تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ملوك الروم

إنّما سمّي أغشطش قيصر لأنّ أمّه ماتت وهي حامل به فشقّ بطنها عنه، ومعنى قيصر بقر، وكان هذا الملك يفتخر أنّ النّساء لم تلده، وكذلك كان ولده يفتخرون بذلك فجرى عليهم هذا الاسم. وحقيقة هذا اللفظ بالأعجمية جيشر لأن المشقوق يقولون له جاشر، وقد زعم قوم أنه سمّي جيشر لأنّه ولد بشعر تامّ يبلغ عينيه، واسم الشعر بالاعجميّة الفصيحة جشارية، فحرّف فقيل قيصر. وكان ملكه ستّا وخمسين سنة.

ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه ولد المسيح، هذا الصحيح، وقد قيل غيره على ما سنورده إن شاء الله.

قال: ورأيت في مدينة أنطاكية في بعض كنائسها أنّه كان بين ملك الإسكندر ومولد المسيح ﵇ ثلاثمائة وتسع وستّون سنة.

ثمّ ملك بعده طباريوس، فكانت مدّة ملكه اثنتين وعشرين سنة، ولثلاث سنين بقيت منه رفع المسيح.

ثمّ اختلفت بعد ملكه الرّوم وتحزّبت وأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع في المملكة مائتي سنة وثمانيا وتسعين سنة، وهم في ذلك لا يعرفون غير عبادة الأصنام. ثمّ ملّكوا على أنفسهم بعد تلك المدّة ملكا يقال له غايوس، فملك أربع عشرة سنة وهو قاتل بطرس الحواري وبولس المذكورين في سورة يس، وقد ذكرنا خبرهما. وكان بطرس قد سار إلى مدينة رومة داعيا إلى الله ﷿ وإلى الإيمان بالمسيح. ولم يزل غايوس قاتلا للنصارى وأتباع المسيح وكان أكفر ممّن مضى قبله وأجمع لخصال الشرّ. وفي زمانه تفرّق أصحاب عيسى الاثنا عشر في البلاد وتلاميذه الاثنان وسبعون، وقبور الاثني عشر مشهورة في الآفاق. وأكثر القول إنّ الّذين ذكروا في سورة يس منهم.

ثمّ أفضى الملك بعد ملك ثان منهم إلى بشبشيان، وهو أبو طيطش، فبعث ابنه طيطش إلى حرب بني إسرائيل بالشّام، فكانت لهم حروب عظيمة انتهى القتل فيها من بني إسرائيل [إلى] ثلاث مائة ألف، وتفرّقت بنو إسرائيل في البلاد وخرب طيطش بيت المقدس وحرثه بالبقر ومحا أثره وعفا رسمه. ط: غضبا للمسيح. فكان [من] أوّل بنائه إلى خرابه ألف سنة وستّون سنة.

س: وعاقب الله الرّوم من يوم تخريبهم لبيت المقدس بأن جعلهم يسبى كلّ يوم منهم سبي إلى من أطاف ببلادهم من الأمم، فلا يوم من أيّام العالم إلّا والسبي فيهم، قلّ ذلك أو كثر. وفعل ذلك ببيت المقدس لتمام أربعين سنة من رفع عيسى ﵇. وبشبشيان هو الّذي تغلّب على مدينة رومة ودخلها وأشطيش على رخّ واحد، وهلك ملك الرومانيّين على أيديهما وانقادت لهما جميع البلاد، وكانت ولاية بشبشيان عشرة أعوام.

ثمّ ملك بعده ابنه طيطش، فكان أحكم ملوك أهل المجوسية باللسان الإغريقي، وأكثرهم تفنّنا في العلوم، وكان ملتزما بخصال الخير وخصال المكارم، وكان اليوم الّذي لا يفكّ فيه أسيرا أو يغني فقيرا أو يغيث ملهوفا لا يراه من ملكه ولا يؤرّخه، وكانت ولايته عامين فعظم على

الناس فقده. ثمّ ملك بعده أخوه دومطيانس، فكانت دولته جامعة لكلّ شرّ ونفى يحيى الحواري إلى بعض الجزائر.

ثمّ ملك بعده قيصر أنطونيش فومي، فأصلح ما أفسده الّذي قبله وأمر بإخراج يحيى الحواري من الجزيرة، وصرف النظر إلى كورهم وكان الّذي قبله أنفاهم. وأوصى بعده إلى وطريان- وكان أندلسيّا- وقيصر وطريان الأندلسي، وكان مظفّرا، ذلّ أجناسا كثيرة وعبر الفرات وغلب على كور كثيرة. وفي سنة ثلاث عشرة من دولته كوّر كور أرمينية وكور مورقة وكور الكوفة، وولّى بطشة (؟).

وولّي بعده قيصر أنطونيش، وهو الملقّب بالرحيم لما كان عليه من حسن السيرة والرأفة بجميع المسلمين، وأسقط المغارم عن جميع أهل مملكته، وفي زمانه عظم أمر جالينوس الطبيب بمدينة رومة، ومولده في برغنة، وولي أنطونيش اثنتي عشرة سنة.

وولّي بعده ثلاثة ملوك منهم نحو خمسين عاما. ثمّ كان أنطونيش الأصغر، وفي زمانه كان تنعش المترجم وبرجوس الأسقف في بيت المقدس وظهرت على يديه عجائب، وكان إذ ذاك أوريان العالم. وولّي أنطونيش الأصغر سبع سنين ثمّ ولّي قيصر مقرن أربعة أعوام وكان فاسدا مفسدا. ثمّ قيصر

الإسكندر، وكانت أمّه نصرانيّة، وهو الّذي قتل ملك الفرس، وولّي ثلاثة أعوام. ثمّ قيصر فيلبس، وزعم بعضهم أنه أوّل من تنصّر دين ملوك الرومانيّين. وفي السّنة الثّانية من ولايته تمّ لرومة ألف سنة، فعيّد عيدا عظيما على ملك النصرانية. وولّي سبعة أعوام.

وأفضى الأمر بعده إلى عدّة ملوك، منهم إلى دقيوس، فملك ستّين سنة، وكان ممعنا في قتل النصرانية ومنه هرب أصحاب الكهف وهم أصحاب الرقيم. وقال جماعة: أصحاب الكهف غير أصحاب الرقيم وكلا موضعيهم ببلاد الروم. وذكر أحمد بن موسى المنجّم حين أنفذه الواثق بالله إلى بلاد الروم أنّه أشرف على أصحاب الرقيم بحارمى في بلاد الروم.

ولم تزل الأمم كذلك وهي عبدة الأوثان إلّا ما ذكر بعضهم عن فيلبس إلى أن تولّى الأمر قسطنطين المتنصّر المؤمن بعيسى.

فعدد ملوك الروم إلى قسطنطين [تسعة وأربعون ملكا] ومدّة مملكتهم [أربعمائة سنة وسبع وثلاثون سنة]. وبنيت مدينة رومة قبل ملكهم بأربعمائة سنة. والّذي ذكرنا قبل هذا أصحّ.

وهو الّذي (أمضى أنيا يولش) الحواري بالأندلس ومدينة ماردة وإشبيلية وقرمونة في ذلك العصر، وهو الّذي يحكى عنه في الإنجيل أنّه ملك أكثر الأرض وخضعت له ملوكها كخضوعها للإسكندر، وهو الّذي أقبل

إلى الأندلس فسلّمها وأخذ جلّ خيارها فقطع أيديهم وأرجلهم، وهو الّذي بلّط نهر رومة بالصفر فأرخت منه الأعاجم.

وملك قسطنطين بن هلانى فدخل دين النّصرانية، وخرج من رومة لسنة خلت من ملكه، وهو أوّل ملك خرج منهم من رومة، وكان ذلك لخوف داخله من بعض آل ساسان، فبنى القسطنطينية وسمّاها باسمه.

ولسبع [سنين خلت] من ملكه خرجت أمّه هلانى إلى الشّام وبنت البيع والكنائس وطلبت الخشبة الّتي صلب عليها عيسى بن مريم ﵇ بزعمهم، وعذّبت عليها اليهود حتّى خبّرها شيخ منهم عنها أنّها [في] سباطة هناك. فاستخرجتها وحلّتها بالذهب والفضّة واتّخذت لوجودها عيدا عظيما، وذلك عيد الصليب، وذلك لأربع عشرة ليلة من أيلول. وفي هذا اليوم تفتح الخلجان للنّيل ببلاد مصر. واستخرجت هلاني الكنوز والأموال من بلاد مصر والشّام وذخائر الملوك فصرّفتها إلى بناء الكنائس وتشييد دين النصرانية، فكلّ كنيسة بالشام ومصر وبلاد الروم فمن بنائها، وهي الّتي بنت كنيسة حمص تحملها أربعة أركان، وهي من عجائب العالم. وليس للروم (في حروفهم هاء) وأحرف هلاني خمسة، فالأوّل الهاء، وهي بحساب الجمّل خمسة، وهو إلى آخره مائة.

ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا وأقاموا دين النصرانية، وهذا أوّل الاجتماعات الستّة الّتي تذكرها الروم وهو أعظمها.

وكان أوّل دخول قسطنطين في النصرانية لرؤيا رآها، وذلك أنّ ملك برجان كان مظفّرا عليه، فرأى في منامه أنّه يرفع الصلبان عليه في رماحه فيظفر به، ففعل ذلك وصحّت رؤياه. وقيل إنّه إنّما تنصّر لأنّه كان ظهر به جذام فأبرأه أسقف رومة بالدّعاء دون دواء بعد أن أعياه علاجه. فلم يقدر أن يظهر النصرانية برومة، فبنى القسطنطينية على حسب ما بيّناه في كتاب الممالك.

وفي زمان قسطنطين هذا كان أريش الخارجي، وفي زمانه كان اجتماع الأساقفة على لعن أريش. وملك نيّفا وثلاثين سنة، وقيل خمسا وعشرين سنة.

وملك بعد قسطنطين الأكبر لليانش، فرجع إلى عبادة الأوثان وكان يريد الاحتيال في قطع دين النصرانية إلّا أنّه كان لا يجاهر بذلك لأنّ أمرها كان قد قوي، وأمر بإخراج أهل دين النصرانية من الديوان. وغزا بلاد الفرس في ملك سابور بن أردشير، وجعل لأوثانه نذرا إن جاء ظافرا أن يقتل النصارى، وأتاه سهم غرب فذبحه.

ثمّ رجع أمرهم إلى النصرانية والملك منهم في هذا البيت. ثمّ ملك بعد لليانش بنتنيان، وفي زمانه قدمت القوط على أنفسهم أدريمز أخاه

فاستمرّ قيصر لسنين (؟) ورغب في طاعته فأيّده حتّى ظفر بأخيه، فرغب حين ذلك في دين النصرانية، فبعث إليه قيصر قوما يعلّمونه النصرانية على نارحة أريش، وهو كان مذهب بنتنيان. ثمّ ظهرت أنقلش إثر ذلك على القوط وضيّقوا عليهم حتّى أخرجوهم من بلدهم، فاستغاثوا قيصر، فتوسّع لهم في بلد طراخية فسكنوه على الطوع منهم. فلمّا أفرط عمّال قيصر عليهم باللوازم أشهروا نفاقهم، فغزاهم قيصر فقتلوه. وكانت ولايته ...

ثمّ ملك بعده قيصر طدوش الأندلسي، وكان من أهل الفضل والتقى، فنصّره الله وأعانه على الرومانيّين بالريح، فهزم في قليل من أصحابه عددا عظيما منهم. ففي ذلك قال شاعرهم:

من ذا يحاربهوالرّيح تنصره

هكذا ذكروا في كتبهم، وغزا القوط فقتلهم، قتل منهم عددا كثيرا، وضيّق على الرومانيّين حتّى أتاه اللّذريق ملكهم خاضعا نازعا عمّا كان عليه، فقبل خضوعه فتوسّع لهم وانصرف عن حربهم. ومات طدوش بقسطنطينية إلى ستّة عشر يوما من وصوله إليها، وكانت مملكة طدوش أحد عشر عاما. وبعد عشرين عاما غلب أدريق على رومة، وهي بعد ثغر من ثغور قيصر، وانتهبها ثلاثة أيّام ثمّ خرج عنها.

وقلّد في مملكته قيصر أنورش وعليه طدوش الأصغر، وهو الّذي ملك بعد أنورش على أنطاكية، فخرج عنها أدريق إلى غالش.

وأوّل من ملك من القوط بالأندلس حدريفش وكانت داره ماردة، فحشد القوط من أخبرهم بماردة وأقبل لمحاربة قرطبة، فلمّا التحمت الحرب قتل ولده وذهب أكثر رجاله. ثمّ ملك القوط بعده ركديد وكانت داره طليطلة.

وركديد هو الّذي رجع عن خارجية القوط إلى جماعة النصرانية.

قال المؤرّخون من العلماء: لم يزل الأمر في أهل بيت قسطنطين بن هلانى إلى أن ولي أمرهم بندقسوس، ويقال بنداسيس الأكبر، ولم يكن من أهل بيت المملكة. وفي زمانه استيقظ أهل الكهف، وكان من الأشبان. وقال الواقدي وابن خرداذبه: هم ناقلة من إصبهان. ومن هؤلاء اللّذارقة ملوك الأندلس، وكان الملك منهم يترساسيس الأصغر.

وفي زمانه افترقت مذاهب النصارى، فتفرّق النصارى النسطورية على مذهب نسطارس، وهم المشارقة من النصارى، وهو الّذي تكلّم في اتّحاد اللاهوت القديم بالناسوت المحدث، واليعاقبة بمصر وأنطاكية والشّام وتكريت، والملكية وهم بقسطنطينية والروم. ويعقوب كان من أهل أنطاكية برذعي يصنع البراذع.

ثمّ اختلفت ملوكهم في اعتقاد هذه المذاهب بعد ذلك، ولم يزالوا يتوارثون الملك إلى أن أفضى الملك إلى هرقل. ولسبع سنين من ملكه كانت هجرة النبي ﷺ، وهو الّذي ضرب الدنانير الهرقليّة وإليه انتهت الهرقلية.

وملك خمس عشرة سنة، وهو هرقل بن يوسطين وكان أبوه ملكا أيضا.

وفي كتاب السّير أيضا أنّ رسول الله ﷺ هاجر وملك الروم قيصر بن فوق.

وبقي هرقل حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر ﵄. ثمّ ملك بعده موريق، وقيل إنّ هرقل بقي الى آخر أيّام عمر على ما ذكرناه، وقيل إنّه هرقل آخر. ولا شكّ أنّ المملكة كانت في هرقل إذا استفتحت الشّام هذا أو غيره، فبقي إلى أيّام عمر، فكان موريق زمان عثمان رضه.

ثمّ ملك بعده ابنه جبرون بن وافاوى إلى خلافة عمر بن عبد العزيز. فلمّا كان من أمر مسلمة ما كان اضطربت مملكة الروم وانحرفت ووليّهم من غير أهل بيت المملكة، ولم تزل كذلك إلى أن وليهم قسطنطين بن أليون، وهو من ملوكهم الأخيرة المختلف في نسبهم، وذلك أيّام المنصور. ثمّ ابنه أليون أيّام المهدي والهادي، ثمّ قسطنطين بن أليون وأمّه كانت ملكة مشاركة له لصغره، وسملت عيناه فبقي ملكا بعض أيّام الرشيد.

ثمّ نقفور بن استبراق باقي زمان الرشيد وغزاه، فكانت بينهما حروب

وانقاد له. ثمّ نقض وكتم [عن] الرشيد ذلك لعلّة كانت به. فلمّا استقلّ دخل شاعر عليه فقال:

نقض الّذي أعطاكه نقفوروعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّهفتح أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرّعيّة إذ أتىبالغدر عنه وافد وبشير

فقال الرشيد: أوقد فعل. فغزاه واستفتح في غزوته تلك هرقلة، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:

ألا نادت هرقلة بالخرابمن الملك الموفّق للصّواب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا نادت هرقلة بالخراب»
أمير المؤمنين ظفرت فاسلموابشر بالغنيمة والإياب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا نادت هرقلة بالخراب»

وانقاد نقفور بعد ذلك، وكان استفتاح الرشيد لهرقلة سنة تسعين ومائة بعد حصار وقصّة طويلة.

قال أبو العبّاس: أخبرني شبل الترجمان قال: كنت مع الرشيد حين نزل على هرقلة، فلمّا افتتحها رأيت حجرا منصوبا مكتوبا عليه باليونانية، فجعلت أترجمه وأمير المؤمنين ينظر إليّ وأنا لا أعلم، فإذا تأريخه زائد على ألفي سنة من ذلك اليوم وهو: باسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليّها، ولا يحملك إفراط السرور على المأثم ولا تحمل على نفسك همّ يوم لم يأت، فإنّه إن يك من أجلك يأتي الله فيه برزقك، ولا تكن مغرورا بجمع المال، فكم قد رأينا جامعا لبعل خليلته ومقتّرا على نفسه توفيرا لغيره. وكانت للرشيد بعد هذا مع نقفور أخبار كثيرة.

ثمّ ملك بعده ابنه استبراق، ثمّ ابن ابنه نقفور إلى أن تغلّب على الملك قسطنطين بن فكنط»

زمان المأمون. ثمّ توفيل زمان المعتصم، وهو الّذي فتح زبطرة، وفي مملكته فتح المعتصم عمّورية. وكان الملك في ذرّيته إلى أن تغلّب بسيل الصّقلي ولم يكن من أهل بيت المملكة، وذلك زمان المهتدي والمعتمد.

قال س: وبقي الأمر في ولده إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وقال المؤلف لهذا الكتاب: كان آخرهم قسطنطين بن أليون بن لاوى بن بسيل.

وولّي بعده ابنه صغيرا، فغلب عليه رومانوس بطريق البحر وزوّجه ابنته، وبقي الروم كذلك أيّام المقتدر والقاهر والراضي والمتّقي. فلمّا كانت سنة اثنتين وخمسين توفّي رومانوس المتغلّب على ملك الروم. وكان نقفور الدمستق في حين موته غائبا بالجيوش التي أخرجه رومانوس بها، فتغلّب على أكثرها، ففي خروجه إلى القسطنطينية ملّكته الروم أمرهم، وتزوّج امرأة رومانوس، ولم يبلغ إلينا من أيّ بيت هو وكانت ولايته لسبع مضين من رجب من العام المذكور.

وفي شعبان تغلّبوا على طرسوس وما والاها، وأخليت ثغور الشام إلّا ممّن رضي بالجزية أن يؤدّيها من المسلمين، وعمّرت طرطوس وما والاها

بالروم. فلمّا كانت سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة زحف ابن نوح صاحب خراسان بعساكر جرّارة إلى طرسوس وأوقع بالروم وهزمهم، وجاوز الدرب إلى أرض الشام إلى القسطنطينية، فلقي المشركين بجيوشهم وعليهم ابن الشمشكي بطريق نقفور، فمنح الله المسلمين النصر عليهم فلم ينج ابن الشمشكي إلّا وحده. ثمّ جيّش نقفور جيشا احتفل فيه لنصر ابن الشمشكي، وتوخّوا أن يلتقوا بالمسلمين يوم غمام لما رجوه من الظفر عليهم، فكان خلاف ما أملوه فصاروا من الضرب والطعن والمجالدة بالسيوف إلى المعانقة والمقابضة بالأيدي والتقابض بالشعور. فما حجز بينهم إلّا الليل وثبت المسلمون في مصافّهم وباتوا على ظهر دوابّهم وناجزوهم بجدّ وحدّ وعزم وحزم، فإذا الأرض قد غصّت بجيفتهم ولا أثر لمن بقي منهم ولا عين. قد تفرّقوا في جنح الليل، وافتتح ابن نوح قلاعا كثيرة ممّا كان تغلّب عليها الطاغية منها مرعش وبلولة وغيرهما.

وفي سنة ثمان وخمسين تغلّب العدوّ على أنطاكية وخيّر أهلها بين المقام على أداء الجزية أو الخروج إلى أرض الشّام، فرضي بالجزية خلق كثير. ولمّا جاء البشير إلى نقفور بذلك عاقبه وغمّه ذلك لأنّه كان يرى في علم الحدثان [أنّ] الّذي تفتح أنطاكية على يديه يهلك سريعا. فقتله الله سنة تسع وخمسين، فقتل في قصره وعلى سرير ملكه، عملت في قتله امرأته الّتي كانت قبله لرومانوس على يدي قائده ابن الشمشكي، فقتلوه ليلا. وكان سبب ذلك أنّ ابنها من رومانوس واسمه بسيل لمّا أدرك أراد نقفور أن يخصّيه ويلزمه الكنيسة العظمى لينفرد هو بالملك ويخرج عقب رومانوس منه، فلمّا علمت عزمه على ذلك سعت في قتله، فتمّ لها ذلك وولّي الأمر ابن الشمشكي ودانت له النصرانية. ثمّ ملك بعده بسيل بن رومانوس، وهو الملك الملقّب بالرحيم، فكان ملكه أربعا وأربعين سنة، وكان أكره الناس لإراقة الدّماء، وزعموا أنّه كان ممّن لا يرون إراقة دماء الحيوان ولا أكله.

ثمّ ملك بعده أخوه قسطنطين يسيرا، ثمّ رومانوس بن باسيلى أربع [سنين]، ثمّ أخته بودرة ابنة باسيلى أربع عشرة سنة، ثمّ أختها دونة سبع سنين، ثمّ سالخونة إحدى عشرة سنة، ثمّ قيمانوس. ثمّ ذوقرش، وهو باق إلى اليوم وهو سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.

فصل: وكان صاحب صقلية وإفريقية قبل ظهور الإسلام يدعى جرجير، وصاحب الأندلس لذريق، وكانا من الأشبان، وأهل الأندلس يقولون إنّ لذريق كان من الجلالقة.

وأرض السودان من أرض الحبشة إلى آخر بلاد إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي من أرض المغرب، وهي بلاد تلمسان وتاهرت.

وزعموا أنّ بلاد السودان مسيرة سبع سنين وأنّ أرض [مصر] كلّها جزء واحد من ستّين جزءا منها. ويتّصل بالسّوس الأقصى وبينه وبين السّوس الأدنى عشرون يوما رمال ومفاوز فيها المدينة المعروفة بمدينة النّحاس وقباب الرّصاص الّتي صار إليها موسى بن نصير في مدّة الوليد بن عبد الملك وما رأى

فيها من العجائب. وفيها قوم من الأشبان عمّروا تلك الديار. والوصول إليها ممتنع، بل لا سبيل إليها. والله أعلم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.