من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الإسكندر
هو ابن فيلقيوش، وقال قوم: ابن قيلقوس، قوطي. ط: ابن مطريوس بن هرمس بن هردس بن ميطون بن ليطى بن يونان بن يافث من ولد الأصفر بن أليفز بن عيصو بن إسحاق ﵇. ويقال إنّ ذا القرنين هو هرمس، ويقال: هو ذبين بن قيطون بن رومي بن لمطي بن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، ورومي بن لمطي هو أبو الروم.
وقال الزبير: حدّثني من يسوق الحديث عن العجم أنّه رجل من أهل مصر اسمه الرّيان بن موريد اليوناني وقال: هو رجل من أهل أينة قرية من كور
مصر الغربية، وقال أيضا: وهي متّصلة بالإسكندريّة، وقيل: بل هو رجل من حمير. قال تبّع:
قد كان ذو القرنين جدّي مسلماملك تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغيأسباب علم من حكيم مرشد
وقال من أبى ذلك: إنّما قال تبّع قد كان ذو القرنين قبلي مسلما. ويروى أنّ عمر بن الخطّاب سمع رجلا ينادي آخر: يا ذا القرنين. فقال: اللهمّ غفرا أما رضيتم أن تتسمّوا بالأنبياء حتّى تسمّيتم بالملائكة؟ ومن أغرب ما ورد في ذلك أنّه إنّما سمّي ذا القرنين أنّه كان عبدا صالحا بعثه الله ﷿ إلى قومه، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله ثمّ بعثه مرّة أخرى إلى قومه، فضربوه على قرنه فمات فسمّي ذا القرنين.
ومن غريب ما قيل في نسبه ما قال ط: وذلك أنّه ذكر أنّه ولد دارا الأكبر أبي دارا الّذي غلب على ملكه الإسكندر، وذلك أنّ دارا كان تزوّج ابنة ملك الزنج هلابا، فلمّا حملت إليه استخبث ريحها، فأمر أن يحتال لذلك، فغسلت بماء السندروس وأذهب ذلك كثيرا من الذفر، ثمّ عافها فردّها إلى أهلها وقد علقت منه، فلهذا قيل الإسكندر.
قال القوطي: وكانت له مع دارا ثلاث ملاحم هلك فيها من الفرس أكثر من عشرة آلاف. وكان عدد الفرس في أوّل التقائهما ستّمائة ألف مقاتل وعدد عسكر الإسكندر أربعة آلاف فارس وثلاثين ألف راجل، وكان أخذه لدارا وهو جريح، فلم يبق عنده إلّا يسيرا حتّى هلك، فأظهر الإسكندر الحزن عليه وأمر بدفنه كما تدفن الملوك. قال ط: وثب على دارا رجال من أصحابه
فقتلوه وتقرّبوا برأسه إلى الإسكندر فقتلهم وقال: هذا جزاء من اجترم على ملكه.
ولمّا مات الإسكندر قال الحكيم: ما كنت أحسب أنّ قاتل دارا يموت.
وتوفّي الإسكندر بناحية السواد في موضع يقال له شهرزور بعد أن غزا الهند حتّى انتهى إلى البحر المحيط، فهال ذلك ملوك المغرب فوفدت عليه رسلها بالانقياد والطاعة.
وعلى عهد الإسكندر كانت دولة النساء ومملكتهنّ الخالية من الرجال، وزعموا أنّ امرأتين منهنّ من ملكاتهنّ وفدتا على الإسكندر فطلبن منه النسل، فجامعهنّ بما يحوز من النكاح. وكان من خبرهنّ أنّ أميرين خرجا من سبطية مدينة بأقصى الجوف، فاحتلّا بلاد فيروجية فأغارا على من جاورهما، فنصبوا لهما الكمائن حتّى قتلوهما ومن معهما من الجنود فاستأصلوهم. فلمّا انفردت النساء هناك اجتمعن على من بقي معهنّ من الرجال فقتلنهم، ثمّ جيّشن وخرجن على الّذين قتلوا رجالهنّ، فأخذن بثأرهنّ منهم وعدن يمينا وشمالا وعظم أمرهنّ وهابهنّ من يليهنّ من الأمم، فكنّ يعاهدن الرجال الّذين وراء النهر منهنّ، فيعبرنه إليهم فيحملن منهم، فإذا ولدن ذكرا قتلنه وإذا ولدن أنثى حرقن مواضع ثدييها لئلّا تضرّ بها في حمل السلاح. فملكن على هذا الحال مائة سنة حتّى قتلهن هرقل الملك الظاهر الإغريقي صاحب صنم قادس بالأندلس. وفي شمال الأرض على البحر المحيط مملكة النساء باقية إلى اليوم على ما يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقال القوطي: سمّه بعض خدمه بأرض بابل. قال ط: فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب وكانت مملكته اثنتي عشرة سنة. ط: أربع عشرة سنة. وقيل ثلاث عشرة سنة، عاش منها بعد قتل دارا خمس سنين، القوطي. قال ط: ويزعمون أنّ قتل دارا كان في السنة الثالثة من ملكه، فقد عاش على هذا بعده عشر سنين، وكان عمره ستّا وثلاثين سنة باتّفاق.
وقيل إنّه قتله بعد سبع سنين من ملكه وعاش بعد ذلك خمس سنين.
قال ط: وعرض الإسكندر جنده بعد أن تغلّب على مماليك الفرس فوجدهم ألف ألف وأربعمائة ألف مقاتل. قال ط: ودخل الإسكندر الظلمات ممّا يلي القطب الشمالي والشمس في الجنوب في أربعمائة رجل من أصحابه يطلب عين الحياة، فسار فيها ثمانية عشر يوما. وبنى اثنتي عشرة مدينة سمّاها كلّها إسكندرية، منها هراة ومدينة مرو ومدينة سمرقند ومدينة بأصبهان يقال لها جيّ بنيت على مثال الجنّة. وقيل إنّه تزوّج ابنة دارا.
ولمّا مات الإسكندر عرض الملك بعده على ابنه، فأبى واختار النسك والعبادة. قال ط: واجتمع بالإسكندر ملك الروم وكان قبله مفترقا، وافترق به ملك فارس وكان قبل مجتمعا، والله أعلم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع