تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ملوك اليونانية

فاستوسق (بالإسكندر ملك اليونانيّين) بالشام ومصر، وهي مقدونية وإليها ينسب الإسكندر المقدوني، ونواحي المغرب من الأندلس وغيرها، وكانت دار مملكتهم الإسكندرية.

فولّي بعده خليفته بطليموس بن لاوي، وهذا الاسم يخصّ ملوك الإسكندرية من اليونانيّين، وكان ملكه أربعين سنة، وهو أوّل من اقتنى البزاة ولعب بها.

واللّذارقة (وهم ملوك الأندلس) وغيرهم أوّل من لعب بالشواهين.

وملك بعده بطليموس بن هيفلوس ثمانيا وثلاثين سنة، وهو الّذي بنى مدينة أنطاكية، وهي أحد عجائب العالم، مسافة سورها اثنا عشر ميلا، وعدد شرافاتها أربعة وعشرون ألفا، وأبراجها مائة وستّة وثلاثون برجا، وأسكن كلّ برج بطريقا برجاله وخيله، فمرابط الخيل في أسفله وأعلاه طبقات يسكنها الرجال. وكلّ برج منها كالحصن عليه أبواب الحديد، وأنبط فيها عيونا وأجرى المياه في شوارعها، وماؤها [يستحجر] في مجاريه فلا يؤثّر فيه الحديد ولا يغيّره ولا يكسّره. وهذا الماء يحدث في الأجواف الرياح القولنجية. وقد أراد الرشيد سكنى أنطاكية فقيل له ما ذكرناه (من ترادف الصّداء على سلاحها) وذهاب ريح الطيب بها، فامتنع من سكناها. وهو الّذي أطلق اليهود المأسورين بمصر وهو الّذي انتخب سبعين مترجما فترجموا التوراة

من العبرانية إلى الإغريقية. وفي أيّامه كانت الحرب بين أهل رومة وقرطاجنة، وهي الحرب الّتي قيل لها حرب إفريقية. وبنيت مدينة قرطاجنة قبل رومة باثنتين وسبعين سنة. (وكانت ولايته أربعين سنة).

ثمّ ملك بعده بطليموس اقريطش ستّا وعشرين سنة، وكانت له حروب مع صاحب أنطاكية وصاحبها الإسكندروس، وهو الّذي قتل من اليهود نحو ستّين ألفا، وفي زمانه قام الرومانيّون وهدموا مدينة قرطاجنة.

ثمّ ملك بطليموس صاحب علم علل الفلك والنجوم وواضع كتاب المجسطي أربعا وعشرين سنة، وفي زمانه ظهرت جزيرة البركان في البحر بصقلّية.

ثمّ ملك بطليموس (محبّ الأمّ) بلاد نظرة أي مزكّية الحجر خمسا وثلاثين سنة، وهو الّذي غلبه أنيسول.

ثمّ ملك بعده بطليموس أقريطش، وهو الّذي غلب في زمانه الرومانيّون على الأندلس.

ثمّ ملك بعده بطليموس شوطان، وفي زمانه أقبل بروطى الروماني إلى الأندلس فقتل من الجلالقة نحو خمسين ألفا، وهرب بعضهم فلالا وكانت ولايته ...

ثمّ ملك بعده بطليموس الإسكندراني، وفي زمانه كان أوفالوس الشّاعر الّذي مات عشقا، وملك عشرة أعوام.

ثمّ أفضى الأمر إلى قلابطرة ابنة بطليموس، وهي آخر ملوك اليونانيّين، وكان يشاركها في ملكها زوجها أنطونيوس. وكانت هذه الملكة حكيمة متفلسفة مقرّبة للعلماء، ولها كتب مصنّفة في الطبّ وغير ذلك من الحكمة معروفة عند أهل العلم بذلك، وبذهاب ملكها ذهبت علوم اليونانيّين وامتحت آثارهم إلّا النبذ ممّا بقي في أيدي حكمائهم.

وسار إليها الثاني من ملوك الروم وهو أغشطش، وهو أوّل من سمّي قيصر لما سنذكره، وكانت له حروب بالشّام ومصر ومصارع مع هذه الملكة إلى أن قتل زوجها، ومنزلهم مصر. فلم يكن لقلابطرة في دفع قيصر عن مصر حيلة.

وكان مذهب قيصر أخذها لعلمه بحكمتها وأنّها بقيّة من حكماء اليونانيّين ليأخذ منها ما شاء، ثمّ يعذّبها ويقتلها. فراسلها خادعا لها وعلمت مراده

نفسها، وطلبت الحية التي تكون بين الحجاز والشام، وهي حيه شبريه وتدعى أيضا الفتريّة، ذات رأسين تكون في جوف الرمل، فإذا أحسّت بالإنسان أو غيره من الحيوان وثبت من موضعها أذرعا كثيرة فضربته بإحدى رأسيها في أيّ موضع لحقته منه، فيعدم من ساعته الحياة ويعلّقه ضدّها لحينه.

فاحتمل لها منها حيّة، فلمّا علمت باليوم الّذي يدخل فيه أغشطش قصر ملكها جلست على سرير ملكها ووضعت تاجها على رأسها وتزيّنت بأحسن الزينة ونظّرت وسط مجلسها بأنواع الرياحين والفواكه والطّيب، وأكثرت ممّا بمصر من عجيب الرياحين وعهدت جميع ما احتاجت إليه من أمرها وفرقت الحشم من حولها ودعت بعض جواريها ممّن اختارت الموت قبلها لتختبر أمر الحيّة، فأدنت يدها من فمّ القارورة الّتي كانت فيها الحيّة، فتفلت على يدها فجمدت مكانها وعدمت الحياة من فورها. ثمّ أدنت الملكة منها يدها ففارقت الحياة لحينها وهي على هيئتها، وانسلّت الحيّة واستترت بالرياحين. فدخل قيصر فنظر إليها فلم يشكّ أنّها تنطق، فدنا منها فتبيّن أنّها ميّتة، فأعجب بتلك الرياحين، فأمرّ يده على كلّ نوع منها وهو متأسّف على ما فاته من الملكة، فبينما هو كذلك إذ قفزت عليه تلك الحيّة فتفلت عليه من سمّها، فيبس شقّه الأيمن من ساعته وذهبت عينه وسمعه، فعجب من فعلها بنفسها ثمّ من احتيالها عليه، وقال في ذلك شعرا بالرومية مأثور عندهم، وأقام بعد ذلك يوما فهلك. ولولا ما كانت أفرغت من سمّها على الجارية والملكة لهلك أغشطش من ساعته.

وكان السبب الّذي أهاج الحرب بينهما أنّ قوّاد قيصر وقوّاد بطليموس كانوا يقترعون كلّ عام من يخرج منهم إلى الغرب ومن يخرج منهم إلى الشرق،

فخرجت في بعض الأعوام قرعة قيصر إلى الغرب، فغزا الأندلس فوجد أهلها قد تحصّنوا في معاقلهم، فلم يظفر منهم بشيء فرجع مخفّفا. وخرج في ذلك قائد اليونانيّين يتناول إلى ناحية المشرق فسبى سبيا كثيرا وفتح الحصون وأقبل بنحو من ثلاثين أسيرا من أمراء الشرق، فنفّس ذلك قيصر وحسده، ووقعت الحرب بينهم فكانت الغلبة لقيصر.

فجميع ملوك اليونانية أربعة عشر ملكا، ومدّتهم ثلاثمائة سنة لما قدمناه في نسب الإسكندر، ثمّ غلب هذا الاسم على بني عيصو لمّا ولّوا ملكهم.

وقيل إنّ الروم اسم الأصفر بن المقر بن عيصو والأصفر لقب له، والله أعلم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.