تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الفرس الثانية

أوّلهم أردشير بن بابك بن ساسان بن نهاوند بن دارا بن ساسان بن بهمن الّذي تقدّم ذكره، وهو من ولد إيرج بن أفريدون. وقد زعم قوم أنّهم من ولد ويرك، وويرك هو إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وأنّه تزوّج امرأة من الفرس الأولى يقال لها كودك، فولدت له منوشهر الملك وكثر ولده وملكوا المماليك، ودثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية والعرب العاربة. وهذا لا ينقاد إليه كثير من الفرس. وفيما ذكرناه يقول إسحاق بن يزيد العدوي وكان من العرب من قريش:

إذا فخرت قحطان يوما بسؤددأتى فخرنا أعلى عليها وأسودا
ملكناهم طرّا بإسحاق عمّناوصاروا لنا عونا على الدهر أعبدا
فإن كان منهم تبّع وابن تبّعفأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا
للشاعر إسحاق بن سُويد العدويّ، اقرأ القصيدة

وفي ذلك يقول جرير بن الخطفى:

وأبناء إسحاق اللّيوث إذا ارتدواحمائل سيف لابسين السّنّورا
إذا افتخروا عدّوا الصبهبذ منهمووكسرى وعدّوا الهرمزان وقيصرا

ولذلك يقول بشّار بن برد:

نمتني الكرام بنو فارسقريش وقومي قريش العجم

(وأمّ ساسان الأكبر فإنّها من سبايا بني إسرائيل) باتّفاق منهم، وهي ابنة شابال، ولم يك الفرس الثانية إلّا ولد أردشير بن بابك بن ساسان، وساسان هو الّذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم.

وقد كان ملك الفرس يحجّ البيت من سائر ملوك الأعاجم. فكان ساسان هذا إذا طاف بالبيت زمزم على بئر إسماعيل، وإنّما سمّي زمزم لزمزمته وغيره من فارس، وهذا يدلّ على ترادف الفعل منهم. وفي ذلك يقول الشّاعر:

زمزمت الفرس على زمزموذاك في سالفها الأقدم

وقد أهدى ساسان هذا غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا إلى الكعبة وهي التي دفنت بزمزم، وسنذكر ذلك في خبر عبد المطّلب وزمزم إن شاء الله.

وكانت هذه الملوك من عهد أردشير تحتجب عن الندماء، فكان يكون بين الملك والطبقة الأولى عشرون ذراعا والستارة في نصف هذه المسافة، وصاحب الستارة رجل من أصحاب أولاد الأساورة ويقال لمن ولّي ذلك منهم خرم باش ومعناه: كن فرحا. فإذا جلس الملك أمر خرم باش رجلا، فارتفع في أعلى موضع في دار الملك ونادى بصوت جهير ليسمع الحاضرين:

يا لسان احفظ رأسك، فإنّك تجالس الملك. فتأخذ الندماء مراتبها خافتة أصواتها غير مشيرة بشيء من أعضائها. وقد كانت الأوائل من بني أميّة لا

تظهر للندماء وكذلك الأوائل من بني العبّاس وكذلك الأوائل من بني ساسان.

وأردشير هو الّذي فتح الحضر- وقيل إنّه سابور وهو أثبت. وبنى أردشير مدينة جور بفارس وكهمن أردشير- وهي فرات البصرة- وبنى أستراباد وبنى كرخ ميسان- وهي من كور دجلة- وبنى مدينة صور بالأهواز ومدينة أبلّة وغير ذلك.

ثمّ ملك بعده ابنه سابور. وكان أردشير قد قتل الأشكانية الّذين كان منهم ملوك الطوائف بعد جدّه ساسان إلّا جارية وجدها أردشير في دار المملكة، فأعجبته فسألها عن نسبها فقالت: أنا خادم. فاستخلصها لنفسه فحملت منه، فلمّا حملت أعلمته أنّها حبلى وعرّفته نسبها، فنفر طبعه عنها ودعا شيخا مسنّا وسلّمها إليه وقال: أودعها بطن الأرض. فأودعها سربا من الأرض، ثمّ عمد إلى مذاكره فقطعها وودعها في حقّ وختم عليه ورجع إلى الملك وقال: فقد أودعتها بطن الأرض، ودفع إليه الحقّ وقال: إنّ فيه وديعة، ورغب إليه ووصاه أن يحفظ بها. وأقامت الجارية حتّى وضعت غلاما وسمّاه الشيخ شاه بورا، ولد الملك.

ولم يكن لأردشير ولد، فرآه الشيخ يوما حزينا لذلك وكان حاصّا به، فقال: مالك أيها الملك أراك حزينا كئيبا؟ قال: لأنّي كبرت وليس لي ولد أورثه ملكي وأجعله الخليفة بعدي فيبقى ذكري. فقال الشيخ: سرّك الله أيّها

الملك وعمّرك، لك عندي ولد. قال له: وكيف ذلك؟ قال له: ادع بالحقّ الّذي استودعتك. فأمر بإحضاره وفضّ خاتمه، فإذا فيه مذاكر الشيخ وفيه كتاب: إنّا لمّا أخذنا ابنة آشك الّتي أمر الملك بقتلها أعلمتنا أنّها حامل من الملك، فلم نستحلّ أن نبطل زرع الملك الطّيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا، وتبرّأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عائب إلى عيبنا سبيلا. قال: فسرّ أردشير سرورا شديدا وأمر عند ذلك الشيخ أن يجعله بين مائة غلام في الهيئة، ثمّ يدخلهم عليه. ففعل فعرفه أردشير من بينهم وقبلته نفسه. ثمّ أمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان بالصوالج فدخلت الكرّة الإيوان، فأحجم الغلمان عند دخولهم وأقدم سابور من بينهم فدخل. فأمر أردشير بعقد التاج له.

ط: وسابور هو الّذي افتتح الحضر من بلاد الموصل بخلاف ما قال ق.

وكان صاحب الحضر يسمّى الضيزن بن معاوية ويعرف باسم أمّه جيهلة، وكان من تنوخ من قضاعة. وكان ملك الحضر قبل السّاطرون، وهو ملك السريانيّين. قال أبو دؤاد:

وأرى الموت قد تدلّى منالحضر على ربّ أهله السّاطرون
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
ولقد كان آمنا للدّواهيذا ثراء وجوهر مكنون

ويقال إنّ السّاطرون أبو نصر جدّ عمرو بن عدي بن نصر الّذي كان ملوك الحيرة من ولده.

وكان الضيزن قد ملك الجزيرة وما يليها إلى الشام، وأقام سابور على حصنه أربع سنين، وقيل سنتين. قال الأعشى:

أقام به شاهبور الجنود حولين يضرب فيه القدم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

- جمع قدم- حتّى عركت ابنته النضيرة فأخرجها إلى بعض الأرباض، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم، وكانت من أجمل الناس، فتعشّقت سابور وتعشّقها، فأرسلت إليه وقالت له: اكتب بدم جارية بكر زرقاء على رجل حمامة ورقاء مطوّقة كتابة ذكرتها وأرسلها فإنّها تقع على حائط المدينة فيتداعى وكان طلسم المدينة.

س: وقيل إنّها قالت له: ائت الثرثار [وهو نهر] انثر فيه تبنا، ثمّ اتبعه فانظر أين يدخل التبن فأدخل الرجال فيه، فإنّ ذلك المكان يفضي إلى الحصن. ففعل ذلك سابور وفتح الحصن عنوة وأباد قضاعة. فقال في ذلك بعض شعرائهم:

ألم يحزنك والأنباء تنمىبما لاقت سراة بني العبيد
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
ومصرع ضيزن وبني أبيهوأحلاش الكتائب من تزيد
أتاهم بالفيول مجلّلاتوبالأبطال سابور الجنود
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
فهدّم من أساس الحصن صخراكأنّ ثقاله زبر الحديد

واحتمل النضيرة فعرّس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تضور وفرشها الحرير محشوّا بالقزّ. فالتمس سابور ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملصّقة بين عكنتيها، وكان ينظر إلى مخّها من صفاء بشرتها فقال لها: أيّ شيء كان يغذّيك أبوك؟ فقالت: بالزبد والمخّ وشهد فراخ النحل وصفو الخمر.

فقال: وأبيك لأنا أحدث بك عهدا. فأمر رجلا فركب فرسا جموحا، ثمّ

عصب ذوابيها بذيله، ثمّ همز الفرس فقطعها قطعا. فقال الشاعر:

أقفر الحصن من نضيرة فالمرباع منها بجانب الثّرثار

وسابور هو الذي حاصر نصيبين حتّى أخذها، وكان فيها عدد كثيرة لقيصر، ثمّ دخل أرض الروم فافتتح من الشام مدائن، ثمّ انصرف إلى مملكته وفرّق ما كان معه من السبي في ثلاث مدائن: في جندي سابور وسابور الّتي بفارس وتستر الّتي بالأهواز.

ذو الأكتاف: خلّفه أبوه أيضا وأمّه حامل به، فعقد له التاج في بطن أمّه.

قال س: هو الّذي بنى له الإيوان، وهو بالجانب الشرقي من المدائن على دجلة.

ونزل الرشيد مرّة على قرب منه، فسمع بعض الخدم يقول من وراء السّرادق: هذا الّذي بنى هذا البناء أراد أن يصعد إلى السماء. فأمر الرشيد بعض الأساتيذ أن يضربه مائة عصا وقال لمن حضره: إنّ الملك نسبة بين الملوك، هم به إخوة. وإنّ الغيرة بعثتني على ضربه لصيانة الملك وما يلحق للملوك.

وذكر أنّ الرشيد بعث إلى يحيى بن خالد، وهو في اعتقاله، يشاوره في هدم الإيوان، فبعث إليه: لا تفعل. فقال الرشيد لمن حضره: إنّ المجوسية في نفسه والحسد عليها والمنع من إزالة آثارها. فشرع في هدمه، فإذا به يلزمه في هدمه مال عظيم لا تضبط كثرته، فأمسك عن ذلك، وكتب إلى يحيى بن

خالد يعلمه بذلك. [فأجابه ب] أنّ ينفق على هدمه ما بلغ من الأموال ويحرّض على محو أثره. فتعجّب الرشيد من تخالف كلامه فبعث إليه يسأله ما معنى تخالف قوله. فقال: أمّا الكلام الأوّل فإنّي أردت به بقاء الذكر لأمّة الإسلام، وأن يكون من يرد (في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان) يرى مثل هذا الأثر العظيم فيقول: إنّ أمّة قهرت قوما هذا بنيانهم واحتوت على ملكهم لأمّة عظيمة الشدّة، وأمّا قولي الثاني فأخبرت أنّه شرع في بعضه هدم فأردت نفي العجز عن أمّة محمّد وأن لا يقول قائل: إنّ هذه أمّة ضعيفة عجزت عن هدم ما بنته فارس. فلمّا أعلم بذلك الرشيد قال: قاتله الله، فما سمعت له قطّ قولا إلّا صدق فيه. وأعرض عن هدمه.

وسابور هذا بنى نيسابور ومدينة بالسوس سمّاها فيروز سابور، وبنى مدينة بالسند وأخرى بخراسان، وقيل بسجستان.

ولمّا بنى أنو شروان سور الباب والأبواب على ما تقدّم وفدت عليه رسل الملوك بالهدايا، وكان في جملتهم رسول قيصر، فنظر إلى الإيوان وحسن بنائه وإعجاز صنعته ورأى بموضع منه اعوجاجا، فسأل عن معنى ذلك فقيل له: إنّ عجوزا لها منزل في جانب الاعوجاج وإنّ الملك أرادها على بيعه ورغّبها، فأبت فلم يكرهها. فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء. وزوّجه خاقان ملك الترك بابنته فاقم وابنة أخيه وهادنته ملوك السند والهند والشمال والجنوب وكتب إليه ملك الصين: من ملك

الصين صاحب قصور الدّرّ والجوهر الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود والكافور الذي توجد رائحته على فرسخين، والّذي تحته ابنة ألف ملك وتخدمه بنات ألف ملك، والّذي في مربطه ألف فيل أبيض، إلى أخيه كسرى أنو شروان. وأهدى إليه فارسا على فرس من ذهب منضّدا بالجوهر عينا الفارس والفرس ياقوت أحمر وقائم سيفه من زبرجد، وثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملك الفارسي جالسا في إيوانه وعليه حليته وتاجه على رأسه والخدم على رأسه بأيديهم المذابّ، والصورة منسوجة بالذهب، وأرض الثوب لازورد، في سفط من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها تتلألأ جمالا.

وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم المشرق وصاحب قصر الذهب وأبواب الياقوت إلى أخيه ملك فارس صاحب التاج والراية. وأهدى إليه ألف رطل من عود هندي يذوب في النار كالشمع ويختم عليه كما يختم على الشمع، وجاما من الياقوت الأحمر فسحته شبر مملوءا درّا، وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك، وجارية طولها سبعة أذرع كأنّ بين أجفانها لمع البرق لها ضفائر تجرّها، وفرشا من جلود الحيّات ألين من الحرير وأحسن من الوشي. وكان كتابه على لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر، وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين، لحاؤه أرقّ من [الورق] الصيني ذو لونين عجيبين لا زوردي ورائحته عجيبة، فكانت تكتب فيه ملوكهم.

وكتب إليه ملك التّبّت: من خاقان ملك التبّت ومشارق الأرض إلى أخيه المحمود السيرة، ملك المملكة المتوسطة للأقاليم السبعة. وأهدى إليه أنواعا من العجائب، منها مائة جوشن تبتيّة ومائة تجفاف وأربعة آلاف منّ من المسك الخزائني في نوافجه.

وممّا افتتح أنو شروان بالشام حلب وقنّسرين وحمص وأنطاكية- وكانت فيها جنود قيصر- وسلوقية مدينة عظيمة عجيبة البنيان، فهي الآن خراب، وهذه كلّها كانت للقياصرة. وانتقل من الشام الرخام والأحجار والفسيفساء إلى العراق، فبنى ما استحسن، وافتتح هرقلة والإسكندرية وبنى رومة بناحية المدائن على صورة أنطاكية.

وصار نحوهم وقتل أخشنواز ملك الهياطلة بجدّه فيروز وغلب على مملكته وأدخل إليه من الهند كتاب كليلة ودمنة، والخضاب الأسود المعروف بالهندي، وهو الّذي يلمع سواده فيما يصل من الشّعر فيريه أسود، فلا ينصل منه شيء. قال: رأيت من أنو شروان خصلتين متباينتين. جلس يوما للناس فدخل رجل من خاصّة الملك فتعدّى مرتبته، فأمر أن يحجب سنة، ثمّ رأيته يوما ونحن عنده في سرّ من تدبير المملكة وخدمه خلف سرير ملكه يتحدّثون، فارتفعت أصواتهم حتّى شغلونا عن بعض ما كنّا فيه، فقلت له في ذلك وسألته وأخبرته بتفاوت الحالتين، فقال لي: لا تعجب فنحن ملوك على رعيّتنا وخدمنا ملوك علينا ينالون منّا في خلواتنا ما لا حيلة لنا في التحرّز معهم.

وولد رسول الله ﷺ لاثنتين وأربعين سنة من ملكه. ط: لمّا كانت الليلة الّتي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجّ إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة

شرّافة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان- وهو القائم بأمر الدّين عندهم- إبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتّى قطعت دجلة. فأفزع ذلك كسرى وقصّ عليه الموبذان ما رأى، فزاده ذلك ذعرا، فكتب أنو شروان إلى النّعمان بن المنذر، وهو ولّاه أمر العرب، أن يوجّه إليه رجلا من مشاهير العرب يسأله عمّا يريده. فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة الغسّاني. فلمّا قدم عليه أخبره بما رأى، فقال له: أيّها الملك لا علم لي بذلك، ولكن جهّز لي إلى خال لي بالشام يقال له سطيح. فقال: جهّزوه. فأتاه وقد أشفى [على الموت]، فسلّم عليه وحيّاه، فلم يستطع سطيح جوابا، فقال له عبد المسيح:

أصمّ أم يسمع غطريف اليمنيا فاضل الخطّة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحيّ من آل يزنأبيض فضفاض الرّداء والبدن
رسول قيل العجم يسري للوسنلا يرهب الموت ولا صرف الزّمن

فلمّا سمع سطيح قوله رفع إليه رأسه فقال: عبد المسيح على جمل يسيح جاء إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتّى اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد. عبد المسيح إذا ظهرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وغاض وادي السماوة، فليست الشام للسطيح شأما، وسيملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشّرّافات، وكلّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح نحبه، وقدم عبد المسيح على كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا تكون.

ثمّ ملك بعد أنو شروان ابنه هرمز، وأمّه فاقم ابنة خاقان، وكان متحاملا على خواصّ النّاس مائلا إلى عوامّهم، وقتل في مدينته مدّة ملكه من خواصّ فارس ثلاثة عشر ألفا مذكورين، وأزال أحكام الموبذان فخرم بذلك الشريعة وأزال الرسوم، فغزاه الملوك وطمعوا فيه، فغزاه عظيم من الترك في أربع مائة ألف، فنزل بلاد هراة من أرض خراسان. فندب لحربه بهرام جوبين ابن الريان، فظفر بهرام بالتركي واستباح عسكره واستولى على خزائنه وأمواله. فأعجب بذلك هرمز وعظم بهرام جوبين في عينه، فحسده وزيره وكان من الخزر، فجعل يعرّض بخيانته لهرمز واستبداده بأكثر الأموال وأغراه به، فعصاه بهرام وخلع يده عن طاعته، ثمّ احتال بدراهم ضرب عليها اسم أبرويز بن هرمز ودسّ أناسا من التجّار وأنفقوها، فعلم بها هرمز فلم يشكّ أنّ ابنه ضربها طلبا للملك فهمّ به. فهرب أبرويز من أبيه لتغيّره عليه ولحق ببلاد آذربيجان وأرمينية والرّان والبيلقان. فحبس هرمز خالي ابنه بسطام وبندويه، فأعملا الحيلة وخرجا من حبسهما وانضاف إليهما بشر، فدخلا على هرمز وسملا عينيه. فلمّا نمى ذلك إلى أبرويز رجع إلى أبيه وأعلمه أنّه لا ذنب له فيما اتّهمه به وأنّه هرب خوفا، فصدّقه أبوه، وعقد له التاج وسلّم الملك إليه. ثمّ خرج أبرويز إلى بهرام جوبين، وقد مال مع بهرام جموع الناس، وقدم وتحته فرسه المعروف بشبداز، وهو المصوّر في الجبل ببلاد قرماسين من أعمال الدّينور من ماه الكوفة، وعليه أبرويز وغير ذلك من الصّور، وهذا الموضع أحد عجائب العالم لغرائب ما فيه من الصور.

والعرب تذكر هذا الفرس في أشعارها. وكان أبرويز ركبه يوما وانقطع عنانه، فأراد ضرب عنق صاحب سروجه ولجمه، لمّا لم يتعاهد عنانه قال:

أيّها الملك ما بقي شيء يجتذبه ملك الإنس وملك الخيل، فخلّى سبيله.

فلمّا بلح هذا الفرس تحت أبرويز وقصّر طلب للنعمان في المعركة أن يمنّ عليه بفرسه النجوم فأبى ونجا عليه بنفسه. ونظر حسّان بن حنظلة الطائي إلى أبرويز قد خانته الرجال وأشرف على الهلاك، فأعطاه فرسه المعروف بالضّبيب وقال له: أيّها الملك انج على فرسي، فإنّ حياتك للناس خير من حياتي. فنجا عليه وكافأ حسّان وعرف له صنيعته. فأشار على أبرويز أبوه أن يلحق بقيصر ويستنجده على ما دهمهم من بهرام جوبين، فخرج أبرويز وخلّف خاليه وخنقا هرمز فقتلاه، ثمّ لحقا به فأعلماه، فعظم ذلك على أبرويز وقال لهما: ما حملكما على هذا؟ فقالا: لم نأمن أن يدخل بهرام إلى أبيك في مغيبك فيضع تاج الملك على رأسه ويصير الفرمدان- وتفسيره أمير الأمراء والروم تسمّي صاحب هذه المرتبة الدّمستق- ويكتب أبوك إلى قيصر:

إنّ ابني وجماعة [انضافوا] إليه وثبوا عليّ وسملوا عينيّ، فاحملهم إليّ.

فلمّا بلغ بهرام خبر هرمز وقتله أسرع إلى المدائن فاحتوى على الملك، ونزل أبرويز الرّها وكاتب قيصر موريق وبعث بكتابه مع خاله بسطام وجماعة من خاصّته يسأله النصرة وأن يشترط عليه ما شاء، وأهدى إليه أبرويز مائة غلام من أبناء الترك في غاية الحسن، في آذانهم القرط بالدرّ والياقوت، ومائدة عنبر فسحتها ثلاث أذرع على ثلاث قوائم من الذهب مفصلة بأنواع الجوهر، والقائمة الأولى ساعد أسد وكفّه، والثانية ساق وعل وظلفه، والثالثة كفّ عقاب بمخلبه، وجام جزع يماني فسحته

شبر مملوّ ياقوتا أحمر، وسفط من ذهب فيه مائة درّة وزن كلّ درّة مثقال، أرفع ما يكون.

فبعث إليه قيصر مائة ألف فارس وهدايا وزوّجه ابنته مارية وحملها إليه، فاشترط عليه أن ينزل عن الشّام ومصر وما تغلّب عليه أنو شروان من بلاد القياصرة. وكانت ملوك الفرس تتزوّج إلى سائر من جاورها ولا تزوّجها. ثمّ صار أبرويز إلى بلاد آذربيجان، فاجتمع إليه هناك من كان بها من العساكر، فالتقيا ببهرام فتوجّهت على بهرام، فصار إلى نحو بلاد خراسان وكانت لملوك الترك، فاحتوى أبرويز على المملكة وأمر لجنود قيصر بالأموال والمراكب والكساء، وحمل إلى قيصر ألفي ألف دينار وقرن ذلك بهدايا كثيرة من آلات الذهب والفضّة، ووفى له بما شرط عليه. واحتال أبرويز في قتل بهرام بأرض الترك، فقتل غيلة فسيق برأسه فنصب على باب أبرويز.

ط: ولم يزل أبرويز يصانع أخت خاقان ويبذل لها نفيس الهدايا حتّى دسّت إلى بهرام من قتله.

وكانت لبهرام أخت يقال لها كرديّة، كانت في الشجاعة والفروسية مثل أخيها، (فخرجت من بلاد الترك ومن كان معها من رجال أخيها) وكان

لهم عدد وجلد، فكاتبها أبرويز في قتل خاله بسطام، وكان مرزبان الدّيلم بخراسان، على أن يتزوّجها، فقتلته، وقتل أبرويز خاله الآخر بأبيه وتزوّج كردية. وكان وزير أبرويز والغالب عليه حكيم من حكماء الفرس يقال له بزرجمهر، وكان أبرويز لمّا تخلّى عن ملكه باشتغاله بحرب بهرام، وذلك ثلاث عشرة سنة، اتّهم بزرجمهر بالميل إلى مذاهب اليونانية- وهو مذهب ماني- فأمر بحبسه وكتب إليه أبرويز: كان من ثمرة علمك ونتيجة عقلك ما صرت به أهلا للقتل وموضعا للعقوبة. فكتب إليه بزرجمهر: أمّا (إذ كان معي) الجد فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، والآن إذ لا جدّ أنتفع بثمرة صبري، وإن فقدت كثيرا من الخير فقد استرحت من كثير من الشرّ. ثمّ لم يزل يغري به حتّى قتله. وبزرجمهر أكثر الفرس مواعظ وحكما.

وفي ملك أبرويز كانت وقعة ذي قار بين بكر بن وائل والهامرز صاحب أبرويز لأربعين سنة لمولد النبي ﷺ. وقال رسول الله ﷺ: هذا أوّل يوم انتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا، وفي رواية أخرى أنّها كانت بعد بدر بأشهر.

وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابّة وألف فيل، منها ما ارتفاعه من الأرض اثنتا عشرة ذراعا، واكثر ما يكون من ارتفاع الفيل من الثمانية إلى العشرة. قال: وقد يكون بأرض الزنج ما هو أعلى سمكا من اثنتي عشرة ذراعا، وقد يحمل الناس من أنيابها ما زنة الناب مائتا منّ، والمنّ رطلان بالبغدادي. وخرج أبرويز في بعض أعياد وقد صفّت له الجيوش والعدد

والسّلاح والمراكب وألف فيل في جملة ذلك، وقد أحدقت به مائة ألف فارس دون الرجالة. فلمّا أبصرته الفيلة سجدت له فما رفعت رؤوسها وبسطت خراطيمها حتّى رفعت بالمحاجن وراطنها الفيّالون بالهندية، فأعجب أبرويز لذلك وقال: ليتها لم تكن هندية وكانت فارسية، انظروا إلى أدبها من بين سائر الدوابّ.

وكانت مدّة أبرويز ثمانيا وثلاثين سنة، وقام ابنه- واسمه قباذ- القابض عليه، وهو المعروف بشيرويه.

قال ط: وتفسير أبرويز المظفّر. قال ط: ولم يزل أبرويز ملطّفا بموريق إلى أن قتلته الروم وأبادوا ذرّيته خلا ابنا له صغيرا هرب به إلى أبرويز، فحافظ أبرويز موريق في ولده. وغزا الروم هرقل، فهزم قوّاد أبرويز وقتل رجاله وتحصّن أبرويز بالمدائن. وقيل في قول الله ﷾: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ

إنّها في أبرويز ملك فارس وهرقل. ثمّ هزم الله ﷿ ملكهم بالإسلام. قال ط: وفي آخر سنة من ملكه هاجر رسول الله ﷺ.

ولمّا بلغ يزدجرد وقعة القادسية وقتل رستم علم أنّ مدّتهم قد انصرمت، فصار إلى حلوان ثمّ تحوّل إلى إصبهان وقال للموبذ: قد ظهر هؤلاء القوم فلا

يلقوا لنا جمعا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بمعقل إلّا افتتحوه، فما الرأي؟ قال:

رأيي أن تنزل إصطخر وتضمّ إليك خزائنك وتوجّه منها الجنود. ففعل ومضى إلى إصطخر، فلم يزل أبو موسى وعثمان بن أبي العاص يغزونه فيها فلم يقدروا على فتحها. فقدم ابن عامر سنة تسع وعشرين ولم يكن بكور فارس شيء إلّا وقد فتحه المسلمون حاشى إصطخر.. وقتلوا عامل ابن عامر فرجع إليهم ابن عامر فهرب يزدجرد إلى كرمان وأتبعه ابن عامر مجاشع بن مسعود السلمي. فنزل مجاشع بن مسعود قرية من دارابجرد فقالوا له: إنّ لنا عيدا اللّيلة، فإن رأيت أن تخلي لنا القرية. قال نعم، فنزل منها خارجا بالفسطاط والأخبية، فلمّا كان في آخر اللّيل أصاب أهل القرية رجفة، فهلكوا عن آخرهم، فنبش قوم منازلهم ممّن كان بينهم من العجم، فأصابوا ألفي ألف وسبعمائة ألف فأتوا بها مجاشعا، وانصرف مجاشع إلى ابن عامر وقد فاته يزدجرد، وقد عرض في جيشه ما عرض.

ومضى يزدجرد إلى سجستان، ثمّ توجّه إلى خراسان. فلمّا قرب من مرو خرج إليه ماهويه بن (مافناه بن فيد) مرزبان مرو وترجّل وصار بين يديه ماشيا فقال له الموبذ: أيّها الملك لو أمرت ماهويه أن يركب. فأمره فركب.

فلمّا دخلوا مرو فأقاموا أيّاما قال خرزاذ مهر ليزدجرد: لو أذنت لي أيّها الملك لرجعت إلى فارس، فأذن له فقال خرزاذ مهر لماهويه: يا أهل خراسان إنّكم قتلة الملوك، قتلتم فيروز، فاكتبوا لي كتابا بأنّي قدمت بالملك بلاد مرو سالما ومعه ابنه فيروز وثقله وحشمه. فكتب على ماهويه كتابا ورجع منصرفا إلى فارس. فلمّا صار إلى فارس اعتقد من عبد الله بن عامر ذمّة. فلمّا سار ابن عامر إلى خراسان رجع خرزاذ مهر إلى مرو، فأقام مع الأساورة الّذين

كانوا معه مع يزدجرد. واستمدّ نيزك طرخان صاحب الترك وخرج من مرو ونزل وزق، وهي على تسعة فراسخ من مرو. فأقبل نيزك، فلمّا قرب من وزق ركب يزدجرد لينظر إلى عددهم فتلقّاهم، فلمّا تراءيا نزل نيزك حتّى دنا من يزدجرد فقبّل رجله، ثمّ ركب فسايره حتّى أتى منزله، وأمر لنيزك بمنزل وبعث إليه ما يصلح به، وكساء الأتراك الديباج ومناطق الذهب. وأقام نيزك شهرا وكتب إلى يزدجرد يخطب إليه ابنته، فغضب يزدجرد وكتب إليه: إنّما أنت من عبيدي، فما أجرأك أن تخطب إليّ؟.

وأمر يزدجرد بمحاسبة ماهويه وسأله الأموال فخافه فأتى نيزك فقال: إنّ هذا أتى مغلوبا مغلولا، فنصرته فخطبت إليه، فبلغ من جهله ما علمت، وقد أمر بمحاسبتي وطلبني بالمال. وإن عاد هذا إلى ملكه قتلني وقتلك، فحاربه وأنا أعينك عليه. فخرج نيزك ونزل الجبانة محاربا، فسار إليه يزدجرد ومعه ماهويه، فقاتلهم فأثخن فيهم، فخاف ماهويه أن يهزمهم فتحوّل إليه في أساورة مرو، فتفرّق عن يزدجرد أساورته فقاتلهم وصبر بعقدته، ثمّ رأى أن يتحوّل ويرجع إلى مرو.

وكان ماهويه قد خلف ابنه بمرو وقال له: إن رجع يزدجرد منهزما فامنعه. فأتى يزدجرد وقد أغلقوا أبوابها ومع يزدجرد زادويه، فناداهم زادويه: افتحوا.

وأشرف ابن ماهويه فنادى: افتحوا للملك. فأهوى إلى منطقته فشدّها أي: لا تفتحوا. ففطن زادويه وقال: لعنكم الله يا قتلة الملوك. وترك يزدجرد ومضى، فرجع يزدجرد وحده فأتى وزق فنزل عن دابّته ومشى حتّى دخل بيت طحّان على شاطئ المرغاب، فمكث ليلتين ويوما فخفي عن الناس خبره. فلمّا رآه الطحّان عظّمه وقال: من أنت؟ أجنّي أنت أم إنسيّ؟

قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم. فأتاه بطعام فقال: إنّي مزمزم فجئني بما أزمزم به. فأتى الطحّان رجلا من الأساورة فسأله ما يزمزم به فقال: عندي ضيف لا أعرفه ولا أعرف مسألته، سألني ما يزمزم به.

فأدخله الأسواري على ماهويه فأخبره، فقال ماهويه: صفه. فوصفه فقال ماهويه: هذا يزدجرد، انطلقوا فأخنقوه حتّى تقتلوه. قال الموبذ: ليس لك أن تقتله لأنّ الملك والدين مقرونان لا قوام لأحدهما إلّا بالآخر، وإنّك إن قتلته انتهكت الحرمة الّتي ليس لك بعدها شيء. فأعان القوم الموبذ فصدّقوه، فشتمهم ماهويه وقال للأساورة: من تكلّم؟ فاقتلوه فكفّوا.

ومضى قوم مع الطحّان فقتل يزدجرد. وأعطى ماهويه نيزك مالا عظيما فرجع إلى بلاده.

واختلفوا في قتل يزدجرد وكيفيّته وكيف قتل، فقال قوم: دخلوا عليه وهو نائم، فكرهوا قتله فقالوا للطحّان: اقتله. فشذخ رأسه بحجرة، فرجعوا إلى ماهويه ومعهم الطحّان، فأمر ماهويه بقتله وقال: لا ينبغي لقاتل الملك أن يحيا بعده. فقال قوم: نذر يزدجرد برسل ماهويه قبل أن يدخلوا عليه فهرب ونزل الماء وعليه ثيابه، فضربوا الطحّان وقالوا: دلّنا عليه، فقال: ههنا خلّفته. وخرجوا يطوفون في طلبه، فرآه رجل يجول في الماء وعليه الديباج فأخذه فقال له: خلّ عنّي وغمّ عليّ وأعطيك خاتمي ومنطقتي. فقال:

أعطني أربعة دراهم. فقال: الّذي أعطيك أعظم من الآلاف. قال: إنّما أريد أربعة دراهم. فضحك يزدجرد فقال: لقد قيل لي: إنّك تحتاج إلى أربعة دراهم فلا تجدها. فهجموا عليه فقال لهم يزدجرد: لا تقتلوني، فإنّه من احتوى على قتل الملوك عاقبه الله في الدنيا بالحرب وفي الآخرة بالنار، فاحملوني إلى ملك العرب فإنّهم لا يستحيون قتلي، فأصالحه عليكم فتأمنون. فأبوا وأعطوا الطحّان وترا، فدنا منه وكأنّه يكلّمه ورمى بالوتر في عنقه فخنقه حتّى مات، وأخذوا ثيابه فصرّوها في جراب وختموا الجراب،

وقتلوا الطحّان وألقوا يزدجرد في الماء وانصرفوا. وقال قوم إنّ يزدجرد لمّا أتى إلى منزل الطحّان قتله الطحّان فأخذ ما كان عنده، فأخذوه به فأنكر أن يكون رآه، فضربوه فأقرّ لهم بقتله وأخرج متاعه فقتلوه به وأهل بيته معه.

وأخرج الأسقف يزدجرد من النهر وصيّره في تابوت وحمله إلى إصطخر أوّل سنة إحدى وثلاثين. وكان قتله في وزق، وهي على سبعة فراسخ من مرو.

س: فملوك الفرس الأولى سبعة عشر ملكا، ملك منهم امرأة واحدة، والأخرى اثنان وثلاثون ملكا، ملك منهم امرأتان.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.