تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر الصقالب

الصقالب من ولد ماذاي بن يافث، ومساكنهم من الشّمال إلى أن تتّصل بالمغرب. وقال إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي: بلاد الصقالب متّصلة من البحر الشّامي إلى البحر المحيط إلى الشمال، فتغلّب قبائل الجوف على بعضها وسكنوا حتّى الآن فيما بينهم، وهم أجناس كثيرة مختلفة. وقد كانوا فيما سلف يجمعهم ملك سمته ماخا، وكان من جنس منهم يدعى وليتابا وهذا الجنس معظّم فيهم، ثمّ اختلفت كلمتهم فزال نظامهم وتحزّبت أجناسهم وملّك كلّ جنس منهم ملك. وملوكهم الآن أربعة: ملك البلغارين

وبويصلاو ملك فراغة وبويمة وكراكو، ومشقه ملك الجوف، وناقون في آخر المغرب.

وجاور بلد ناقون في المغرب سكسن وبعض مرمان، وبلده رخيص الأسعار كثير الخيل ومنها يخرج إلى غيرها، ولهم سلاح شاكّ من الدروع والبيضات والسيوف.

فمن برغ إلى ما يليه عشرة أميال، ثمّ إلى الجسر خمسون ميلا، وهو جسر من خشب في طوله ميل، ومن الجسر إلى حصن ناقون نحو أربعين ميلا، ويسمّى غراد وترجمته الحصن الكبير، وفي قبل غراد حصن مبني في بحيرة عذبة الماء. وكذلك تبني الصقالبة أكثر حصونهم، تعمد إلى المروج الكثيرة المياه والآجام، فتخطّ فيه خطّا مستديرا أو مربّعا قدر ما تريد من شكل الحصن وسعة ساحته، وتحفر حواليه وتردم بالتراب المحفور، وقد أوثق بالألواح والخشب على مثال الطوابي حتّى يبلغ السور إلى الغاية الّتي تريد وتذرع له بابا من أيّ شقّ شاء، وتختلف إليه على جسر من خشب. ومن حصن غراد إلى البحر المحيط أحد عشر ميلا، ولا تنفذ العساكر في بلاد ناقون إلّا بالجهد الشّديد، لأنّ بلده كلّه متمرّج وآجام وحمأة.

وأمّا بلد بويصلاو فطوله من مدينة فراغة إلى مدينة كراكو مسيرة ثلاث جمعات، وهو مجاور في الطول لبلاد الأتراك. ومدينة فراغة مبنية على [نهر هناك] بالحجر والجير، وهي أكثر البلاد متاجر تأتيها من مدينة كراكو الروس والصقالبة بالمتاجر، ويأتيهم من بلاد الأتراك والإسلام اليهود والترك بالمتاجر أيضا والمثاقيل المرقّطية، فيحملون من عندهم الرقيق والقزدير وضروب الأوبار. وبلادهم أطيب بلاد أهل الجوف وأزكاها معيشة يباع القمح عندهم بقنشار ما يكتفي به المرء أشهرا، ويباع عندهم الشعير بقنشار علف أربعين ليلة لدابّة، ويباع عندهم عشر دجاجات بقنشار. وبمدينة فراغة تصنع السّروج واللّجم والدرق المستعملة والمتّخذة في بلادهم.

وتصنع في بلاد بويمة منيدلات خفاف مهلّلة النسج على هيئة الشبكة لا تصلح لشيء، وثمنها عندهم في كلّ زمان عشرة مناديل بقنشار بها يتبايعون ويتعاملون يملكون منها الأوعية، وهي عندهم مال وأثمن الأشياء يبتاع بها:

الحنطة والرقيق والخيل والذهب والفضّة وجميع الأشياء. ومن العجيب أنّ أهل بويمة سمر سود الشعور، والشقرة فيهم قليلة.

والطريق من ماذي برغ إلى بلاد بويصلاو: منه إلى حصن قليوى عشرة أميال، ومنه إلى نوب غراد ميلان، وهو حصن مبني بالحجارة والصاروج وهو على نهر صلاوة، وفيه يقع نهر بوده، ومن حصن نوب غراد إلى ملّاحة اليهود، وهي على نهر صلاوة أيضا، ثلاثون ميلا، ومنها إلى حصن بورجين، وهو على نهر ملداوة، ومنه إلى طرف الشعراء خمسة وعشرون ميلا، ومن أوّلها إلى آخرها أربعون ميلا في جبال وأوعار، ومنها [إلى] جسر من خشب على حمأة نحو الميلين، ومن آخر الشعراء يدخل مدينة فراغة.

فأمّا بلد مشقه فهو أوسع بلادهم، وهو كثير الطعام واللحم والعسل والحرث وجبايته المثاقيل المرقّطية، وهي أرزاق رجاله في كلّ شهر لكلّ واحد عدد معروف منها، وله ثلاثة آلاف دارع، وهم أنجاد تعدل المائة منهم عشر مائة من غيرهم، ويعطي الرجال الملابس والخيل والسلاح وجميع ما يحتاجون إليه، وإذا ولد لأحدهم ولد أمر بإجراء الرزق عليه ساعة يولد، ذكرا كان أو أنثى، فإذا بلغ إن كان ذكرا زوّجه ودفع عنه النحلة [إلى] والد الجارية، وإن كانت أنثى أنكحها ودفع النحلة إلى أبيها. والنحلة عند الصقالب عظيمة ومذهبهم فيها كمذهب البربر، وإذا ولد للمرء ابنتان أو ثلاث فهنّ سبب غنائه، وإن ولد له ولدان فهو سبب فقره.

ويجاور مشقه في الشرق الروس وفي الجوف بروس، وسكنى بروس على البحر المحيط ولهم لسان على حدّة لا يعرفون ألسنة المجاورين لهم، وهم مشهورون في شجاعتهم، إذا أتاهم جيش لا يتوارى أحدهم حتّى يلحق به صاحبه، إنّما يخرج لا يلوي على أحد فيضرب بسيفه حتّى يموت. ويعبر عليهم الروس في المراكب من المغرب.

وفي المغرب من الروس مدينة النساء ولها بسائط ومماليك، وهنّ يحملن من عبيدهنّ، فإذا وضعت المرأة ذكرا قتلته. ويركبن الخيل ويباشرن الحرب، ولهنّ بأس وبسالة. قال إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي: وخبر هذه المدينة حقّ، أخبرني بذلك هوته ملك الروم.

وفي الغرب من هذه المدينة قبيلة من الصقالبة يقال لها أمّة أوبابه، وهي في غياض من بلاد مشقه ممّا يلي المغرب وبعض الجوف، ولهم مدينة عظيمة على البحر المحيط، لها اثنا عشر بابا ولها مرسى، وهم يستعملون له شطورا حرلا وهم يحاربون مشقه وشوكتهم شديدة، وليس لهم ملك ولا ينقادون لأحد، وإنّما الحكّام فيهم أشياخهم.

فأمّا ملك البلقارين فقال إبراهيم بن يعقوب: لم أدخل بلده ولكنّي رأيت رسله بمدينة ماذي برغ حين وفدوا على هوته الملك، يلبسون ملابس ضيّقة

ويتمنطقون بأحزمة طوال قد ركّب عليها ترامس الذهب والفضّة، وملكهم عظيم القدر يضع على رأسه التاج وله الكتّاب والأزمّة وأصحاب الخطط وأمر ونهي على نظم وترتيب كالمعهود للملوك الأكابر، ولهم معرفة بالألسن ويترجمون الإنجيل باللسان الصقلبي وهم نصارى.

قال إبراهيم بن يعقوب: وإنّما تنصّر [ملك] البلقارين [لمّا أغار] على بلاد الروم حين حاصر مدينة القسطنطينية حتّى داراه ملكها وأرضاه بجزيل العطاء، وكان ممّا استرضاه به أن زوّجه ابنته فحملته على التنصّر. قال المؤلّف: فيدلّ قول إبراهيم أنّ تنصّره كان بعد ثلاثمائة من الهجرة، وقال غيره: إنّما تنصّر منهم من تنصّر على عهد بسيليوس الملك، وبقوا على نصرانيتهم إلى اليوم.

قال إبراهيم: والقسطنطينية من بلقارين في القبلة وتجاورهم أيضا في الشرق والجوف البجاناكية، وفي الغرب منها بحيرة بناجية، وهو خليج يخرج من البحر الشّامي بين الأرض الكبيرة والقسطنطينية، فيحيط بالأرض الكبيرة سواحل رومة وسواحل لنقبردية وينقطع بالفرلانة، فتصير هذه المواضع كلّها جزيرة واحدة قد أحاط بها البحر الشامي من القبلة، وذراع بناجية من جهة المشرق والجوف وبقي منها فتح من جهة الغرب.

ويسكن حافّتي هذا الخليج من مخرجه في المشرق من البحر الشامي الصقالبة، ففي الشرق منهم البلقارين وفي الغرب غيرهم من الصقالبة، وهؤلاء الّذين يسكنون في الغرب منه أشدّ بأسا، وأهل تلك الناحية يستأمنونهم ويتّقون شدّتهم، وبلادهم جبال شامخة وعرة المسالك.

وبالجملة فإنّ الصقالبة ذوو صولة وبطش، ولولا اختلافهم بكثرة تفرّع أعراقهم وتفرّق أفخاذهم ما قامت لهم في الشدّة أمّة من الأمم. وسكنوا من البلدان أجزلها ريعا وأكثرها أقواتا وهم يجتهدون في الفلاحة وطلب الأرزاق ويفوقون في ذلك جميع أمم الجوف، وتختلف بتجارتهم في البرّ والبحر إلى الروس والقسطنطينية. وجلّ قبائل الجوف يتكلّمون بالصقلبّية لاختلاطهم بهم منهم قبائل الطدشكين والأنقليّين والبجاناكية والروس والخزر.

وليس يكون الجوع في بلدان الجوف كلّها من القحط وتوالي الجدب، إنّما يكون من كثرة الغيث وتوالي الجمّة، ولا يكون المحل عندهم مهلكا لأنّه لا يتّقيه من أصابه لرطوبة بلادهم وشدّة بردها. وهم يزرعون في فصلين من العام في القيظ والربيع ويرفعون رفعين، وأكثر زرعهم الدّخن.

والبرد فيهم سليم وإن تفاقم والحرّ مهلك، وهم لا يقدمون على السفر إلى بلاد لنقبردية لحرّها لأنّ الحرّ يطغى عندهم فيهلكون، والسّلامة عندهم إنّما تكون فيما يكون فيه المزاج جامدا، فإذا انذاب وفار ذوى الجسد، جاءه الموت من قبل ذلك. وتعمّهم علّتان لا يكاد أحدهم يسلم من إحداهما وهما ريحان: الحمرة والنواصير.

وهم يجتنبون أكل الفراريج فإنّها تصرعهم بزعمهم وتقوّي عليهم ريح الحمرة، ويأكلون لحم البقر والإوزّ فيلائمهم. وهم يلبسون الثّياب الواسعة إلّا أنّ أردان أكمامهم ضيّقة. ويحجب ملوكهم نساءهم ولهنّ غيرة شديدة عليهم، ويكون للرجل منهم عشرون زوجة فصاعدا.

وأكثر أشجار شعابهم التفاح والإجاص والفرشك. وفيها طائر غريب تعلوه خضرة يحكي كلّ ما يسمعه من أصوات الناس والدوابّ وقد يوجد ...

فيصيدونه ويسمّى بالصقلبية شبك. وفيها دجاج برّية تسمّى أيضا بالصقلبية تترا، وهي طيّبة اللحم وتسمع أصواتها من أعالي الشجر على فرسخ، وأكثرها صنفان: سوداء وموشّاة أجمل من الطواويس.

ولهم ضروب من المزاهر والمزامير، ولهم مزمار طوله أكثر من ذراعين، وعودهم عليه من الأوتار ثمانية أوتار، وباطنه مسطّح لا مقبّب.

وأشربتهم وأنبذتهم العسل.

قال س: والصقالبة أجناس كثيرة فمن أجناسهم أصطترانة ودولابة ونامجين، وهذا الجنس أشجعهم وأفرسهم، وجنس يقال له سربين وهو عندهم مهيب، وجنس يقال له مراوة وخرواتين وصاصين وحشيابين. ومن هذه الأجناس من هو ينقاد إلى دين النصرانيّة على مذهب اليعقوبيّة منهم، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة وهم جاهلية، وجنس الملك من هؤلاء. والجنس الّذي ذكرنا أنّه يدعى سربين يحرقون أنفسهم بالنّار إذا مات رئيسهم ويحرقون دوابّهم، ولهم أفعال مثل أفعال الهند، وهم يتّصلون بالشرق ويبعدون من الغرب. وهم يطربون ويفرحون عند حرق الميّت ويزعمون أنّ سرورهم وأطرابهم لرحمة ربّه إيّاه.

ونساء الميّت يقطعن أيديهنّ ووجوههنّ بالسّكاكين، وإذا زعمت واحدة منهنّ أنّها محبّة له علّقت حبلا وارتقت إليه على كرسي، فتشتدّ به في عنقها، ثمّ يجذب الكرسي من تحتها فتبقى مقامة تضطرب حتّى تموت، ثمّ تحرق وتلحق بزوجها.

ونساؤهم إذا نكحن لم يفجرن إلّا أنّ البكر إذا أحبّت رجلا صارت إليه وأقامت عنده شهوتها، فإذا تزوّجها الزّوج فوجدها عذراء قال لها: لو كان فيك خير لرغب فيك الرّجال ولاخترت لنفسك من يأخذ عذرتك، فيرسلها ويبرأ منها.

وبلاد الصّقالبة أشدّ البلاد بردا، وأقوى ما يكون ذلك عندهم إذا أقمرت الليالي وأصحت الأيّام، فحينئذ يشتدّ البرد ويقوى الجمد فتتحجّر الأرض فتجمد الأشربة كلّها وتعرمدت (؟) البئر والفيض حتّى تأتي كالحجارة، وإذا استتر النّاس على لحاهم صفائح الجمد تكون كالزجاج فيعسر تكسّره حتّى يصطلي أو يدخل كنّا. وإذا كان الليل مظلما والنهار مغيّما فحينئذ ينجلي الضريب ويفتر البرد، وفي هذا الوقت تنكسر السّفن ويهلك من فيها لأنّه يواجهها من جليد أنهار هذه البلاد قطع كالجبال الرواسي، وربّما ظفر من تلك القطعة الشابّ والجلد من الرجال فيسلم عليها.

وليس لهم حمّامات، وإنّما يتّخذون بيوتا من خشب ويسدّ خصاصه بشيء يتكوّن على أشجارهم يشبه الطحلب يسمّونه عجّ، وهو مقام الزفت لسفنهم ويبنون كانونا من حجارة في إحدى زواياه ويفتحون في أعلاه زوزنة تلقاءه لخروج دخانه، فإذا سخن سدّوا تلك الزوزنة وأغلقوا باب البيت، وفيه غاصب الماء وصبّوا من ذلك الماء على الكانون المحتمي

وترتفع أبخرته. ويكون بيد كلّ واحد منهم ضغث من حشيش يحرّك به الهواء ويجذبه إلى نفسه، فتنفتح مسامّهم ويخرج فضول أجسامهم فتجري منهم السيول. ولا يكون على أحدهم أثر جرب ولا قرح، وهم يسمّون هذا البيت الأطبا.

وملوكهم يسافرون بالعجل العظام العالية الجارية على أربعة أفلاك وقوائم، في زواياها أربعة أعمدة وثيقة، وعلّق منها هودج بسلاسل حصينة وكسي بالديباج، فلا يتقلقل الجالس فيه تقلقل العجلة، يعدّونه للمرضى والجرحى. والصقالبة تحارب الروم والإفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم، والحرب بينهم سجال.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.