من الترك وتملّك الفرس بعد هلاك منوشهر الملك. فكثر فساده في مملكة فارس إلى أن ظهر زاب بن طهماسف، فطرد فراسياب من مملكة أرض فارس حتّى ردّه إلى الترك بعد حروب يطول ذكرها، واتّخذ العجم ذلك اليوم عيدا. وأحسن زاب السيورة ووضع الخراج وبنى مدينة الزاب بالسّواد، وهو المستخرج نهرها وهو أوّل من اتّخذ ألوان الطبخ وأصناف الأطعمة.
ولم يزل الحرب بين ملوك فارس وفراسياب بعد ذلك سجالا إلى أن قتله كيخسرو القائم بالملك بعد جدّه كيقاوس، وكان مظفّرا وهو القائم، وإنّ الشّياطين سخّرت له بعد سليمان ﵇، وكان في زمنه، وإنّه كان يأكل ويشرب ولم يحدث. وأعطاه الله ﷿ قوّة يرتفع بها إلى السّحاب حتّى حدّثته نفسه أنّه يطيق الصعود إلى السّماء ويطالع ما فيها، فسلبه الله جميع ذلك، ومزّق ملكه وأسرّه أبرهة ذو الأذعار ملك اليمن واستباح ملكه. وكان كيقاوس قد غزا بلاد اليمن واستباح ذو الأذعار عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه. فخرج رستم من سجستان مع من وثق به من الناس حتّى أتى بلاد اليمن فاستخرج كيقاوس من البئر، فملّكه كيقاوس من بلاد سجستان، فلم تزل بيد رستم دهرا طويلا، ثمّ لم يزل الأمر في ولد أفريدون.
[ولم يكن لكيخسرو عقب، فجعل الملك في لهراسف، وهؤلاء القوم كانوا يسكنون بلخ]، ويدعى نهر جيحون- وهو نهر بلخ- كالف، وكذلك يسمّيه أهل خراسان. و [لهراسف] هو الذي أخرج بخت نصر مرزبانه إلى أهل الشّام، فكان من أمر بيت المقدس ما قد تقدّم ذكره. وكثير من الناس يجعل بخت نصر ملكا برأسه وإنّما كان مرزبانا.
وقد ارّخ بطليموس كتابه المجسطي منذ عهد بخت نصر مرزبان المغرب، ونسبه يأتي بعد.
ثمّ ملك بعده ابنه يستاسف، وفي زمانه ظهر زرادشت على ما تقدّم في خبر إرميا ﵇، وكان ملكه تسعين سنة.
ثمّ لم يزل الملك فيهم إلى داراميوس، وهو دارا بن دارا الذي قتله الإسكندر، وهو دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن لهراسف كلّهم ملوك، وقد تقدّم من خبرهم ما يتمّم هنا إن شاء الله تعالى. كان بهمن أحسن الناس سيرة وهو الّذي بعث ببخت (يرسى وهو بخت) نصر إلى بني إسرائيل لمّا بلغه أنّ بناحية المغرب بأرض الشام قوما أحدثوا دينا، وأمره بقتلهم وسبى ذراريهم، ففعل ذلك ونفاهم عن بيت المقدس وفرّقهم في البلاد.
وقيل إنّ بخت نصر هو ابن بدمين رجل من أهل كورة أرمنت من كور مصر.
وكان بدمين من أهل العلم بالنجوم، فنظر في علمه فرأى أنّه يخرج من صلبه رجل يخرب مصر فأعطاه الله ﷿ عهدا أنّه لا ينكح امرأة أبدا. فخرج إلى فارس فمرّ بقرية منها، وكانت لصاحب تلك القرية ابنة بها لمم، فوصف له المصري ليداويها، فأدخله عليها فجرت بينهما أسباب إلى أن حملت منه بخت نصر، فجرى خراب الدّنيا على يديه.
وهلك بهمن بن إسفنديار وخلّف ابنه دارا وأمّه حامل به على ما تقدّم، وكان ملكه أربع عشرة سنة، وقيل ثماني عشرة سنة، فعقد له التاج وهو في بطن أمّه. وقيل إنّ أمّه كان اسمها حمانا، وقيل غير ذلك. فملّكوا حمانا شكرا لإحسان أبيها مع كمال عقلها. وقال من زعم أنّها أمّ دارا: ملكت بمكان حملها، ودارا هذا هو الأكبر وهو الّذي ابتنى دارابجرد، فولد له ولد سمّي باسمه حبّا له وإعجابا به، ثمّ ملك وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
ثمّ ملك دارا الأصغر، وكان فظّا غليظا جبّارا، فقتله الإسكندر بخذلان فارس له. وتزوّج الإسكندر ابنته روشنك ابنة دارا، وكان ملكه أربع عشرة سنة. ونذكر نسب ذي القرنين وخبره عند انقضاء نسب فارس إن شاء الله تعالى. وقد زعم مؤرّخو العجم أنّ الّذي ملك بعد دارا الأكبر من الفرس شخشار وكانت له جيوش عظيمة لم يسمع لملك مثلها. ثمّ ملك بعده أريش
خشار، وفي زمانه جدّد عزير كتاب التوراة. قالوا: وفي زمانه بنى فهنايس مقدّم اليهود أسوار بيت المقدس ورجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس. وفي زمانه كان بقراط الفيلسوف وسقراط وسغريط وحينئذ عظم ذكرهم، وملك أربعين سنة.
ثمّ ملك بعده دارترطر، وفي زمانه كانت حروب آخر طرفها في جزيرة صقلية. وفي زمانه كان أفلاطون، وملك سبع عشرة سنة.
ثمّ ملك بعده أرشخشا ولوقش، وفي زمانه كان أرسطاطاليس الفيلسوف ومات أفلاطون، وكانت ولايته ستّا وعشرين سنة.
ثمّ ملك بعده دارا الّذي غلبه الإسكندر، وكانت له معه معارك قتل فيها من الفرس خلق كثير، وبقي يقسم ما وجد في عسكره ثلاثين يوما، ثمّ علم أنّه جريح لما به، فعني باتّباعه في ستّة آلاف من أهل عسكره حتّى ألقاه في بعض المنازل طفيا من تلك الجراحات، فلم يلبث أن هلك وأظهر الإسكندر الحزن عليه ودفنه في مقابر الملوك، وكانت ولايته ستّ سنين.
وكتب الإسكندر إلى معلّمه أرسطاطاليس يشاوره في قتل من بقي من الفرس فكتب إليه: لا تفعل ولكن ولّ كلّ رئيس منهم ناحية فإنّهم يتنافسون الرياسة فلا يجمعهم ملك أبدا. فلمّا قدم أردشير واجتمعوا عليه بعد الجهد العظيم قال: إنّ كلمة فرّقت الفرس أربعمائة سنة لمومة، يعني كلمة أرسطاطاليس. فكان بين الفرس الأولى والثانية خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، وهي مدّة ملوك الطوائف، وذكر ق غير ذلك.
ولغة الفرس الأولى الفهلوية، وهي من اللغات الدارسة الّتي لم يبق لها مترجم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع