تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر ممالك السودان

صار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتّى قطعوا نيل مصر، ثمّ افترقوا فصارت منهم طائفة إلى المشرق وطائفة إلى المغرب، فمن المشرق النوبة والبجاة والزّنج والحبشة، فمن المغرب الزّغاوة والمفافوا ومركة وكوكو وغانة وغيرهم من أنواع الأحابيش والزنج، أصناف منهم مكير وبربر، وهم غير البربر [الّذين في بلاد المغرب] والمشكر وغيرهم.

وبحر السودان والزنج والأحابيش وغيرهم وهو عن يمين الهند.

وقطعت الزنج دون الأحابيش الخليج المنفصل من أعلى النّيل الّذي يصبّ إلى بحر الزنج، فسكنت في ذلك الصقع واتّصلت مساكنهم [إلى بلاد سفالة واتّخذها الزنج] دار مملكة، وسمة ملكهم وفليمي، وهو ملك ملوك سائر الزنوج ومعناه ابن الربّ، تعالى الربّ عن قولهم علّوا كبيرا، ومعناه أنّه اختاره لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عندهم أو حاد عن الحقّ قتلوه وحرموا عقبه الملك. ويزعمون أنّه إذا فعل ذلك ملك فقد بطل أن يكون ابن الربّ الّذي هو ملك السماء والأرض. ويركب وفليمي في ثلاثمائة

ألف فارس دوابّهم البقر، وليس في أرضهم خيل ولا بغال ولا حمير ولا إبل، ولا يعرفون شيئا منها.

والزنج أطيب الأمم أفواها لرطوبة أفواههم وكثرة الريق فيها، ومن دخل بلاد الزنج فلا بدّ له أن [يجرب].

ومن أرضهم يحمل الذبل من ظهور سلاحفهم، وفي بلادهم تكون الزّرافة وهي من الدوابّ الّتي تألف وتتودّد إليها، ومنها تحمل وتهدى إلى الملوك.

وعندهم جلود النمور الحمر وهي لباسهم. وبلادهم أكثر بلاد الله فيلة، إلّا أنّها وحشية لا تنقاد ولا يستعملونها وهم يقتلونها بشجر يطرحونه في مشاربها يسكرها، فتقع ولا مفاصل لها، فيخرجون إليها بأعظم ما يكون من الحراب فيقتلونها لأخذ أنيابها. فمن أرضهم تجهّز أنياب الفيلة إلى الآفاق، وأكثر ما يجهّز به إلى بلاد عمان وإلى سائر البلدان، وأكثر ما يستعمل العاج بأرض الصين لأنّهم يتّخذون منه الأعمدة فبها يدخلون على ملوكهم، ولا يدخل عليهم أحد من حشمهم وقوّادهم بحديد، ويستعملونه أيضا في دخن بيوت أصنامهم وأبخرة هياكلهم. وأهل الصين لا يتّخذون الفيلة في الحروب كاتّخاذ الهند ويتطيّرون بذلك لخبر كان لهم في قديم الزمان في بعض حروبهم. ويستعمل من أنيابها كثير البلاد- بلاد الهند- الشطرنج والنرد، وصور الشطرنج عندهم لا يصرفها اللّاعب بها إلا قائما لكبرها. ولاستعمال الفيلة في سائر مواضعها من الممالك لحاجتهم إليها لا يقتلونها قال: ولعب أهل

الهند بالنرد والشطرنج قمار، وإذا أنفذ ما مع اللّاعب لعب على قطع أعضاء جسمه إصبعا إصبعا حتّى ربّما أتى على الزند والذراع، ولهم دهن أحمر مركّب يغلى ويغمس فيه موضع القطع فيمسك الدم ويدمل لحينه ويعود صاحب القطع إلى لعبه ولا يكترث.

ويعمّر الفيل بأرض الزنج نحوا من أربعمائة عام ولا ينتهي عمره في سائر مواضعه [إلى] هذا. وحدّثني غير واحد عن أبي ذرّ عن ابن أحمد بن محمود شختكين صاحب غزنه وما والاها من البلاد أنّه أصاب في تصيّده ...

أوسع مملكة من الآخر وأهله أصفى ألوانا وأحسن زيّا، وملوكهم يزعمون أنّهم من حمير، قاله المسعودي في أخبار مصر، وسمة ملوكهم ...

وهم نصارى يعقوبيّة ويقرءون الإنجيل بلسان الروم الملكانيّة، وهم لا يطأون في الحيضة ويغتسلون من الجنابة، وملوكهم يتّخذون الخيل العتاق، (وركوب عوامّهم) البراذين، ولهم النخل والكرم والذرّة والحنطة والموز والأترج عندهم كثير. وغربي بلادهم يسقيها النيل وهناك غياض كثيرة، وحوالي هذه معادن الذهب والفضّة.

وتسير من دنقلة في شعاب وجبال حتّى تنتهي إلى سوبة وهي آخر بلادهم، وهي مدينة كبيرة على شاطئ النيل. والزّرافات في بلاد النوبة كثيرة ويتّخذون من جلودها للنعل يلبسونها فلا تكاد تنقطع إلّا في الدهر الطويل.

وبين بلادهم وأسوان قردة صغار في مقدار الهرّة يسمّونها النسناس، والإبل

في بلادهم صغيرة الخلق قصيرة القوام، والنمر عندهم عظيمة الخلق بخلاف ما عهد منهم. وهم يتكاتبون في ورق الموز. وقيل إنّ في بلادهم نهر يسمّى نوبة وبه سمّوا. وقال الأكثرون إنّهم من ولد نوب بن قوطي بن مصر بن نيصر بن حام. وجميع من سكن على النيل محارب للمسلمين إلّا القبط والنوبة.

وقال يزيد بن أبي حبيب إنّ النوبة ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا ميثاق، وإنّما هو أمان لبعضهم من بعض على أن يؤدّوا كذا وكذا رأسا، وذكر بعض المصريّين أنّه قرأ في بعض الدّواوين بالفسطاط قبل أن تحرق عهودهم على ما يؤدّونه الآن.

وبدء اتّصال مملكتهم بأرض أسوان موضع يعرف بمريس، ولمّا افتتحت مصر أمر عمر أن تغزى النوبة، فوجدهم المسلمون يرمون الحدق، فذهبوا إلى المصالحة فأبى عمرو بن العاص من مصالحتهم حتّى صرف عن مصر ووليها عبد الله بن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين، فقاتلوه قتالا شديدا فأصيبت عين معاوية بن حديج وعين أبي شمر بن أبرهة وأعين جماعة من المسلمين، فحينئذ سمّوا رماة الحدق. وقال الشاعر::

لم تر عيني مثل يوم دنقلةوالخيل تعدو بالدّروع مثقلة

ومنهم تعلّم الرمي أهل الحجاز واليمن، فصالحهم عبد الله بن أبي سرح على رؤوس من السبي معلومة ممّا يسبيه هذا الملك المجاور للمسلمين من غيرها

من الممالك المجاورة له، وعدد ذلك ثلاثمائة وخمسة وستّون رأسا، وإنّما أرادوا عدد أيّام السنة، وهي جارية إلى الآن، وللأمير بمصر عدد ولعامله بأسوان عدد وللحاكم بها عدد يبلغ نحو الثمانين رأسا.

بلد أسوان أهله العرب من قحطان وربيعة ومضر وقريش ناقلة من الحجاز، وهو بلد خصيب كثير النخل، توضع النّواة في تربته فتنبت نخلة تثمر لسنتين تمرا، وبلاد البصرة وغيرها لا تغرس النخل فيها إلّا في الفسيل وما يخرج من النواة فليس يثمر. ولأهل أسوان في بلاد مريس من أرض النوبة ضياع كثيرة ابتاعوها منهم في زمن بني أميّة يؤدّون خراجها إلى ملك النوبة.

وقال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود ذا مشافر. ومن النوبة النساء المعروفات بالمقوّرات لا يقدر أحد على افتضاض أبكارهنّ ولا مباشرتهنّ حتّى تفتق القوابل عن قبلهنّ بقدر ما يحتاج الوطء، وهنّ أطيب النساء خلوة، فإذا حملت المرأة منهنّ وقرب الوضع زادت القوابل (في شقّ) ذلك المكان، فإذا وضعت عادت تلك الزيادة بالأدوية حتّى تلتئم. أخبرني بذلك جماعة من الثقات عن جماعة من النساء المجاورات لمكّة، أنّهنّ رأين ذلك وشاهدنه. ومملكة الزغاوة تحاذي مملكة النوبة على ضفّة النيل الثانية.

وأمّا البجاة فإنّها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعّبوا فرقا وملّكوا عليهم ملوكا، وتتّصل سراياهم على النجب ببلاد النوبة فيغيرون ويسبون،

وبين بلادهم وبين بلاد النوبة جبال منيعة جدّا. وقد كانت النوبة أشدّ منهم إلى أن ساكن البجاة جماعة من المسلمين لمعادن الذهب الّتي عندهم، واستوطنها خلق من العرب من ربيعة وتزوّجوا في البجاة، فاشتدّت شوكتهم بهم. وصاحب المعادن في وقتنا هذا من المسلمين أبو مروان بشر بن إسحاق من ربيعة يركب في ثلاثة آلاف فارس من ربيعة وأحلافها. وببلاد البجاة تتّصل معدن الزمرّد، وهو موضع يعرف بالخربة، مفاوز وجبال تحميه البجاة، وهو متّصل بالصّعيد الأعلى من أعلى مدينة قفط، وإنّ البجاة تؤدّي الخفارات من يرد لحفر الزمرّد، وبين موضع معدنه والنّيل أكثر من عشرين مرحلة.

وبين هذا الموضع والعمران مسيرة سبعة أيّام، وهي مدينة قفط، والخراب عليها أكثر من العمارة، والجبل الّذي فيه هذه المعادن الّتي يوجد فيها الزمرّد متّصل بجبل المقطّم الّذي على مصر. ولا يعرف معدن الزمرّد سواه إلّا ببلاد البلّهرى من أرض الهند ولا يلحق بهذا، والهندي يعرف بالمكّي لأنّه يحمل إلى عدن ويؤتى به مكّة، فاشتهر بهذا الاسم.

والزمرّد الّذي يقلع من الخربة يتنوّع أربعة أنواع، فأعلاها الّذي يعرف بالمرّ، وهو كثير المائية تشبه خضرته بأخضر ما يكون من السلق لا يميل إلى شيء من السواد. واللّون الثّاني البحري، وهو في نوع ورق الآس، وإنّما غلب عليه هذا الاسم لأنّ ملوك البحر من الهند والسند والصين ترغب فيه. والنّوع الثّالث يعرف بالمغربي لأنّ ملوك الغرب من الإفرنجة والأندلس والجلالقة والبشكنش والصقالبة والرّوس يتنافسون فيه. والنّوع الرّابع يسمّى بالأصمّ، وهو أدناها وأقلّها ثمنا لقلّة مائه وخضرته ولكدرته. وأكثر حجارة الزمرّد الخالص (إذا رأته الحيّات) سالت أحداقها، وإنّ الملسوع إذا سقي منه

وزن دانق أو دانقين أمن على نفسه. وقد كانت ملوك اليونانيّين أرباب الحكمة تفضّله على سائر الأحجار طرّا وأهل العلم يقولون إنّ شعاعه النّوري وخضرته تقوى بزيادة القمر وامتلائه.

والبجاة جنس من الحبش، لهم قلاع كثيرة واسم مدينة ملكهم هجر، وهم أصحاب إبل ولهم حراب يحاربون بها على إبلهم، وهم عبدة أوثان، ولهم صنم من حجارة في صورة الصبي يسجدون له، وأحكامهم أحكام التوراة.

ولم يكن للبجاة عهد ولا صلح، وأوّل من صالحهم عبيد الله بن الجبهات، ويزعم بعض الشيوخ أنّه قرأ في كتاب ابن الجبهات فإذا فيه ثلاثمائة بكر كلّ عام حين ينزلون الرّيف مجتازين تجّارا غير مقيمين على أن لا يقتلوا مسلما ولا ذميّا، وإن قتلوا فلا عهد لهم، ولا يؤوا عبيد المسلمين وأن يردّوا أبّاقهم. واسم بلاد البجاة بغلال، وأوّل ممالك البجاة من حدّ أسوان ومدينتهم يقال لها هجر.

وأمّا الحبشة فاسم دار مملكتهم كعبر وسمة ملكهم النّجاشي، وفيها كان الّذي آمن برسول الله ﷺ، وهم من ولد حبش بن كوشن بن حام، وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة تتّصل بالبحر الحبشي، ومن مدائنهم المشهورة مدينة تسمّى علوة. وساحل الحبشة مقابل لبلاد اليمن، وهم على شاطئ البحر الغربي وأقرب عرض البحر هناك ثلاثة أيّام، وهو على ساحل زبيد من أرض اليمن، ومن هذا المكان عبرت الحبشة البحر إلى اليمن في أيّام ذي نواس، وهو صاحب الأخدود.

وبين هذين الساحلين جزيرة العقل فيها ماء يعرف بماء العقل يستقي منها أهل المراكب ويفعل في القرائح فعلا عظيما، وذكرت الفلاسفة خواصّ هذا الماء وتأثيره. وقد غلب ابن زياد على هذه الجزيرة وله فيها رجال مرتّبون. وفي هذا البحر ممّا يلي بلاد عدن جزيرة سقطرة، وإليها يضاف الصّبر لا يوجد في غيرها، وقد كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر يوصيه بهذه الجزيرة، وأن يبعث إليها جماعة من اليونانيّين يسكنهم فيها لئلّا يغلبوا عليها في سائر الأعصر مراعاة للصّبر، ففعل الإسكندر ذلك فليس في الدّنيا- والله أعلم- موضع فيه قوم من اليونانيّين يحفظون أنسابهم، لم يداخلهم فيها رومي ولا غيره إلّا أهل هذه الجزيرة وهم نصارى. ولهذه الجزيرة أخبار عجيبة من خواصّ النبات.

وبلاد الحبشة واسعة جدّا، ويتجهّز إليهم التجّار بالأمتعة من مصر واليمن وما يجاورها من بلاد الزّيلع وباضع وسواكن ودهلك. وفي هذه المدائن والجزائر المسلمون والمساجد والحكّام، ومراكب صاحب زبيد وعلائقه من ساحل اليمن تختلف إلى ساحل الحبشة وإلى بلاد النوبة، وبينهم وبين الحبشة مهادنة، ومن بلاد الحبشة إلى بلاد النوبة مسيرة شهر.

وللحبشة حذق ومعرفة يتباينون بها من سائر قبائل السّودان، وهم أجمل السودان ولهم القناء والكحل والشعور المسترسلة، وليس فيهم من ذفر السودان شيء، وأكثرهم نصارى، وهم يكوون جباههم ومنهم من يكوي وجهه وعفنونه.

وفي أقاصي بلاد الحبشة قوم يمشون على أربع كالدوابّ، لا تطول أعمارهم.

ومخاطبات الحبشة وجميع ما عندهم من الكتب في فنون العلم إنّما هو في ورق الموز. أخبرني من رأى تواريخها ممّا نفذ إلى بلاد الإسلام منها ما يدلّ على بقائها وقلّة تغيّرها.

وأمّا غير هؤلاء من الحبشة المقدّمين مثل الزّغاوة والكوكو وغيرهم فلهم ممالك هناك قد أتي على ذكرها في غير هذا الكتاب.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.